سورية… اتفاق في عين العاصفة

عبد الباسط سيدا3 فبراير 2026آخر تحديث :
سورية… اتفاق في عين العاصفة

شهدت محافظة الحسكة ومنطقة كوباني (عين العرب) في الأسابيع المنصرمة أوضاعاً عصيبة، وهيمنت على المدنيين الكرد والعرب مخاوف جدّية مشروعة تمحورت حول التحسّب من إمكانية حدوث تصعيد عسكري بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الأمر الذي كان من شأنه (لو حدث، لا سمح الله) أن يتحوّل كارثة مجتمعية لا تقتصر آثارها المدمّرة على سورية وحدها، بل كانت ستشمل العراق وحتى تركيا، وعلى الأغلب كانت ستمتدّ بهذه الصيغة أو تلك إلى المَهاجر في مختلف أنحاء العالم. ولكن بمجرد إعلان التوصل إلى اتفاق ينصّ على البدء الفوري بدمج قوات “قسد” في الجيش السوري بصورة فرقة في محافظة الحسكة، ولواء في منطقة كوباني (عين العرب)، بالإضافة إلى دمج مؤسّسات الإدارة الذاتية الأمنية والإدارية ضمن مؤسّسات الدولة السورية، وتسوية حقوق الكرد المدنية والتربوية، تنفّس الناس في الحسكة وكوباني بجميع انتماءاتهم المجتمعية الصعداء؛ فقد نزع هذا الاتفاق صاعق التفجير المجتمعي، ليس على مستوى المنطقتَين المذكورتَين فحسب، بل على مستوى سورية بأسرها. وهذا ما يفسّر حالة الارتياح العام بين السوريين جميعاً، رغم خشيتهم من الانتكاسات وإمكانات التراجع عن الاتفاق، أو محاولات قوى متضرّرة دفع الأمور نحو التصعيد والتأزيم بهدف إبطال مفعول هذا الاتفاق، كما جرى في اتفاقات سابقة.
وفي سياق هذا الموضوع، لم يعد سرّاً التحوّل الدراماتيكي في الموقف الأميركي من “قسد”، حتى وصل الأمر بمبعوث الرئيس الأميركي إلى سورية، توم برّاك، إلى الإعلان الصريح أن مهمّة “قسد” قد انتهت، وكان ذلك السبب الأساس للانهيار السريع الذي تعرّضت له تلك القوات في محافظتَي الرقّة ودير الزور، وقبل ذلك في حي الشيخ مقصود ودير حافر في محافظة حلب. وكانت هذه الاستدارة الأميركية متوقّعة، بناءً على ما كان يُستشف من تحرّكات (وتصريحات) مختلف القوى المعنية بالموضوع السوري. وكانت هناك مؤشّرات كثيرة توحي بحدوث تغيير في الموقف الأميركي من “قسد”، إلا أن قيادة هذه الأخيرة لم تتمكّن من قراءة الموقف كما ينبغي، أو ربّما تجاهلته لأسبابها الخاصة، أو بناءً على ضغوطٍ تعرّضت لها من قيادة حزب العمال الكردستاني، المشتّتة راهناً بين مطالبات عبد الله أوجلان، والالتزامات القديمة الجديدة مع النظام الإيراني، وسياساتها في ميدان الاستثمار في الموضوع السوري الكردي. مع العلم أن هذه القيادة ما زالت في لوائح الإرهاب الأميركية.

الوصول إلى حل عادل للموضوع السوري الكردي أولوية، وسيسهم في معالجة القضايا الأخرى التي تقلق السوريين وتثير هواجسهم

ولو استمرّ الموقف الأميركي في المنحى نفسه الذي عبّر عنه برّاك، وجسّده في مواقفه خلال الاجتماعات مع “قسد” والمسؤولين الكرد في إقليم كردستان العراق، لما كان هذا الاتفاق أخيراً (30 يناير/ كانون الثاني 2026)، وربّما فُرض على “قسد” الانضمام الفردي إلى الجيش السوري وبشروط صارمة، بموجب اتفاق 18 يناير (2026) بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي.
لكن ما حصل هو الدخول الأوروبي على الخطّ، تحت تأثير الرأي العام بعد تظاهرات الكرد الحاشدة التي شهدتها معظم العواصم والمدن الأساسية الأوروبية، وخشية الأوروبيين من توجّه قوافل جديدة من اللاجئين إلى بلدانهم، وتحسّبهم لعواقب زعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط القريبة منهم، وهي المنطقة التي تتداخل فيها المؤثّرات والحسابات. وتزامن هذا الدخول الأوروبي مع ارتفاع أصوات مشرّعين أميركيين بضرورة التدخّل الأميركي، ولُوِّح بإمكانية تقديم مشروع قرار “حماية الكرد” إلى الكونغرس، إلى جانب رغبة الإدارة الأميركية الواضحة في تجميد مختلف الملفّات في المنطقة أو تعليقها، استعداداً لتصفية الحسابات مع النظام الإيراني سلماً أو حرباً. وفي هذا السياق، جاء اتصال الرئيس الأميركي ترامب مع الرئيس الشرع قبيل التوقيع على الاتفاق أخيراً، ليؤكّد وجود نزوع أميركي يتجاوز السقف الذي كان توم برّاك قد كشفه في اتصالاته مع الأطراف المعنية بموضوع “قسد” وطريقة دمجها.
وفي الضفة الأخرى، كان للزعيم الكردي في العراق، مسعود بارزاني، دور لافت في بلورة معالم الاتفاق، سواء من جهة الاتصالات والتوافقات التي كانت بينه وبين الرئيس الشرع، أو من جهة العلاقات والاتصالات مع الأميركيين وتركيا وقطر والسعودية، وإقناعه قيادة “قسد” بضرورة التوجّه نحو مشروع الاندماج في الدولة السورية، والتركيز في ضرورة ضمان حقوق الكرد المشروعة. وهي الحقوق التي سلّط المرسوم الرئاسي السوري رقم 13 لعام 2026 الضوء عليها رسمياً، وفتح الآفاق أمام حل عادل للموضوع السوري الكردي ضمن إطار وحدة الشعب والبلاد، ولمصلحة سائر السوريين من دون أي استثناء.
ليس من المعلوم راهناً ما إذا كانت هناك بنود أخرى في الاتفاق الذي أُعلن بالتزامن من الحكومة السورية و”قسد”، وليس هناك أي ذكر لأي ملحق يحدّد بوضوح الآليات والإجراءات التي ستُعتمد لتنفيذ ما اتُّفق عليه، خصوصاً على صعيد دمج القوات والمؤسّسات الإدارية، وتسليم حقول النفط والمعابر والمرافق العامة، كما أنه ليس من المستبعَد أن تلجأ القوى المتضرّرة من هذا الاتفاق إلى محاولات تعطيله عبر الخروق الرامية إلى تفجير الأوضاع في هذه المنطقة أو تلك، ولكن فرص هذه القوى ستظلّ محدودة، ضئيلة، عديمة التأثير، إذا ما توفّرت النيّات الصادقة والإرادة الجادّة لدى الطرفَين الموقّعَين على الاتفاق، وإذا ما استمرّ زخم الدعمين، الدولي والإقليمي، خصوصاً الأميركي والأوروبي والسعودي الخليجي والتركي، لهذا الاتفاق.
ولكن المهمّ للسوريين جميعاً مصادرة عوامل الاضطراب ومخاطر النزاعات الأهلية. ويُعدّ الوصول إلى حل عادل للموضوع السوري الكردي أولوية في هذا المجال، وهو الأمر الذي سيساهم في معالجة القضايا الأخرى التي تقلق السوريين وتثير هواجسهم، خاصّة في منطقتَي الساحل ومحافظة السويداء. وذلك كلّه سيساعد المحاولات الساعية من أجل ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري، هذا النسيج الذي يبقى الأساس لأي جهد مسؤول يرمي إلى النهوض بسورية على صعيد الاجتماع والعمران والظروف المعيشية والمعارف.

الموضوع السوري الكردي أقدم من “قسد”، وسيستمرّ ما لم يُعالج بعدالة ضمن الإطار الوطني

الموضوع السوري الكردي، كما هو معروف، أكبر وأقدم من “قسد”، وسيستمرّ ما لم يُعالج معالجة عادلة ضمن الإطار الوطني على قاعدة وحدة الأرض والشعب. وهو موضوع وطني في المقام الأول. وكان من المفروض من البدايات أن يُعالج من خلال حوار وطني تشارك فيه مختلف الأطراف السورية الكردية، وليست “قسد” وحدها. وهنا نشير بصورة خاصّة إلى المجلس الوطني الكردي وأحزاب أخرى وفعّاليات كردية لها تأثير في المجتمع السوري الكردي. والموضوع الكردي لا يمكن اختزاله بأي شكل في مسألة التوافقات الأمنية والعسكرية والإدارية بين “قسد” (ومعها حزب الاتحاد الديمقراطي وإدارته الذاتية) والحكومة، أو في حصول “قسد” على مواقع ووظائف في الدولة السورية، وإنما هو موضوع يستوجب حلّاً سياسياً قبل كل شيء، يقضي برفع الظلم الذي تعرّض له الكرد على مدى عقود طويلة، والإقرار بالحقوق القومية المشروعة للكرد. وهنا علينا أن نقرّ بأن المرسوم الرئاسي رقم 13 (2026) قد مثّل خطوة واعدة جريئة في هذا الاتجاه، يمكن البناء عليها من أجل الوصول إلى حل شامل مستدام يرضي مختلف الأطراف ولمصلحة كل السوريين.
لن يكون هذا الأمر ممكناً ما دامت الحملات الإعلامية الشرسة المتبادلة من خلال الأنصار والمؤيّدين مستمرّة؛ فهذه الحملات تسمّم الأجواء، وتدغدغ الغرائز، وتعطّل العقول. ولتجاوز مخاطر الشكوك والأحكام المسبقة والمخاوف، هناك حاجة ماسّة إلى التركيز في الخطوات التي تعزّز الثقة بين السوريين، وتفتح المجال أمام العمل المشترك في جميع الميادين لصالح الشعب والوطن.
القسم الأكبر من السوريين الكرد اليوم في حيرة من أمرهم، حيرة تدفع بهم نحو التيه أحياناً. فهم باتوا على قناعة بأن مشروع “قسد”، الذي بُني على رمال الحسابات والمصالح الإقليمية والدولية، قد انتهى، بعد تبدل تلك الحسابات والمصالح. فما تعرّضت له “قسد” يذكّرهم بما واجهه حزب الله، ولكن بأسلوب آخر أقلّ عنفاً وكلفة على صعيد الأموال والأرواح. كما أن إصرار المتحكّمين في ما تبقّى من “قسد” من كوادر حزب العمّال الكردستاني على مواصلة التحكّم بالورقة السورية الكردية يذكّرنا هو الآخر بما يفعله اليوم حزب الله بالدولة والمجتمع اللبنانيَّين. وجدير بالذكر هنا أن المشروع المذكور (مشروع “الأمة الديمقراطية” الطوباوي) لم يكن في أساسه تجسيداً لمطالب السوريين الكرد العادلة، بل على النقيض من ذلك؛ كلّفهم الكثير الكثير على صعيد الأرواح والموارد والبنية المجتمعية، لذلك المطلوب من الجسم السياسي الجديد، الذي سيتشكّل على الأرجح على أنقاض “قسد”، قطع الصلة نهائياً مع “العمال الكردستاني”، والسعي إلى التحوّل إلى جزء من الحركة السورية الكردية، والتفاعل مع القوى السياسية الأخرى من موقع المشارك لا المتحكِّم.
أما “العمّال الكردستاني” (المفروض أنه حلّ نفسه بناء على طلب زعيمه) فساحته تركيا، ومن المفروض أن يُسوّى وضعه بموجب المباحثات التي تجري حالياً بين عبد الله أوجلان والحكومة التركية.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل