

ليست الفكرة التي تستعيدها قراءات عربية عبر الصحف والشاشات عن تحوّل إسرائيل من ذخر استراتيجي إلى عبء على الولايات المتحدة بلا أساس. ثمة ما تغير فعلاً في صورة إسرائيل داخل أميركا. لم تعد العلاقة بين الطرفين محصّنة بذلك الغلاف العاطفي القديم، ولم تعد إسرائيل قادرة على استدعاء الإجماع الأميركي نفسه كلما دخلت حربًا أو طالبت بمزيد من السلاح أو الغطاء السياسي. لكن المشكلة في هذا التوصيف أنه، إذا أُخذ على إطلاقه، يمنح واشنطن براءة لا تستحقها، ويحوّل الولايات المتحدة إلى دولة تم جرّها إلى حروب الآخرين، لا إلى إمبراطورية تعرف جيدًا لماذا تختار حروبها ومتى تختارها.
بهذا المعنى، لا يكفي القول إن نتنياهو دفع الولايات المتحدة إلى الحرب، سواء في العراق سابقًا أو في إيران اليوم. في العراق، لم تكن واشنطن تنتظر شهادة نتنياهو أمام الكونغرس كي تكتشف طريقها إلى بغداد. كان القرار قد نضج داخل بنية أميركية كاملة بعد هجمات 11 سبتمبر. فقد كانت الإدارة تبحث عن عرض قوة، والمحافظون الجدد يحملون مشروعاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ومؤسسة عسكرية ـ أمنية ترى في الحرب الوقائية أداة لترتيب العالم، وإعلام مستعد لتحويل الفرضيات إلى حقائق والخوف إلى سياسة. كان نتنياهو في تلك اللحظة شاهداً مفيداً لا موجها مباشرا. هو لم يخلق الاندفاعة الأميركية إلى الحرب، بل منحها لغة إقليمية مطمئنة، ووعدًا ساذجاً بأن إسقاط صدام حسين سيفتح باب شرق أوسط أفضل.
لكن استدعاء العراق اليوم ليس بلا معنى. أهميته لا تكمن في أن نتنياهو صنع حرب العراق، بل في أنه كان جزءًا من جوقة سياسية سوّقت واحدة من أكثر الحروب كارثية في الذاكرة الأميركية الحديثة. وقد ثبت لاحقًا أن أسلحة الدمار الشامل التي استُخدمت ذريعة للحرب لم تكن موجودة، وأن إسقاط العراق لم يضعف إيران، بل فتح لها المجال كي تصبح أكثر نفوذاً في الإقليم. هنا تحديداً يصبح اسم نتنياهو ذا دلالة، ليس بوصفه صاحب القرار الأميركي، بل بوصفه السياسي الذي يملك موهبة تأويل الخطر إلى ذريعة، والذريعة إلى وعد، والوعد إلى كارثة.
ومع ذلك، لا تبدو المقارنة مع إيران مطابقة تمامًا. في العراق كان نتنياهو صوتاً خارجياً مؤيداً لحرب أميركية صُنعت في واشنطن. أما في الحرب على إيران، فإسرائيل ليست شاهدة على المسرح، بل طرفا مباشرا في الفعل العسكري والسياسي. إذاً لم تعد المسألة شهادة أمام الكونغرس أو مقالة في صحيفة أو خطابًا تلفزيونيّا. بل صارت شراكة في تقدير الخطر، وتحديد التوقيت، وتوسيع ميدان الاشتباك. وهنا يتقدّم دور نتنياهو خطوة إضافية لا باعتباره قادراً وحده على جرّ الولايات المتحدة، بل باعتباره صاحب مشروع يلتقي مع قابلية أميركية دائمة لاستخدام القوة حين ترى أن قوة إقليمية ما بدأت تملك هامش ردع مستقل.
لذلك فإن السؤال ليس هل جرّت إسرائيل أميركا إلى حرب إيران؟ بل لماذا كانت أميركا قابلة أصلًا للدخول في حرب كهذه؟ فالدول العظمى لا تُجرّ إلى حروبها كما يُجرّ طفل إلى “طوشة” تلاميذ في المدرسة. هي تدخل حين تجد أن أوهام الحليف تخدم مصالحها، أو حين تتقاطع هلوساته الأمنية مع بنيتها الإمبراطورية العميقة. ومن هنا، فإن تصوير واشنطن كضحية لنتنياهو لا يقل تضليلًا عن تصوير نتنياهو كفاعل بريء داخل قرار أميركي مستقل. كلاهما يحتاج الآخر، واشنطن تحتاج إلى حليف يقدّم الحرب بوصفها ضرورة إقليمية، ونتنياهو يحتاج إلى قوة عظمى تمنح مشروعه المحلي والإقليمي اسماً أكبر من حجمه.
أما القول إن إسرائيل تحولت إلى عبء، فيحتاج إلى تدقيق. نعم، إسرائيل باتت عبئًا سياسيًا وأخلاقيا وانتخابيا داخل الولايات المتحدة. استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى تراجع واضح في صورة إسرائيل بين الأميركيين، خصوصًا لدى الشباب، وإلى فقدان متزايد للثقة بنتنياهو. كما أن الانقسام لم يعد محصورًا بالديمقراطيين التقدميين، بل بدأ يطلّ أيضاً من بعض زوايا اليمين الأميركي الذي يرى في الحروب المرتبطة بإسرائيل خيانة لشعار “أميركا أولًا”. هذا التآكل حقيقي، ولا يجوز التقليل من أهميته. فقد أظهر مركز بيو – وهو مركز أبحاث أميركي غير حزبي- في أبريل/نيسان 2026 أن 60% من البالغين الأميركيين باتت لديهم نظرة غير مناسبة لإسرائيل، وأن 59% لا يثقون بنتنياهو في الشؤون العالمية، مع ارتفاع واضح في السلبية بين الفئات الأصغر سنًا.
لكن هذا كله لا يعني أن إسرائيل أصبحت عبئًا استراتيجيًا بالمعنى الكامل. فالدولة العميقة في الولايات المتحدة لا تقيس الحلفاء بمعيار السمعة الأخلاقية، بل بمعيار الوظيفة. وإسرائيل، رغم كلفتها المتزايدة، ما زالت تؤدي وظيفة مركزية في التصور الأميركي للشرق الأوسط ،أي قوة عسكرية متقدمة وأداة ردع وقاعدة نفوذ ومختبر أمني وتكنولوجي، وحليف قادر على خوض حروب لا تريد واشنطن دائماً أن تظهر كصاحبة اليد الأولى فيها. ولهذا تستمر المساعدات العسكرية الضخمة ضمن مذكرة التفاهم التي تغطي الأعوام 2019 ـ 2028 بقيمة 38 مليار دولار، أي نحو 3.8 مليار دولار سنويًا.
هنا تكمن نقطة الاعتراض الأساسية، فإسرائيل لم تنتقل ببساطة من خانة الذخر إلى خانة العبء. الأدق أنها صارت ذخرا استراتيجيا مكلفاً سياسياً. هذه الكلفة جديدة نسبياً، أو على الأقل صارت أكثر ظهوراً بعد غزة وإيران. الدفاع عن إسرائيل لم يعد مجانياً في الجامعات، ولا في الإعلام، ولا داخل الحزب الديمقراطي، ولا حتى داخل بعض هوامش اليمين الأميركي. لكن المجانية شيء، والوظيفة الاستراتيجية شيء آخر. قد تخسر إسرائيل كثيراً من رصيدها الرمزي، لكنها لا تزال تحتفظ بموقعها داخل شبكة المصالح الأميركية.
وهذا ما يجعل اللحظة خطرة فعلًا. فالحليف الذي كان يُقدّم بوصفه امتدادًا أخلاقيًا للغرب، صار يحتاج إلى تبرير يومي. والحليف الذي كان يُقال إنه يحمي مصالح واشنطن، صار يفرض عليها أثماناً سياسية متزايدة. والحليف الذي كان يجمع الحزبين حوله، صار أحد مصادر الانقسام بينهما. لكن واشنطن، حتى الآن، لا تتصرف كمن اكتشف أن إسرائيل فقدت وظيفتها، بل كمن يحاول إدارة الكلفة المتزايدة لحليف لا يريد التخلي عنه.
من هنا، فإن المشكلة ليست فقط في نتنياهو، ولا في إسرائيل وحدها، بل في العلاقة التي تسمح لرجل مثل نتنياهو بأن يبدو أحيانًا كأنه يقود واشنطن، بينما هو في الحقيقة لا يستطيع فعل ذلك إلا لأن داخل واشنطن هناك من يريد أن يُقاد في الاتجاه نفسه. الإمبراطورية لا تحتاج دائمًا إلى من يخدعها أحيانًا تحتاج فقط إلى من يقول لها إن نزعتها القديمة إلى القوة ليست نزعة، بل ضرورة.
لذلك، ربما لا تكون إسرائيل قد أصبحت عبئًا بعد. وربما لن تصبح عبئًا كاملًا إلا حين تتجاوز كلفتها وظيفتها. أما الآن فهي شيء أكثر تعقيدًا، ذخرٌ يفقد هالته، حليفٌ تتآكل شرعيته، وقوةٌ ما زالت نافعة للمؤسسة الأميركية رغم أنها صارت ثقيلة على الضمير العام. وهذا، في ذاته، تحوّل كبير ليس لأن واشنطن بدأت ترى إسرائيل عبئًا يمكن رميه، بل لأن الدفاع عن إسرائيل لم يعد قادرًا على إخفاء السؤال الذي ظل مؤجلًا طويلًا هل تحمي إسرائيل المصالح الأميركية، أم تكشف فقط الوجه الحقيقي لهذه المصالح؟





