العشوائيّات ليست حرفاً ساقطاً!

عمر الشيخ27 مارس 2019آخر تحديث :
العشوائيّات ليست حرفاً ساقطاً!

ينمّي درس التهميش الاجتماعي الّذي كانت تعيشه الأحياء المخالفة في سورية، منطق النظر السياسي لاستثمار الفقراء وتربيتهم على الصراع الطبقي عبر دعم فئات أهلية على حساب فئات أخرى، من خلال توزيع امتيازات أمنيّة وتقديم تسهيلات كرخص البناء وفتح محلات البقالة والمطاعم الشعبية البسيطة إلى جانب ترسيم سيارات الأجرة العامة وشغر أمكان من الطرقات “للبسطات” وغيرها من المشاريع الاقتصادية الصغيرة التي كان النظام يخدّر النّاس بها في زحام أحياء المخالفات ضمن محيط دمشق وريفها مثلاً.

فالغاية المقصودة من ذلك هي إفقار وفرز النّاس اجتماعياً، وجلب سكان القرى الموالية للنظام من مناطقها النائية للتعايش مع ظروف المدن الكبيرة كدمشق، والحفاظ على مسافة من الهيمنة الاجتماعية عليهم وليكونوا أمام أعين أبناء المناطق تلك على أنّهم يخدمون في الجيش وأفرع الأمن والشرطة ويتطوعون في أجهز الرعب الأسدي، ولا يزالون فقراء (…) الأمر الذي دفع مئات الآلاف من أبناء المدن الأصليين للتوجه إلى مهن تحتاج لمجهود جدي وعقلي كالتجارة والطب والصيدلة والحقوق والآداب، وأصبحت سطوة هؤلاء “الدخلاء” على المدن كمداميك للعشوائيات، هي أولى معالم التفرقة العنصريّة بين الوافدين وأهل المناطق، فمعظم من يتوظف في قطاعات “الدولة الأسديّة” يعرف من حوله جيداً كيف يتم التعيين بداية من الولاءات الأمنيّة للنظام وانتهاءً بتحول الموظفين إلى مخبرين أينما وجودوا حتى بين أفراد الأسرة الواحد!

تأسست أجيال فاقدة لخطر استيلاء جيش البعث على السلطة ووحشية بقائه، وتم جعل ظاهرة المخالفات في البناء، طريقة حياة وعمل وتواصل مع المحيط وتفكيكه باستمرار.

تكفي الآن زيارة واحدة لأحد الأحياء في محيط دمشق لتعرف جيداً كيف يتم تسليح أبناء طوائف النظام واقتسام تبعات الخدمات الأمنيّة فيما بينهم من “كتائب البعث” إلى ميليشيا “الدفاع الوطني” والميلشيات الطائفية الأجنبية الإيرانية والروسية.

المُهمّ بالنسبة للنظام هو تثبيت الضعف الاجتماعي والخدمي في المناطق الّتي تمردت على سيطرته، وترسيخ ثقافة الحرمان بينهم ومنح الموالين له، المكانة في البطش والبلطجة، هكذا تماما ما يحدث في عشوائيات دمشق.

لقد أصبح سجل الانتقامات يكبر بين الأهالي، والتصفيات تزداد والفوضى الإنسانيّة الّتي يريدها النظام موجودة بحذافيرها، ليعود فيما بعد كالمخلص الوحيد ويقضي على ظواهر انتشار السّلاح والتشبيح ويُبقي على بعضها بالسرّ، ثم يلقّن الأهالي درساً في “الشكر لمكرمات الطاغية”!

كُنت أشهد -متخفّياً- عمليات تصفيات للناشطين في أحياء غربي منطقة الميدان كحي “نهر عيشة”، كنت عاجزاً عن التعليق حتّى، مجرد تلميحات للوجع في مدونة الفيسبوك كانت كفيلة بدفعي للمراجعة في أفرع الأمن!

رأيت كيف يتم إطلاق الرصاص المتفجر على الشباب الصغار العزل في صيف العام 2011 وهم يهتفون ضد النظام. لم أكن أظن أن هناك وحشيّة متصاعدة سوف تردّ على الصرخات والكتابة الثوريّة على الجدران، وما هي إلاّ أشهر قليلة حتّى دخلت الدبابات إلى محيط الأحياء وحاصرتها كما في صور أخبار فلسطين المحتلة.

فاجعة لا توصف، قتل وتعتيم إعلامي رهيب، وكان النّاس هناك يعاملون أقل من مستوى الإنسان، كانت غابةً حقيقيةً وأفلت النظام فيها وحوشهُ الّذين يسمّون أنفسهم “عناصر أمن”!

هل كانت العشوائيّات وأهلها عدواً للنظام إلى هذه الدرجة؟ أمّ هي خزان لمحرقة مؤجلة يريد فيها أن تكون عِبرة لباقي الأحياء المنظّمة والفارهة والمرتاحة في دمشق؟

باعتقاد أن الهدف منذ بداية الحراك هو المناداة بالحريّة والعدالة، لكن التعامل مع البُنيات الاجتماعيّة وفق المناطقيّة الّتي رسمها النظام لتقطيع أوصال المدن وتحويل البلاد إلى طبقات ومستويات، أوصل الحقد إلى إبادة تامة للمناطق العشوائيّة جنوب دمشق خصوصاً، وسلّحها لسهولة ما يوجد من فوضى داخلها وعشوائيّة حياة ولا وعي سياسي كبير يحتم على الأغلبية أن “الحق يؤخذ باليد” وهذا تماما ما يريده النظام ليقصف ويدمر بحجة “قتال الإرهابيين”! وهنا بدأت تتحول عيون الإعلام المواكب لعمليات إخماد الثورة إلى مناطق العشوائيات وتشويهها والتنكيل بها على أنها “بؤر للمجرمين والمتخلفين اجتماعياً” علماً أن خيرة الشباب الّتي كانت تقود الحراك هناك هم من رفضوا حمل السلاح حتّى قتل النظام أغلبهم في سجونه اليوم وهجّر بعضهم الآخر، وبقي قلة في الداخل لا يحميها شيء من غدر غلمان النظام الأذلاء.

إن التخلف الّذي كرّسه الأسد في العشوائيّات، كبيئة سياسيّة فاسدة وفاقدة لأيّة ضمانات أمنيّة وحريّة وطموح ونظرة تطور للمستقبل، كشفت عن وجهها المشوّه، وهو الخضوع للأقوى، للأكثر إرهاباً ورعباً. لأن الطبيعة الاجتماعيّة هناك بمعظمها مسالمة ولا تبحث عن الصدامات، عادة، وهذا تماماً يدركه النظام ويعمل على تغذيته قبل نصف قرن إلى اليوم، فقط من أجل هذه السنوات الثماني التي مضت، من أجل الثورة، كان يخاف من مواجهة ثورة شعبيّة، بحيث يزرع الحاجة والفقر والتفكير المستمر بالهجرة ليحكم سورية كمزرعة لعصابته ولحلفائه وطائفته.

ربما كانت عشوائيات المدن مادة درامية للترفيه ومحاكاة الأوجاع الاجتماعية، كما حرص إعلام النظام على تصديرها وتفريغها من الخطر القادم على سلطة الظلم، إلا أنه لم يخطر أنّها سوف تكون يوماً قنابل موقوتة من الألم والتعب والإحباط الاجتماعي والهزيمة الداخلية، لم يكن يعتقد أحد أنها ستنتفض بأي ثمن.

يكفي أن تضع على محركات البحث في الانترنت، أسماء تلك الأحياء الحزينة الّتي لم ترفع في البدء أيّة بندقية، بل رفعت شعلة نار معطرة بالكرامة…

ولم ترفرف فيها رايات المحتلين بل عبارات كانت تودعني عندما نزحت من هناك سنة 2012 وهي تقول: “حرية وبس”، ترى هل رآها أحدكم…؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل