الساحل السوري بين محاولة الاحتواء وحرب افتراضية بلا سقف

علي سفر1 يناير 2026آخر تحديث :
الساحل السوري بين محاولة الاحتواء وحرب افتراضية بلا سقف
الإعلامي والكاتب السوري علي سفر

رغم الضجيج الذي رافق الأحداث الأخيرة في الساحل السوري، ورغم ما أظهره الشارع من توتر واستقطاب، يظل المشهد حتى الآن قابلاً للاحتواء. يمكن تهدئته، ويمكن نزع فتيله بالإرادة السياسية والعقلانية المجتمعية، وكذلك إعادة الأمور إلى مستوى خلاف طبيعي يحدث ضمن بلدٍ منهك خرج لتوّه من سنوات حرب.

كما أن سلوك البعض الذين انصاعوا لمطالب غير منطقية ليس قدراً، ولا يفترض بنا اعتباره مساراً حتمياً نحو الفتنة، بل مجرد إنذار يجب التعامل معه بحكمة، طالما أن العجب يختفي حين نعرف السبب.

بعض الناس خرجوا بدافع الغضب، والخوف، والارتباك، وبعد يأسٍ استغله آخرون، كما أن الشارع نفسه منقسم بعد أن قامت السلطة بخطوات إيجابية عبّر عنها بيان وجهاء القرداحة. لكن هذا لا يمنع من النظر بدقة إلى وجود فئات مستعدة لأن تنخرط في أعمال عنف تحت شعارات كالفيدرالية والتقسيم.

لكن الشارع، مهما بدا غاضبًا، ما زال يملك فرصة للعودة خطوة إلى الخلف. غير أن المشكلة الأكبر ليست في الشارع ذاته، بل في الفضاء الرقمي الذي تحوّل خلال ساعات إلى ساحة حرب أهلية كاملة، بلا قواعد اشتباك ولا قيود أخلاقية أو قانونية.

من يتابع منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية يكتشف أن الانفجار النفسي أخطر من الانفجار الميداني؛ صور مقطّعة، تسجيلات مقتطعة، عناوين مموّهة، اتهامات طائفية، حملات سبّ وشتم، وتحشيد مبني على هوية الجماعة لا على حقيقة الحدث. ما يمكن السيطرة عليه بالقوة في الشارع يحتاج في الإنترنت إلى وعي ومسؤولية، لأن الدولة تستطيع أن تطوّق مظاهرة، لكنها لا تستطيع أن تطوّق فكرة تنتشر بآلاف المشاركات والتفاعلات.

في العالم الرقمي لا وجود لمشهد كامل، بل أجزاء يتم تجميعها وفق الهوى: تسجيل يظهر مشادة فيُفسَّر كتهديد، لقطة لعشرات الأشخاص تُبنى عليها روايات عن آلاف، خبر غير موثّق يتحوّل إلى حقيقة نفسية عند المتلقي. بهذه الآلية تتشكل الحرب قبل أن تبدأ.

لا يمكن فهم ما يجري دون العودة إلى الذاكرة. البلاد خرجت من زمن ديكتاتوري مديد انتهى بثورة وقمع دموي هائل لم تُعالَج آثاره. الناس تشعر بأنها صاحبة حق، لكنها مهملة. والهويات الدينية والطائفية والمناطقية أصبحت حساسة لدرجة أن كلمة قد تشعل معركة.

المشكلة أيضاً ليست في الاختلاف، بل في مخيال الخوف؛ فكل طرف يخشى الآخر، وكل مجموعة ترى في الأخرى خصماً ينتظر الفرصة، وكل حادثة صغيرة يتم تأويلها وفق سردية قديمة عن الثأر والتهديد.

لذلك، يصبح حدث واحد كفيلاً بإثارة الأسئلة حول: من يحكم؟ ومن يسيطر؟ ومن يملك الحق الأخلاقي في الهتاف في الشارع؟ هذه الأسئلة لا تُطرح على السوشال ميديا برويّة، بل تُطرح بانفعال، وتُجاب بعنف لغوي هو الشرارة الأولى لأي نزاع حقيقي.

من يراقب وجوه الناس في طرقات المدن في الساحل، وفي غيره من المناطق السورية، يعرف أن أحداً لا يريد حرباً جديدة. العائلات تخاف على أبنائها، والناس تريد الاستقرار، وتعرف أن النزاع الطائفي يعني سقوط الجميع. لكن الخطاب على السوشال ميديا يفعل العكس: يحوّل الفرد إلى جزء من جماعة، يُلغي الفروق بين شخص وآخر، ويدفعك للدفاع عن “الطائفة” ولو لم تطلب منك.

المؤيدون والمحتجون قد يشعرون أنهم يدافعون عن وجودهم، لكن الدفاع يتحول سريعاً إلى هجوم عندما يغيب القانون والمنطق. وهنا تصبح الدولة مطالبة بواجب مزدوج: ضبط الشارع دون قمع حرية التعبير، والحفاظ على حيوات الجميع دون تفضيل طرف على آخر، وتأمين التظاهر السلمي، وحماية الممتلكات والناس، ومنع الرد الانتقامي.

الخطأ ليس في غضبٍ مشروع ناتج عن الشعور بالإهمال، بل في تسليمه لمن يريد صبّه في مجرى طائفي. لأن الفتنة لا تحتاج إلا إلى غبي وحاقد ومستفيد. الثلاثة موجودون دائماً، لكن خطرهم يتضاعف عندما نقف متفرجين.

هناك مثقفون ظنّوا أن التظاهر بناء على دعوة من رجل دين يدّعي تمثيله للطائفة سيؤدي دور العتلة الرافعة إلى شعارات المجتمع المدني بالعدالة والديمقراطية، لكنه سرعان ما تراجع عن حماسه بعد أن رأى مشاهد لمتظاهرين يهاجمون رجال الأمن العام. وفي المقابل، لو سألت المثقفين الذين هلّلوا لفكرة شارع مقابل شارع إن كانوا يتحملون مسؤولية الدم الذي يراق لتَنصّلوا وادّعوا البراءة مما يجري!

وبناءً على ما سبق، لا يكفي أن تطلب الدولة الهدوء، وأن تخاطب الناس بكلمات عامة. المسؤولية اليوم تقع أيضاً على: المثقفين والصحفيين لخفض نبرة التحريض وتحليل الحدث دون خلق خصم متخيّل، وعلى رجال الدين والوجهاء لإطلاق رسائل واضحة ضد الخطاب الطائفي، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي لإنتاج محتوى يقدّم روايات عقلانية لا يكرّس الكراهية، ودعوة المستخدمين العاديين للتفكير قبل المشاركة والتعليق، لأن المشاركة قد تكون رصاصة.

التاريخ القريب يخبرنا بشيء بسيط: الحرب لا تبدأ من بندقية واحدة، بل من خطاب طويل يصنع البيئة التي تحتاجها الرصاصة لتعمل. على الأرض يمكن تهدئة الناس، يمكن الجلوس والتفاوض، يمكن منع الاحتكاك. لكن على الإنترنت لا وجود للحاجز، ولا للتأني، ولا للمحاسبة. هناك يكبر الغضب مثل كرة نار تتدحرج من تعليق إلى آخر، من فيديو إلى منشور، حتى يصبح من الصعب إيقافها دون ثمن كبير.

ليس المطلوب أن نتظاهر بأن لا شيء يحدث، وليس المطلوب تضخيم ما يحدث كأنه نهاية العالم. الواقعية تقتضي أن نقول بوضوح: الساحل اليوم ليس في حرب أهلية، لكنه على حافة نفسية قد تقوده إليها إن لم نتداركها. الهروب من الحرب لا يكون بالصمت ولا بالصراخ، بل بالعقل. والعقل يبدأ من كلمة، مثلما تبدأ الحرب أيضاً من كلمة.

المصدر صحيفة الثورة السورية

اترك رد

عاجل