

في البلد استقطاب سياسي بين السلطة ومجموعات معارضة متنوعة، منها الطائفي ومنها الاثني ومنها الديني ومنها الديمقراطي. هذا الاستقطاب بدأ منذ دخول غرفة ردع العدوان لحلب. من يعود لتاريخ تلك الفترة بتفاصيلها يرى ذلك بشكل واضح.
هذا الاستقطاب لسببين: الأول هو رفض إسقاط الأسدية. السبب الثاني: الخلفية الإسلاموية لهيئة تحرير الشام. منذ تلك اللحظة بدأت عمليات الاستقطاب، التي شارك فيها فلول الأسدية بشكل واضح. ومنذ تلك اللحظة بدأنا نشهد إعادة تموضع عام للمشهد السياسي السوري.
مروحة من اللغونات السياسية الحادة. بدأت بالانتشار عبر السوشيال ميديا من جهة، وإعادة قيام تحالفات سياسية جديدة. تجمع المعارضين لما يجري في تحرير حلب. هؤلاء عينة مختلطة يجمع بينهم العداء للتحرير. ليس أدل على ذلك هو موقف ما أسميته “البنية الفنية الأسدية” من ممثلين ومخرجين وخلافه. موقف لم تتسم به بنية فنية من قبل.
بنية فنية بكل ما فيها تقريباً تقف لتقول ببساطة: نحن مع الأسد الذي كان يقتل السوريينّ هذه البنية محسوبة على ما يمكننا تسميته تجاوزاً على النخب السورية. آخر هم لها هو الضحايا. الأهم هو ما تفرضه حالة الاستقطاب السياسي بالبلد بسبب تحررها من الأسدية.
ننتقل إلى ملف آخر أعتبره الأهم في البلد، في ظل هذا الاستقطاب:
هنالك فارق مهم بين أن تتضامن مع الضحايا أيا كان المجرم، وتطالب بالعدالة لهم. وبين أن تتبنى مواقف أطراف سياسية سواء كانت محسوبة على المعارضة أو على السلطة الحالية. كمثال: كنت من أول المتضامنين مع الضحايا في الهجوم على السويداء. وموقفي كان واضحاً من المهاجمين. لكن بعد فترة اكتشفت أن هذا ليس مطلوباً. بل المطلوب أن تتبنى مواقف الشيخ حكمت الهجري. وإذا لم تتبن مواقفه فأنت مع السلطة. رغم أن مشروعه لا يتعدى مزعرة طائفية إسرائيلية فلولية مختلطة الأجندات، هو واجهتها، وليس حاكماً لها فعلياً، كما يظهر لبعضهم.
مزعرة قتلت من البدو الكثير واقتلعتهم من السويداء. لديها كامل الاستعداد لقتل أي درزي يقف ضدها. هذا حدث مرات ولا يزال يحدث. هذا الموقف من قبل كثير من نخب السويداء الذي تعرضت له، ينسحب على كثير من موالي السلطة.
أيضاً ليس مطلوباً منك أن ترفض خيار السلطة في الهجوم على السويداء، وليس مطلوباً منك التضامن مع البدو ومع شباب الأمن العام الذين قتلتهم عصابات الهجري دون ذنب. تضامنك هذا مرفوض يجب أن تكون مع خيار السلطة. المفارقة هنا تكمن أن أطراف الاستقطاب السياسي المختلطة كما أشرت أعلاه غير معنية بالتضامن مع الضحايا، والمطالبة بالعدالة لهم، بل معنية فقط بأن تتبنى مواقفهم السياسية.
مفارقة أخرى؛ لم تمر جريمة بحق أبناء الطائفة العلوية لم أدنها، وأطالب بالعدالة للضحايا. وأدنت السلطة ومجاميعها في كل جريمة ثبت أن أحداً من السلطة يقف خلفها. رغم أن الفضاء السياسي الحاكم حتى اللحظة في الطائفة العلوية هو فضاء أسدي، بفعل القوة والتاريخ والرمزية المتراكمة. لكن هذا لا يعني أن كل الطائفة مع هذا الفضاء. يجب أن نميز بين سيطرة فضاء سياسي لسبب ما، وبين من يقف ويدعمه بإرادة حرة أو مجبراً.
أنا أجد الآن أن أكثرية الطائفة العلوية. تحاول أن تبتعد عن الفضاء الأسدي. لكن لا يكفي أن تتضامن مع الضحايا وتدين المجرم وتطالب بالعدالة. بل يجب أن تتبنى مواقف الفلول السياسية، ومن يتحالف معهم الآن! أيضا في هذه المفارقة ينطبق الأمر على أكثرية موالي السلطة، أنت يجب أن تدعم السلطة مهما كان الوضع. لهذا يتم اتهامي مرة فلول ومرة هجري ومرة قسدي إلى آخر المعزوفة. مقابل اتهامي بأني أطبل للسلطة من قبل الفلول، وحواشيهم، والهجريين، وحواشيهم. لهذا بات من الضروري أن أوضح موقفي كل فترة. لكي احمي أهلي من الشتائم!!
أنا منذ اللحظة الأولى للتحرير كان لي قراءة مختلفة للحدث، عما يتم تداوله حتى الآن، عن تلك النقلة النوعية في تاريخ سوريا. حتى هذه اللحظة، لم أفصل بين الحمولة الدولية الداعمة لتلك اللحظة، وبين السلطة الحالية. هنالك تغيير ضخم بالنسبة لي، يقلب كل ما جرى في المنطقة منذ أقل من مئة عام. هذه النقلة بغض النظر عن تفاصيلها، أنهت الرواية الفرنسية التي تأسست في سوريا ولبنان. لا أريد الدخول في تفاصيلها، لأنها تحتاج ليس لبحث، بل لبحوث. ولايزال موقفي كما هو.
لهذا كنت مع الاتفاق التاريخي الذي جرى بين السلطة وقسد برعاية دولية بزعامة أمريكا. هذا الاتفاق الذي أعتبره الخطوة الأهم للحمولة الدولية في الحفاظ على السلم الأهلي السوري. عندما تتمترس السلطة في ممارسات تجعل الحمولة الدولية ترفع عنها الغطاء والدعم. عندها سيكون لي موقف مختلف. الحمولة الدولية هذه ليست خطوة عابرة في تاريخ المنطقة والبلد، بل هي إعلان عن بدء تاريخ جديد لها.
البلد لا تحتاج لمشايخ ورثة الإسلام المتشدد الذي ولد في الثورة لأسباب كلنا نعرفها. هؤلاء يجب إبعادهم عن العمل السياسي في الدولة. ليشكلوا حزباً سياسياً يناضل سلمياً. وإن رفعت الحمولة الدولية غطاءها عن البلد الآن، سيكون بسبب هؤلاء المشايخ. الذي لا يرون أبعد من ذقونهم. الممارسات لا تجعل الحمولة الدولية تأخذ منها موقفا حالياً، لكنها تتراكم في الملف السوري. هنا مكمن الخطر.
إذا كانت الحمولة الدولية لديها رؤية في أن تنتج السلطة الحالية نظاماً ديكتاتوريا فبئست هذه الحمولة. لكنني لا أرى الأمر كذلك. لهذا لم يتغير موقفي من حالة الاستقطاب المريض طائفياً ودينياً وسياسياً. غير هؤلاء المشايخ، هنالك خطر على السلم الأهلي من إسرائيل اليمينية التي يحكمها نتنياهو. هذا ما سأكتب عنه لاحقاً. الضحايا المدنيون في البلد ليسوا ملكاً لجهة استقطابية بل ملكاً للإنسان السوري الذي يجب العمل على صنعه، بعيداً عن هذا الاستقطاب المتهافت. لا تهمني لا سلطة ولا معارضة.





