بين المركزية واللامركزية.. أي نموذج حكم يناسب سوريا؟

زكريا ملاحفجي25 فبراير 2026آخر تحديث :
بين المركزية واللامركزية.. أي نموذج حكم يناسب سوريا؟

بعد صراع طويل امتد نحو أربعة عشر عاماً خلال الثورة السورية، وأكثر من عام من محاولات إعادة الانتشار على الجغرافيا السورية، وفي ظل محاولات بعض الأطراف الساعية إلى الانقسام، كما في السويداء، والتفاهمات الأخيرة في الحسكة التي منحت المنطقة خصوصية معينة، لم يعد السؤال السياسي في سوريا يقتصر على شكل السلطة أو طبيعة النظام، بل امتد إلى بنية الدولة نفسها: هل ستبقى مركزية كما تشكّلت تاريخياً، أم تتجه نحو اللامركزية؟

وبين هذين الخيارين يبرز تصور ثالث، يبدو أكثر واقعية برأيي، يتمثل في نموذج متقدم من اللامركزية الوظيفية والإدارية. فهو نموذج لا يصل إلى حد اللامركزية السياسية أو الفيدرالية، لكنه يتجاوز اللامركزية الإدارية التقليدية، إذ يعيد توزيع الصلاحيات بما ينسجم مع تعقيد المجتمع السوري وتنوعه الجغرافي.

تشكلت الدولة السورية الحديثة ضمن سياق تاريخي إقليمي فضّل المركزية الشديدة. فمنذ مرحلة الانتداب برزت في بداياتها رغبة فرنسية في اللامركزية السياسية، ثم تغيّرت المعادلات خلال الانتداب، وبعد الاستقلال اعتمدت النخبة الحاكمة نموذج الدولة الموحدة الصلبة، باعتباره ضمانة للوحدة الوطنية وخشيةً من التقسيم في مجتمع متعدد دينياً وإثنياً ومناطقياً. وتعزز هذا الاتجاه لاحقاً مع صعود الدولة الأمنية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تركز القرار السياسي والاقتصادي والإداري في العاصمة، بينما بقيت المحافظات والأطراف في موقع التنفيذ لا المشاركة.

اللامركزية السياسية تعني نقل صلاحيات تشريعية وسيادية إلى أقاليم أو وحدات حكم ذاتي، وهو نموذج يرتبط عادة بالفيدرالية أو الأنظمة المركبة.

لم تكن هذه المركزية مجرد خيار إداري، بل كانت جزءاً من فلسفة حكم تقوم على ضبط المجال العام ومنع تشكل قوى محلية مستقلة. ومع الزمن أدت إلى اختلالات بنيوية، وتفاوت تنموي واسع بين المناطق، وبيروقراطية ثقيلة، وبطء في الاستجابة للاحتياجات المحلية، وتآكل في ثقة المجتمع بالمؤسسات.

غير أن كل ذلك تغيّر بعد الحرب؛ فحتى المناطق التي كانت خارج نطاق سيطرة النظام سابقاً طوّرت نماذج حوكمة محلية متعددة استمرت لسنوات، نتيجة تباينات فكرية وسياسية بين تلك المناطق.

فالحرب السورية لم تُضعف الدولة فحسب، بل أعادت تشكيل المجال المحلي ذاته. فقد ظهرت إدارات محلية بحكم الأمر الواقع، وتكوّنت شبكات اقتصادية وخدمية خارج المركز، وتبلورت هويات مناطقية أقوى بفعل العزلة والصراع. كما اكتسبت المجتمعات المحلية خبرة في إدارة شؤونها اليومية، من الخدمات إلى الأمن المجتمعي، في ظل غياب أو تراجع مؤسسات الدولة آنذاك.

هذا التحول لا يعني أن سوريا أصبحت لا مركزية سياسياً، لكنه يعني أن الواقع الاجتماعي والإداري تجاوز النموذج المركزي الصارم. وبالتالي فإن محاولة العودة إلى مركزية ما قبل 2011 لم تعد ممكنة عملياً، حتى وإن كانت مرغوبة سياسياً لدى بعض الفاعلين.

بين اللامركزية السياسية واللامركزية الوظيفية الإدارية

عند مناقشة اللامركزية في سوريا، غالباً ما يُطرح النقاش بصيغة ثنائية: إما مركزية كاملة، أو فيدرالية/لامركزية سياسية. غير أن هذه الثنائية مضلِّلة؛ فاللامركزية ليست نموذجاً واحداً، بل طيف واسع يبدأ من تفويض إداري محدود وينتهي بتوزيع سياسي للسلطة.

اللامركزية السياسية تعني نقل صلاحيات تشريعية وسيادية إلى أقاليم أو وحدات حكم ذاتي، وهو نموذج يرتبط عادة بالفيدرالية أو الأنظمة المركبة. هذا الخيار يثير مخاوف عميقة في الحالة السورية تتعلق بالوحدة الوطنية، وإمكانية تحول الانقسامات المحلية إلى كيانات سياسية منفصلة، خاصة في بيئة إقليمية شديدة التنافس، إضافة إلى التداخل الإثني في الأقاليم والمحافظات.

في المقابل، تقوم اللامركزية الإدارية والوظيفية على نقل صلاحيات التخطيط والتنفيذ والخدمات وإدارة الموارد المحلية إلى مستويات دون الدولة، مع بقاء السيادة والتشريع العام في المركز. هذا النموذج لا يجزّئ الدولة، بل يخفف العبء عن المركز، ويقرّب القرار من المجتمع، ويعزز المشاركة المجتمعية.

ومع التفاهمات المتعلقة بالحسكة ومنح المنطقة خصوصية تشاركية مع الدولة، وكذلك في السويداء حيث طُرحت دعوات إلى الاستقلال أو اللامركزية السياسية (الفيدرالية)، يبرز سؤال جوهري: لماذا تحتاج سوريا إلى لامركزية إدارية متقدمة؟

تطبيق لامركزية متقدمة في سوريا يواجه تحديات حقيقية، منها ضعف المؤسسات المحلية، ومخاطر الفساد المحلي، وتفاوت القدرات بين المناطق، وإمكانية سيطرة نخب محلية ضيقة.

لماذا اللامركزية المتقدمة؟

الواقع السوري الراهن يجعل اللامركزية الوظيفية المتقدمة خياراً عملياً لا أيديولوجياً. فالتنوع الجغرافي والاجتماعي، من الساحل إلى الجزيرة إلى الجنوب، يفرض سياسات محلية مختلفة في الاقتصاد والخدمات والتنمية.

كما أن إعادة الإعمار تتطلب قدرة تنفيذية سريعة ومرنة لا تستطيع بيروقراطية مركزية منهكة توفيرها وحدها.

إضافة إلى ذلك، تضررت الثقة بين المجتمع والدولة بشدة خلال سنوات الصراع، بل وحتى بين المجتمعات المحلية نفسها، وإن بدرجات متفاوتة. إن نقل صلاحيات حقيقية إلى إدارات محلية منتخبة أو تشاركية يمكن أن يعيد جزءاً من هذه الثقة، لأن المواطن يرى أثر القرار مباشرة في حياته اليومية. هنا تصبح اللامركزية أداة لإعادة بناء العقد الاجتماعي والهوية الوطنية، لا مجرد إصلاح إداري، خاصة في ظل أزمة مشاركة سياسية واضحة.

كما أن الاقتصاد السوري بعد الحرب يتجه نحو نماذج محلية تقوم على أسواق إقليمية، وسلاسل توريد قصيرة، ومبادرات مجتمعية، وشبكات إنتاج صغيرة. وإدارة هذا الاقتصاد تتطلب صلاحيات محلية في التخطيط العمراني، والاستثمار، والخدمات، وإدارة الموارد، وهو ما يتجاوز قدرات المركز وحده.

النقطة الجوهرية في الحالة السورية أن اللامركزية المطلوبة ليست سياسية بالضرورة؛ أي إنها لا تستلزم برلمانات إقليمية، أو تشريعات مستقلة، أو قوات أمن منفصلة. بل يمكن تصور نموذج يحتفظ فيه المركز بوظائف السيادة: السياسة الخارجية، والدفاع، والتشريع العام، والمالية الوطنية، والسياسات الاستراتيجية الكبرى.

في المقابل، تُمنح المحافظات أو الأقاليم الوظيفية صلاحيات واسعة في:

  • التخطيط التنموي المحلي
  • إدارة الخدمات والبنية التحتية
  • الاستثمار المحلي والتراخيص
  • إدارة الموارد المحلية
  • التعليم والصحة ضمن الأطر الوطنية
  • الموازنات المحلية والجباية الجزئية

هذا النموذج قريب مما يُسمى أحياناً «اللامركزية المعمّقة» أو «الإدارة الإقليمية»، حيث تكون الوحدات المحلية قوية وظيفياً، لكنها غير سيادية سياسياً. وهو نموذج معمول به في دول عديدة موحدة وليست فيدرالية.

غير أن تطبيق لامركزية متقدمة في سوريا يواجه تحديات حقيقية، منها ضعف المؤسسات المحلية، ومخاطر الفساد المحلي، وتفاوت القدرات بين المناطق، وإمكانية سيطرة نخب محلية ضيقة. لذلك يتطلب نجاح هذا النموذج ضمانات أساسية، منها: إطار دستوري واضح يحدد الصلاحيات بدقة، ورقابة مالية وإدارية مركزية فعالة، ونظام عادل لتوزيع الموارد يحد من الفوارق، إضافة إلى انتخابات محلية حقيقية وتمثيلية، وقضاء إداري مستقل للفصل في النزاعات.

بهذه الضمانات تتحول اللامركزية من تفويض عشوائي إلى بنية حكم متماسكة، وقد تشكل أساساً لنموذج سوري خاص.

التجارب المقارنة تُظهر أن نماذج الحكم لا تُستنسخ، بل تُصاغ وفق السياق. وسوريا، بتاريخها وتركيبتها وواقعها بعد الحرب، لا تحتاج إلى فيدرالية كاملة، ولا تستطيع العودة إلى مركزية صلبة.

الخيار الأكثر توازناً هو نموذج متقدم من اللامركزية الوظيفية الإدارية؛ حالة وسط بين المركزية الصارمة واللامركزية السياسية، يمنح المجتمعات المحلية قدرة حقيقية على إدارة شؤونها، دون تحويلها إلى كيانات سياسية مستقلة.

قد لا يحل هذا النموذج جميع الأزمات السورية، لكنه يوفر إطاراً مؤسسياً واقعياً لإدارة التنوع، وتسريع التنمية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع ذاته. وبين مخاوف التفكك وأعباء المركزية، قد تكون اللامركزية المتقدمة الصيغة الأقرب لواقع سوريا ومستقبلها.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل