الصراع على تشكيل المجال الشرق أوسطي

غازي دحمان27 فبراير 2026آخر تحديث :
الصراع على تشكيل المجال الشرق أوسطي

لم يكشف رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، جديداً عندما أعلن، عشية زيارة رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، تل أبيب، تشكّل تحالف سداسي من إسرائيل والهند ودولة عربية ودولة آسيوية وقبرص واليونان؛ فالتحالف المُشار إليه لم يعد في طور التخمين، بل بات كياناً تكسوه استراتيجيات واتفاقات تعاون ثنائية، وتؤطّره مشاريع كُبرى تطرح نفسها ضروراتٍ حتميةً لعالم محدَّث يبحث عن مخارج لأزمات التجارة والوقود وانسيابية السلع، بعد أن شهدت هذه القطاعات أزمات كبيرة في آخر سنتَين. كما لم يأتِ بجديد حين حدّد خصم تحالفه الجديد، ممثّلاً بـ”الإسلام المتطرّف”، وهو هنا يعني الدول الإسلامية التي أظهرت نشاطاً مخالفاً لتوجّهات إسرائيل في المنطقة، مثل تركيا وقطر والسعودية ومصر، وبالطبع باكستان، العدوّ التقليدي للهند، التي بدأت ببناء علاقة تحالفٍ استراتيجيٍّ مع السعودية، في حين انخرطت تركيا ومصر في تفاهمات يتوجّس نتنياهو من إمكانية تحوّلها إلى اتفاقات استراتيجية تؤثّر في وضع إسرائيل الجيوسياسي في المستقبل.

ليس سرّاً أن إسرائيل والهند وإثيوبيا تنخرط في تحالفٍ مُعلَنٍ بهدف السيطرة على البحر الأحمر، إذ تلاقت مصالح هذه الدول الأمنية والاقتصادية لتشكيل هذا التحالف؛ فتسعى إسرائيل إلى تثبيت أقدامها في البحر الأحمر، الذي تعتبره بوابتها إلى آسيا وأفريقيا، ويتركّز هناك جزء كبير من تجارتها، في حين تعتبره الهند جزءاً من محيطها الحيوي لارتباطه بالمحيط الهندي، وتسعى إثيوبيا، “الدولة الحبيسة”، إلى الحصول على موانئ على البحر الأحمر لتعزيز مكانتها الإقليمية وتعزيز نشاطها الاقتصادي. وتقع دول مثل الصومال وجيبوتي واليمن في عين استراتيجيات هذا التحالف، نظراً لموقعها المميّز على البحر الأحمر، ولأنها دول تعاني من حالة عدم الاستقرار وتبحث عن موارد مالية لدعم اقتصاداتها المتهالكة.

لكن هذه ليست المشكلة كلّها؛ بمعنى أن المغزى من هذا التحالف، والتركيز في البقعة الجغرافية الممتدّة من خليج عدن حتى باب المندب، لا تنحصر أهدافه في القضايا الاقتصادية والأمنية، بل هو جزء من شبكة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل المجال في منطقة الشرق الأوسط. وتتضمّن هذه الشبكة ممرّ الهند الذي يربط آسيا بأوروبا، ويجعل من الهند بديلاً صناعياً للصين، ومن إسرائيل رابطاً بين قارّات العالم القديم، كما تشمل الشبكة اليونان وقبرص بهدف السيطرة على أكبر مساحات إنتاج الغاز وخطوط نقله عبر البحر الأبيض المتوسط.

 تقوم شبكة جغرافية التحالف الذي تقوده إسرائيل والهند على محاصرة دول المنطقة من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، والتحكّم بحركتها التجارية وعمليات تصدير ترواتها واستيراد مستلزماتها

باختصار، تقوم شبكة جغرافية التحالف الذي تقوده إسرائيل والهند على محاصرة دول المنطقة من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، والتحكّم بحركتها التجارية وعمليات تصدير ثرواتها واستيراد مستلزماتها، وربّما التحكّم بتوجّهاتها التجارية وتحديد وجهة علاقاتها الاقتصادية، فضلاً عن إمكانية فرض خيارات سياسية على دول المنطقة، من نوع التطبيع مع إسرائيل والاعتراف بمركزيتها ومركزية الهند في النظام الإقليمي، والخضوع لتوازنات القوى التي ستكون مائلةً بشكل كبير إلى صالح قوتَين نوويَّتَين، إسرائيل والهند.

لا يكتفي هذا المحور بالضغط الاستراتيجي على دول المنطقة، بل يحاول الخصم من رصيدها بإلغاء مساحات النجاح التي حققتها هذه الدول على الصعد الدولية والإقليمية في العقد الماضي، عبر محاولة هذا المحور ترويج نفسه ضامناً لسلامة طرق النقل وسلاسل الإمداد، من خلال تشكيل هياكل أمنية حقيقية تقوم الهند بإنشائها في إطار ما يسمّى سياسة “الأمن والنمو للجميع في المنطقة”، التي تهدف إلى تعزيز القدرات البحرية الهندية وترسيخ حضورها فاعلاً أمنياً في المحيط الهندي وتخومه.

تنطلق التقييمات الهندية الإسرائيلية من قناعة بأن الواقع الجيوسياسي في المنطقة والعالم سائل إلى حدّ كبير، بعد المتغيّرات الجيوسياسية الهائلة التي شهدها العالم، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى حروب الشرق الأوسط، الأمر الذي أنتج واقعاً يسهل تشكيله، سواء عبر التلويح بالقوة أو استخدامها إن لزم الأمر، للحصول على الفرص الناشئة التي ينطوي عليها هذا الواقع، ويمثّل الوقت الراهن فرصةً مهمة يجب عدم إهدارها.

تنطلق التقييمات الهندية الإسرائيلية من قناعة بأن الواقع الجيوسياسي في المنطقة والعالم سائل إلى حدّ كبير

لكن هذه اللحظة تنطوي على خطر تشكّل محور مقابل تقوده تركيا والسعودية؛ صحيح أنه لم يتأطّر بعد ضمن إطار استراتيجي واضح المعالم ومحدّد الأهداف، لكن التفاعلات الجارية داخله تنذر بإمكانية بلوغ تلك المرحلة في أيّ وقت. وقد دقّ التحالف السعودي – الباكستاني جرس الإنذار، كما تشي حركة تركيا وفعّاليتها في المنطقة بإمكانية تشكيل تحالف يمنح الشرق الأوسط شكلاً مغايراً لما تريده إسرائيل، لا سيّما أن هناك قابلية أكبر لدى الدول التي تشكّل أهدافاً للتحالف الهندي الإسرائيلي في القرن الأفريقي للتحالف مع السعودية وتركيا، نظراً إلى وجود روابط عديدة تجمعها بهما.

اللافت في تحالف إسرائيل – الهند – إثيوبيا، واليونان وقبرص، أنه تعبير عن تحالف قوميات ناهضة تبحث عن مساحات حيوية لتأكيد هيمنتها وتوسيع مصالحها. واللافت أيضاً أن مجالها الحيوي يتطابق مع الجغرافيا العربية، ببرّها وبحورها، بثرواتها وتجارتها، من دون مواربة، الأمر الذي يحتمّ على مراكز الثقل العربية البحث عن مقاربات جديدة للتعامل مع هذه التطوّرات، وعدم انتظار لحظة تبلور المحور المُشار إليه؛ إذ تمتلك دول الثقل العربي أوراقاً كثيرة في مواجهة أطراف المحور، وصار لزاماً عليها تفعيلها في لحظة يُوضع فيها أمنها ومصالحها على المحك.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل