لا تضعوا الدروز والفلول والقسديين في سلة واحدة

فيصل القاسم31 يناير 2026آخر تحديث :
لا تضعوا الدروز والفلول والقسديين في سلة واحدة
كاتب واعلامي سوري

من أخطر أشكال التضليل السياسي والإعلامي التي شهدناها في المرحلة الأخيرة محاولة وضع الدروز والفلول العلويين وتنظيم قسد في سلة واحدة، وكأن هذه المكونات الثلاثة تمثل كتلة سياسية أو تاريخية أو أخلاقية متجانسة.
هذا الخلط ليس بريئاً ولا عفوياً، بل يخدم أجندات سياسية قصيرة النظر، بعضها نابع من جهل فادح بالتاريخ السوري، وبعضها الآخر قائم على خبث مقصود واستثمار رخيص في المظلومية. هناك طرفان متورطان في هذه اللعبة القذرة، طرف أراد الاستفادة من دعم الفلول العلويين والقسديين في مواجهة السلطة، والطرف الثاني ممثلاً بالفلول والقسديين أراد استغلال الدروز لتوسيع رقعة المعارضة للعهد الجديد لأغراضه الخاصة. والخطورة هنا تكمن في النتائج التي يترتب عليها هذا التصنيف، إذ يسمح بإعادة توزيع المسؤولية بشكل زائف، وبتحميل الضحية أوزار القاتل واللص والجلاد.
لا خلاف بين السوريين على أن النظام الذي حكم البلاد لعقود كان نظاماً سلطوياً طائفياً علوياً لا تخطئه عين، فقد كان الجيش والأمن الذي فعل الأفاعيل بالسوريين على مدى عقود بقيادات علوية يعرفها القاصي والداني، وقد كان بقية السوريين مجرد أدوات في أيدي ثلة من الطائفيين الفاشيين. وقد بنى النظام الطائفي استمراريته على العنف والاحتكار، واستخدم مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية كأدوات قمع لا كأطر وطنية. هذا النظام لم يمثل السوريين، ولم يمثل كل الطائفة التي انتسب إليها رأسه، بل استخدمها كأداة، وورّطها – قسراً أو طوعاً – في صراع دموي طويل مع بقية المجتمع. الجرائم التي ارتُكبت خلال ستة عقود، وبلغت ذروتها بعد عام 2011، من قتل جماعي وتهجير وتدمير واستخدام أسلحة كيماوية، موثقة من قبل منظمات دولية مستقلة، وهي جرائم بنيوية ارتكبتها منظومة سلطة طائفية قذرة واضحة المعالم معروفة لكل السوريين.
غير أن الخلط يبدأ عندما تُمحى الفروق بين المكونات، ويُعاد تعريفها قسراً ضمن اصطفافات مصطنعة. هنا يصبح من الضروري التوقف عند الفروقات الجوهرية بين الحالة الدرزية من جهة، والحالتين العلوية والقسدية من جهة أخرى، لأن هذه الفروقات ليست لغوية ولا شكلية، بل تتعلق بالدور والسلوك ومستوى التورط في إنتاج الكارثة السورية. الدروز، كجماعة اجتماعية وسياسية، لم يكونوا مشروع سلطة، ولم يمتلكوا ميليشيا عابرة للمناطق، ولم يفرضوا أنفسهم بالقوة على بقية السوريين، ولم يشاركوا في قمع المدن أو حصارها أو نهب ثرواتها. لم تُسجّل بحقهم جرائم جماعية، ولم تُوثّق مشاركتهم في القتل المنهجي أو التهجير أو التدمير، لا باسم الطائفة ولا باسم مشروع سياسي. على العكس، ظل موقفهم العام ثورياً رافضاً للانخراط في آلة القتل، وحريصاً على تجنيب مناطقهم الدم السوري.

 تبدو محاولة استثمار المظلومية الدرزية من قبل فلول النظام أو من قبل القسديين محاولة فجة لتحويل الضحية إلى أداة لا ناقة لها ولا جمل في هذه اللعبة القذرة التي تسيء للدروز

في المقابل، فإن الكارثة السورية لم تكن نتاج فراغ أو سوء فهم، بل نتيجة مباشرة لمشاريع سلطوية وطائفية وعسكرية محددة. النظام الذي تركزت مفاصله الأمنية والعسكرية في يد نواة ضيقة محسوبة على الطائفة العلوية هو المسؤول البنيوي عن إطلاق العنف، وتحويل الدولة إلى أداة قتل جماعي.
أما قوات قسد، فهي ليست حالة مدنية ولا معارضة ولا تعبيراً اجتماعياً محايداً، بل كيان عسكري- سياسي وصفه الرئيس ترامب بأنه أسوأ من داعش نشأ في سياق الحرب، وسيطر بالقوة على مساحات واسعة من البلاد، واستحوذ على الموارد الحيوية، وأدار المناطق الخاضعة له بمنطق الأمر الواقع، وقمع خصومه المحليين، ودخل في تفاهمات أمنية وعسكرية مع النظام في أكثر من مرحلة. هذا الدور جعله شريكاً موضوعياً في إطالة أمد المأساة، وفي حرمان السوريين من ثرواتهم، وفي تعطيل أي مسار وطني جامع. محاسبة هذا المشروع لا تعني إدانة الأكراد كسوريين، بل تحميل قيادة سياسية- عسكرية محددة مسؤولية خياراتها.
على النقيض من ذلك، لم يسعَ الدروز إلى فرض أنفسهم على سوريا، ولم يكونوا جزءاً من آلة القمع، ولم يشاركوا في إنتاج الكارثة. تاريخهم السياسي مرتبط بالدولة الوطنية وبمقاومة الاستعمار، من الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، إلى مواقف رافضة للانخراط في الحرب على المجتمع خلال السنوات الأخيرة. خلال الثورة، كانت السويداء ملاذاً لعشرات الآلاف من السوريين الهاربين من بطش النظام، وعاشوا فيها دون إذلال أو تمييز. كما أن امتناع أعداد كبيرة من شباب الدروز عن الالتحاق بجيش النظام لم يكن مناورة سياسية، بل موقفاً أخلاقياً واضحاً لتجنّب المشاركة في ذبح السوريين.
وحين خرجت ساحة الكرامة، خرجت باسم الكرامة السورية لا باسم طائفة أو مشروع انفصالي، واستمر الحراك رغم القمع والتجاهل، وكان الدروز في طليعة من احتفلوا بسقوط النظام، لا لأنهم ربحوا سياسياً، بل لأنهم رأوا في ذلك نهاية منظومة أذلت السوريين جميعاً. من هنا تبدو محاولة استثمار المظلومية الدرزية من قبل فلول النظام أو من قبل القسديين محاولة فجة لتحويل الضحية إلى أداة لا ناقة لها ولا جمل في هذه اللعبة القذرة التي تسيء للدروز وتظلمهم وتضعهم في المكان الخطأ.
وضع الدروز والعلويين وقسد في سلة واحدة ليس ظلماً فقط، بل خطأ استراتيجي كبير لا بد للدروز أن يتبرأوا منه تماماً. وكل من تورط في هذا التصنيف ارتكب بقصد أو غير قصد خطأً فادحاً بحق الدروز. أليس من الغباء والغبن الشديدين وضع مُحرري سوريا من الاستعمار والمشاركين في ثورتها على النظام الطائفي في بوتقة واحدة مع الفلول الطائفيين الذين ذبحوا العباد ودمروا لبلاد؟ لا شيء يجمع الدروز أيضاً مع القسديين شركاء النظام الطائفي في القتل والتدمير والنهب والسلب، فلماذا تحشرون الأبرياء الطيبين في هذا التحالف المزعوم مع الأشرار والساقطين؟

المصدر القدس العربي

اترك رد

عاجل