حديث عن اليسار والثورة السورية.. سلامة درويش لـ”حرية برس”: الشعوب لن تقهر

زكي الدروبي15 أغسطس 2018آخر تحديث : الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 2:46 صباحًا
حوار: زكي الدروبي
d. salama darwish - حرية برس Horrya press
الدكتور سلامة درويش عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري

اختتم حزب اليسار الديمقراطي السوري مؤخراً مؤتمره الثاني، مستخدماً “برنامج الفيوز”، مكرساً التقاليد الديمقراطية التي يدعوا لها في ظل تراجع القوى السياسية المختلفة وتعثرها وجمودها، وبالتزامن مع التحديات المفروضة على الوطن السوري وتعدد الاحتلالات وتراجع المعنويات لدى الثوار بعد سيطرة نظام الأسد بدعم روسي عسكري، وصمت دولي على المساحات التي كانت تسيطر عليها فصائل عسكرية تحسب نفسها على الثورة السورية.

وكان لـ “حرية برس” هذا الحوار المطول مع الدكتور سلامة درويش عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري حول الحزب ومؤتمره وحول قضايا اليسار والثورة السورية.

– بداية نبارك لكم مؤتمركم ونأمل أن توفقوا في خدمة الثورة السورية والوطن السوري، ونسألكم عن أهمية انعقاد مؤتمر لحزب اليسار الديمقراطي السوري؟

= الله يبارك فيكم، وشكرا لكم ولـ “حرية برس” على هذا اللقاء.

تأتي أهمية المؤتمر من تراجع النشاط الحزبي والسياسي في الثورة السورية، وجمود معظم المؤسسات السياسية في الثورة السورية، لا بل يمكن القول بأنها تراجعت عن الفعل السياسي وأصبحت تعمل بردود الفعل وتتلقى التعليمات من الدول المسيرة لها والتي وبسبب انعزالها عن الجماهير وعن الثورة ارتكنت إليها وتستند لمفاعيل قوتها، وهو المؤتمر الحزبي الوحيد خلال الثورة السورية الذي خرج دون انقسامات وهذا يدلل على صوابية برنامج الحزب خلال الدورة الماضية وعلى إصرار أعضائه وقيادته على إيمانهم بإمكانية العمل السياسي الثوري رغم كل المعوقات والتضحيات.

وقد برزت أهمية المؤتمر أيضاً من رسائل التحية التي وصلت إلى المؤتمر من عدد من التجمعات والحركات والتكتلات السياسية السورية والتركية، وكذلك من عدد من الشخصيات المستقلة، التي عبرت عن تقديرها لما أنجزه الحزب خلال فترة قصيرة من عمره لم تتجاوز الثلاث سنوات، وقدرته على فرض نفسه على ساحة العمل الثوري السوري، رغم كل المعوقات والصعوبات التي يواجهها، وإمكانية تخطيها عبر مسالك وعرة وشاقة، متمنية للحزب النجاح في أعمال مؤتمره والخروج بقرارات وتوصيات تصب جميعها في خدمة تحقيق الهدف الأساس، وهو تخليص سورية من براثن عصابة مستبدة مجرمة قاتلة جاثمة على رقاب سورية وشعبها منذ أكثر من ستة عقود، والعمل الجاد على هزيمة الثورة المضادة التي حاولت أن تلوي عنق الثورة وأخذها باتجاه الاسلمة المتطرفة التي استفاد منها النظام وحلفاؤه بتأكيدهم بأن الثورة عبارة عن مرتزقة تحمل الفكر التكفيري وليست ثورة وطنية بامتياز تسعى لبناء الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية يتساوى فيها الجميع من دون تمييز قومي أو إثني أو عرقي أو ديني أو طائفي أو مذهبي أو جنسي بين رجل وامرأة، بحيث يصبح الجميع مواطنين لا رعية.

–  هل أنتم حزب معارض؟

= كنا قبل الثورة حزباً معارضاً، وكان اسمنا هيئة الشيوعيين السوريين إلى جانب بعض الرفاق الذين تركوا الأحزاب الشيوعية المتحالفة مع النظام ودعموا شرعنة القتل المباح له، وبعض اليساريين الذين يأمنون بالثورة وانتصارها، ومع انطلاق الثورة السورية شاركنا بها من الأيام الأولى، وقدمنا التضحيات من شهداء ومعتقلين ومغيبين، وهجّرنا كما حال الشعب السوري، ودعونا المعارضة التقليدية التي كانت موجودة قبل الثورة إلى نبذ خلافاتها والوحدة لأجل وضع برنامج سياسي وثوري للثورة السورية وانتخاب قيادة موحدة للثورة، دون جدوى، فقد غلبت المصالح الحزبية والرؤى الضيقة والقراءات الخاطئة على التجمعات السياسية المعارضة فكنا مع الحراك السلمي والوطني بأنه هو من يسقط النظام، وعندما تشكل الجيش الحر لحماية المظاهرات كنا معه بتبنيه لشعاراتنا الوطنية وأعلنا باننا ضد حمل السلاح إلا لمن انشق عن النظام القاتل، ومنذ ثلاث سنوات قررنا التحول إلى حزب سياسي بعد أن وجدنا أننا نقوم بكل مهام الحزب من خلال الثورة السورية، ووجدنا ضرورة تغيير الاسم ليصبح اليسار الديمقراطي السوري بدلاً من هيئة الشيوعيين لنتميز عن الأحزاب الشيوعية الانتهازية وان هناك مجموعة من الرفاق لم يكونوا مع هيئة الشيوعيين وكانوا بمجموعات أخرى توحدوا من أجل اليسار الديموقراطي والذين وقفوا ضد تلك القوى الانتهازية التي التحقت بالنظام المستبد القاتل لشعبه الناهب لثرواته.

ونحن نرى في الخلافات بين دعاة إطلاق اسم المعارضة السورية وإطلاق اسم الثورة السورية خلافات غير مجدية، ولا يوجد فوارق بين التعبيرين، فإذا كان هدف المعارضة هو إسقاط النظام السياسي وتغيير بنيته الأساسية ومحاكمة المجرمين ووحدة بلادنا و طرد الغرباء عنها، و بناء نظام مدني ديمقراطي يحقق المساواة و العدالة بین جميع السوريين ….وهو بالتحديد هدف وشعار الثورة لذلك فإن التعبيرين يخدمان هدفاً واحداً وليس من المفيد الدخول في صراعات حول هذه المفاهيم‘ إلا بمن ارتهن للخارج بتنفيذ اجندته ويحاول إقصاء الآخر من أجل أن يكون في مقدمة تمثيل الثورة بدعم اقليمي.

– لكن كيف تستقيم الحزبية في ظروف الثورة؟

= نحن لسنا في ظروف طبيعية ولسنا معارضة لأجل الوصول إلى السلطة، نحن في ثورة لإسقاط النظام ويجب الابتعاد عن الحزبية والانضواء تحت راية الثورة وهذا موجه لكل من يدعي تمثيل الثورة.

إذا كنت تريد أن تبني وطناً ديموقراطياً عليك ببناء مؤسساته، وقبل المؤسسات أن تضع ضابطاً قانونياً يحتكم إليه الجميع، من دستور مدني ومؤسسات مدنية وحقوقية وفصل بين السلطات الثلاث وغير ذلك بضوابط تفاعلية بين الأحزاب وممثلي المجتمع المدني، اي يجب أن تكون هناك أحزاب سياسية تمثل تنوعات المجتمع المدني بعيدة عن المحاصصة والتمثيل العرقي والاثني والطائفي والعشائري.. لذلك نعطي أهمية للنشاط السياسي عبر تشكيلات سياسية مختلفة أهمية بالغة واستثنائية في الظروف التي تمر بها ثورتنا من حيث تراجع نفوذ قوى الثورة المضادة التي لبست ثوب الإسلام المتطرف وابعدت مكونات الشعب العرقية والطائفية عنها. وبعد هزيمتها السياسية والعسكرية وتراجعها الواضح في الوسط الجماهيري التي بدأت تشتبك معه وترهبه وتقتل نشطاءه بهدف أحكام سيطرتها على ما تبقى لها من نفوذ من جهة، وعدم قدرة الهيئات السياسية التي تصدت لتمثيل الثورة والتي أصبحت عالة عليها، وبسبب تابعيتها لممولها لم تستطع أن تمثل الثورة في المحافل الدولية ولم تستطع أن تأمن أي وجود لها في الوسط الشعبي أي في وسط أبناء الثورة من جهة أخرى .. مما أحدث حالة فراغ مخيفة يحاول النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيين إملاءها بحالة من الاستسلام واليأس من إمكانية تحقيق أي هدف من أهداف الثورة مستفيدة من شدة الإجرام التي يمارسها المحتلون وممثلوهم من النظام في قصف وتدمير وقتل وتهجير آلاف الأبرياء بما في ذلك القصف بالكيماوي كما جرى الغوطة مؤخراً. لذلك نحث ونصر على تشكيل أحزاب وهيئات وتجمعات سياسية تعبر وتتبنى شعارات الثورة لأن التجمع في تجمعات شيء طبيعي لدى البشر، فهو كائن اجتماعي ولا يمكنه أن يعيش منفرداً بعيدا عن الجماعة، ولما كانت الأحزاب السياسية أرقى أشكال التجمعات البشرية ولما كانت التجمعات ما قبل سياسية تجمعات قاتلة للوطن السوري (عشائرية وطائفية ومناطقية و…) لهذا فإننا ندعوا ونشجع على تغيير ذهنية الصراع في سوريا أولاً من صراع ذي طبيعة متخلفة (مذهبية ومناطقية وطائفية و..) إلى صراع سياسي بين نظام مستبد مجرم وبين شعب يطالب بالحرية والديمقراطية، لهذا فنحن نشجع على تجمع الأفراد في تشكيلات حزبية سياسية تعلي من قيمة الشأن الوطني على الشأن الحزبي وتنتظم هذه الأحزاب جميعها في تجمع وطني ذي خط سياسي واضح يعمل على قيادة الثورة السورية إلى بر الأمان وتحقيق أهدافها.

– ما الجديد في الرؤية الفكرية لحزبكم؟

= نحن استمرار لتاريخ طويل من نضال الشيوعيين والماركسيين والتقدميين الديموقراطيبن لأجل العدالة الاجتماعية وضد الاحتلال، ومنذ المؤتمر التأسيسي للحزب قدمنا رؤية جديدة تتلخص بضرورة الانتقال للديمقراطية والتعددية في كل المجالات، السياسية والاقتصادية والثقافية.

نحن نعتقد أن مبدأ ديكتاتورية البروليتاريا قد سقط، وساهمت هذه المقولة في انهيار التجربة وما نتج عنها من حكم الحزب الواحد الذي أدى إلى إلغاء المؤسسات الاجتماعية المختلفة، وأدى إلى انهيار مفهوم الدولة وسيادة الحزب على الدولة وانعكاس علاقاته الداخلية اللاديمقراطية على مجمل المؤسسات اي نحن ضد شمولية الدولة والأحزاب.
فالتعددية الاقتصادية ورفض احتكار الدولة لكل مفاصل الاقتصاد واعتماد التعددية والديمقراطية كأساس في التطورات داخل الأحزاب وفي المجتمعات وربط التطور الاقتصادي بتطور البنى الديمقراطية في المجتمع. وبحث ذلك بخصوصية الوضع في بلادنا، فإذا انتصرت ثورة أكتوبر فإن انتصارها يكمن أولا في اعتماد الخصوصية الروسية عند لينين، وتجاوز مفهوم الماركسية الأوروبية وتأمين الفهم النظري لانتقال أضعف دولة في النظام الرأسمالي إلى الاشتراكية، للأسف عندما وضعوا دكتاتورية البروليتاريا نصب أعينهم طبقوا دكتاتورية الحزب الحاكم واستهلكوا مفهوم دكتاتورية البروليتاريا والسبب بأنها لم تكن ناضجة في بلد متخلف. وقلنا أن المتغيرات المتسارعة في العلوم التطبيقية لا يتم مواكبتها من قبل العلوم النظرية، فقد أثرت القفزات السريعة في التطورات العلمية وآخرها ثورة الاتصالات على مجمل مجتمعات العالم، ولم تنعكس هذه التطورات في النظرية مما أدى إلى تخلف النظرية، لذلك لا بد أن نبحث عن تأثير التطورات العلمية على توزيع الدخل الوطني، وعلى الثقافة العامة، وعلى العادات والتقاليد الاجتماعية، وعن تموضع القوى العاملة وهامشيتها وكذلك مجمل تموضع طبقات المجتمع واهمها البرجوازية المتوسطة التي تولد التغيير، وحتى نستطيع أن نؤمن مسيرة أكثر إنسانية لمجتمعنا.

وعلينا هنا أن نؤكد أن التطورات العلمية والثورات الصناعية المتكررة، سبقت علم الاجتماع والأفكار الإنسانية التي كان يجب أن ترافقه، فلم نعد نشهد مفكرين إنسانيين بارزين إن كان في العالم الغربي مثل فولتيير وجان جاك روسو وسارتر ومكسيم غوركي والمخرجين السينمائيين الكبار، والشعراء الكبار، ولم نعد نجدهم أيضاً في بلادنا رغم أنه كان هناك بعض من أثروا الثقافة والفلسفة الإنسانية مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد وغيرهم ممن اتهموهم بالردة والكفر وأحرقوا منجزاتهم الفكرية إلى جانب مفكري عصر النهضة، وهذا أدى إلى تراجع القيم الإنسانية عند الشعوب، وتطور النشاطات المجرمة والهمجية، إن كان في علاقات الدول فيما بينها، أو مع شعوبها، أو في علاقتها مع الشعوب الضعيفة … وشعبنا السوري يعاني من أبشع أشكال هذه الهمجية، فلم يعد هناك مقدسات، ولا قيم تمنع انتشار القتل والإرهاب.

– أين اليسار الدولي من دعم الثورة السورية؟

= نحن أحد حالات التمرد على الحركة اليسارية والشيوعية الداعمة للنظام القمعي، لذلك استطاع النظام وتوابعه أن يسوق للعالم – رغم اجرامه – بأن الذي يحدث في سوريا هو عبارة عن مجموعات إرهابية سلفية تريد إسقاط نظامه العلماني، طبعا هذا الطرح أكده الطرح من مشايخ السلفية الجهادية التي ساعدت باظهارها بعض قنوات الاخبار، والشعارات وتشكيل كتائب وجيوش تحمل الصبغة الإسلاموية وخاصة بعد أن أطلق نظام الأسد من سجونه مجموعة من الخطرين بتوجههم الاسلاموي المتطرف، ومن جهة أخرى اصطف مع النظام كل من يدعي المقاومة والممانعة والقومية الزائفة، من بقايا الأحزاب الشيوعية والأحزاب القومية، وادعوا أن هناك هجوما على “قلعة الأمة”، وتناسوا بأن هناك شعب مثله مثل كل شعوب العالم يسعى لنيل الحرية وبناء دولته الديموقراطية، لم يأخذ بنظرية ولا أية أيديولوجيا فقط يريد أن ينتقل من مفهوم القطيع إلى مفهوم المواطنة والوطنية وهي ابسط حقوقه وأن يشارك بكل مفاصل ومقررات الدولة، للأسف تلك المستحاثات شاركت بقتل وتهجير الشعب السوري.

وأخيرا أقول بأن الشعوب لن تقهر لكن ثوراتها تمر بمنعطفات خطيرة وعلى القوى الثورية مسؤولية تصحيح المسار.

رابط مختصر

اترك تعليقاً

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

زكي الدروبي