

كاتب وباحث سوري
تأخير الجلسة الأولى لمجلس الشعب هو حلقة من سلسلة إهانات تعرض لها أعضاء المجلس، بدءاً من صلاحيات المجلس المنقوصة التي لم تمنحه حق منح وحجب الثقة عن الحكومة، ثم تشكيل الهيئات الناخبة واستبعاد أعضاء منها دون مبررات، ثم التعدي على صلاحياته بإصدار مراسيم وقوانين ينص الإعلان الدستوري على أنها من حق المجلس فقط، ثم التأخير الطويل لثمانية أشهر في إتمام ثلث الرئيس المكمل وترك الأعضاء والشعب في انتظار طويل بلا موعد.
وعندما اكتملت أخيراً القائمة كان تصريح رئيس اللجنة العليا للانتخابات في إعلان الأسماء المنتظر طويلاً أن مجلس الشعب هو مكرمة وليس حقًا.
بعد ذلك أصدر رئيس اللجنة قائمة تعليمات تنفيذية للجلسة الأولى تناقض الإعلان الدستوري والمرسوم الرئاسي 143 لعام 2025، من دون أن يمتلك رئيس اللجنة صلاحية تشريعية أو صلاحية تعديل الإعلان الدستوري أو المراسيم.
كان أبرز ما تضمنه القرار هو تأدية النواب القسم الجماعي وليس الفردي، وأمام رئيس المجلس وليس الرئيس (كما نصّت المادة 27 من الإعلان الدستوري)، وإن كانت هذه المادة عُدّلت سابقاً في المرسوم 143 لعام 2025 (النظام الانتخابي الخاص لمجلس الشعب)، مع أن تعديل الإعلان يكون فقط بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب وفق المادة 50 من الإعلان الدستوري نفسه، وإن كانت تأدية القسم أمام الرئيس خطأ طبعاً.
وفي تعليمات رئيس اللجنة أنه هو من يرأس الجلسة الأولى ويقسم الأعضاء وقوفاً أمامه، بينما المادة 39 من المرسوم 134 لعام 2025 أن رئيس اللجنة يدعو العضو الأعلى سنًا لرئاسة المجلس ثم يقسم الأعضاء أمام رئيس المجلس الأعلى سناً، ثم تكون انتخابات المكتب الرئاسي، وعلى رئيس اللجنة وفق المرسوم أن يغادر بمجرد تسليم الرئاسة للعضو الأكبر سناً فمجرد وجوده في القاعة عند أداء القسم هو مخالف للمرسوم أصلاً.
والأهم في قرارات رئيس اللجنة الأخيرة هو اعتبار الفائز بمنصب رئيس مجلس الشعب من يحوز أعلى عدد من الأصوات وليس الأغلبية (كما نصت المادة 28 من الإعلان الدستوري).
لدينا إذن ثلاثة نصوص قانونية غير منسجمة قانونياً ومتناقضة، صادرة عن السلطة نفسها، لتنظيم عمل المجلس التشريعي والقانوني للبلاد الذي يفترض فيه أكثر من غيره الكمال والدقة القانونية
هذا التعديل الأخير في طريقة التصويت أثار حالة غضب واعتراضات بين أعضاء المجلس، إذ يسمح هذا بالنجاح المبكر لمن يحوز أعلى عدد أصوات ولو كان 20 صوتاً دون الأغلبية، ما يمنح قدرة أكبر لتأثيرات النفوذ والضغط في اختيار رئيس المجلس.
لم يكن هذا التعديل الوحيد في انتخاب المكتب الرئاسي، فالمادة 28 من الإعلان الدستوري حددت انتخاب رئيس للمجلس ونائبين وأمين سر، بينما المادة 39 من المرسوم 143 لعام 2025 حدّدت انتخاب رئيس ونائب واحد وأميني سر اثنين، ثم عاد قرار التعليمات التنظيمية للجلسة الأولى إلى انتخاب رئيس ونائبين وأمين سر واحد.
لدينا إذن ثلاثة نصوص قانونية غير منسجمة قانونياً ومتناقضة، صادرة عن السلطة نفسها، لتنظيم عمل المجلس التشريعي والقانوني للبلاد الذي يفترض فيه أكثر من غيره الكمال والدقة القانونية.
بعد كل ذلك تؤجل الجلسة الأولى إلى أجل غير مسمّى، المبرر العلني زيارة ماكرون المجدولة ومعروفة الموعد سلفاً، وسيتبعها سفر الرئيس الشرع إلى قمة الناتو، ما قد يؤجل انعقاد الجلسة أكثر.
ولكن في كل الأحوال ينتشر اعتقاد بين أعضاء المجلس أن السبب الحقيقي للتأجيل هو عدم حسم الخلاف حول انتخابات المكتب الرئاسي، ووجود رغبة بتعيين المكتب من فوق وليس من أعضاء المجلس، عدا أن طريقة التأجيل تشبه طريقة تأجيل رحلة تلاميذ مدرسة، وتضاف لسلسلة عدم معاملة الأعضاء بتقدير واحترام الشخصية الاعتبارية التي يمثلونها.
لم تكن الانتخابات كاملة نعم، وأبرز مهمة لأعضاء المجلس إن كانوا أوفياء لمهمتهم الوطنية هي أن تكون الانتخابات القادمة ديمقراطية تمثيلية كاملة، وليس على طريقة أهل الحل والعقد في الدولة السلطانية.
المجلس الناتج عن انتخابات غير كاملة ليس مكرمة رئاسية أو حزبية، بل هو شرط لاستكمال شرعية الدولة والمرحلة الانتقالية، وهو شرط لاستكمال الشرعية الشعبية والشرعية الثورية أيضاً للدولة
مهمة المجلس الأساسية هي ترسيخ الديمقراطية التي هي سبب وجوده في هيكلية الدولة، من منصب الرئيس حتى البلديات، وعدم التحول إلى واجهة شكلية لإظهار وجود حياة سياسية وتمثيل شعبي غير مؤثر في رسم السياسات ومصير الدولة، كما كان مجلس الشورى العام في إدلب.
وهذا المجلس الناتج عن انتخابات غير كاملة ليس مكرمة رئاسية أو حزبية، بل هو شرط لاستكمال شرعية الدولة والمرحلة الانتقالية، وهو شرط لاستكمال الشرعية الشعبية والشرعية الثورية أيضاً للدولة، لأن هذه الشرعية الثورية ليست حكراً على شخص أو فصيل، ويساهم المجلس بوجود شخصيات ثورية واجتماعية من مناطق مختلفة في الحل الجزئي لمعضلة غياب التمثيل واحتكار قيادة السلطة التنفيذية من قبل كوادر هيئة تحرير الشام، والنسبة الأكبر من أعضاء المجلس هم من هذا المجتمع الثوري الواسع.
ومن مصلحة الهيئة والدولة والبلد والمجلس أن يكون هناك مجلس شعب كامل الصلاحيات، كما تقوم السلطة التنفيذية بكامل صلاحياتها وزيادة عليها، وأن يكون المجلس مستقلاً فعلاً ويعمل على تقييد ومساءلة وتعطيل عمل السلطة التنفيذية إن لزم الأمر.
وعلى الهيئة قبل غيرها أن تكون حريصة على إنجاح المجلس وعدم وجود شخصيات من الهيئة أو محسوبة عليها في رئاسته، لأن احتكار جميع المناصب والواجبهات يقوض مهمة المجلس وقدرته على تعويض نقص التمثيل والتشاركية، ويزيد في استفزاز الفئات التي تشعر بالتهميش والإقصاء وتكريس سلطة أحادية ودائمة، ومآل ذلك ليس تحقيق الاستقرار للدولة بل النقيض.





