في السجون السورية لا وجود للآلهة

2018-05-21T22:59:27+03:00
2018-05-21T23:26:03+03:00
تدوينات
عمار حسين الحاج21 مايو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
عمار حسين الحاج
photo ٢٠١٨ ٠٥ ١٤ ١٨ ٥٨ ٥٠ - حرية برس Horrya press

منهج السجون في دين الطغاة

” من أدبيات السجون “

(2)

في سجون الاستبداد لا وجود للآلهة، إلهك هو الجلَّاد ومزاجيته هي التي تحدّد العمر واللون والرائحة، والأسماء الجديدة لأُناسٍ من المفترض أن يكونوا في مواقعهم الطبيعية، يمارسون فِعلَ الحياة بين ذويهم ويُنتجون خير محيطهم.

والسجون ليست أبنية بطريقة معمارية خاصة، تعتمد التعنيف الجسدي والنفسي لأشخاص من المجتمع الذي يحكمه الاستبداد لتحقيق أكبر نسبة من تدجين عقولهم لتوافق ظُلمَ السلطة وهيمنتها على المجتمع فكرياً واقتصادياً، وتحقيق البُعد التاريخي والمستقبلي لأبدية الحاكم، بل أصبحت عالماً موازياً للعالم الطبيعي، والحقيقي الذي يحياه المجتمع خارج القضبان والجدران العالية التي تتوجها أسلاكٌ شائكة لولبية التسييج، ولها قوانينها الخاصة وظواهرها الاجتماعية، والتي تؤثر بشكلٍ فعَّال على العالم الحقيقي بهدف تربية الشعوب على المراقبة وضبط الكلمة والفعل بما يتناسب مع المفاهيم السياسية والاجتماعية والفكرية، التي وضعها الاستبداد بقبضة التخويف الأمني، وحبس الحرية، والحرية في ظل الأنظمة الاستبدادية محدودةٌ بطبيعتها، ومدروسة بشكلً ممنهجٍ، حيث يتحول الوطن في النهاية (بحسب تعريف المستبد للوطنية) إلى سجنٍ كبير.

فمنهج السجون من حيث العقاب الجسدي والنفسي، الذي اعتمد كمعيارٍ أساسي في طريقة بنائه واختيار كوادر الإدارة والموظفين، يختلف من بلدٍ إلى آخر، بحسب درجة الوعي الفكري للسلطة المهيمنة على موارد البلد، حيث إن السلطة  هي من تحدد مَن هو المذنب ومن هو الخائن ومن هو المريض النفسي، أي مَن هو (الخطر على المجتمع).

ويبقى تعريف السجن (كمؤسسةٍ إصلاحيةٍ لإعادة تأهيل الشخص الذي قام بفعلً شاذٍّ عن أخلاقية العلاقات الاجتماعية) فضفاضاً من حيث التطبيق والتعديل على آلية اختيار أدوات إعادة التأهيل ..

وحتى الأهلية النفسية والجسدية للمواطنة مرهونة بالواقع السياسي والوعي الفكري للسلطة، وذلك بتحديد الوصف الجرمي للشخص المعتقل، بناءاً على تبنيه لرأيٍّ مخالفٍ لمعايير هيمنة السلطة الحاكمة، من توصيفٍ يعتمد نقد السلطة وإبداء الرأي، إلى توصيفٍ جنائي يتحول من خلاله السجين من معتقلٍ سياسي إلى مجرمٍ قام بفعلٍ خطيرٍ يؤثر سلباً في المجتمع بحسب قانون العقوبات العامة المنصوص عليها في دستور السلطة الحاكمة، والذي تَوَافَق عليه المجتمع كمعيارٍ قضائي إن كان بالاستفتاء الحر، أو بفرض سلطة الأمر الواقع الأمنية والعسكرية.

ومن هنا، نستطيع القول بأنه لا يوجد سلطة تسمح بإبداء الرأي والتعبير بانتقادها البنَّاء أو لتعرية فسادها، ولكن تتفاوت نسبة استخدامها لأدوات القمع بحق من يعارضها، لذلك مع تطور المجتمعات تطور أيضاً تعريف الاستبداد، شكلاً ومضموناً! وصرنا نرى استبداداً حضارياً وكمَّاً للأفواه بطريقةٍ مدروسةٍ تعتمد فلسفةً ظاهريةً للجمال بعُمقٍ أسود ومقيت، حيث نصل في نهاية الأمر إلى أن (الاستبداد حالةٌ مستمرة لا تنتهي طالما هناك سلطاتٌ دينية أو عسكرية أو قومية تتغلّب على السلطات الإنسانية والمدنية).

وأكثر أشكال الاستبداد تخلُّفاً هو الناتج عن السلطة العسكرية، وأسوأ أدواتها السجون السياسية بما تحتويه من نظام عقابي جسدي ممنهج  لإيصال المعتقل إلى حالةِ الانكسار النفسي، وفقده احترامه لذاته وتمييع الشعور بكرامة الفكرة التي اعتمدها نقداً لهيمنة السلطة، ويصبح الحفاظ على الحياة في أبسط أشكالها غير الطبيعية هو هدف السجين، حيث إن الجسد هو الشيء الوحيد الذي يمكن الوصول إليه والتأثير عليه، ومن تراكم ثقافة تعذيب الخائن من منظور السلطة، ينتج في المجتمع فصيلٌ بشريٌّ مهجَّن جديد، قد ترسَّخ لديه مفهوم القتل وليس الإقصاء فقط لمعارضي السلطة، وبشكلٍ يصل إلى درجات الساديَّة في طريقة التعذيب الجسدي والقتل، ومن وجهة نظر الجَلَّاد “ابتكارُ طريقة تعذيبٍ جديدة أكثر شناعةً من المُستخدمِ والمتداول، هو بمثابة اختراعٍ أو ابتكارٍ علميٍّ في أي بلدٍ مُتحضِّر آخر، ويحصل على ثناء السُلطة”.

وحيث إنَّ المعتقل والجلَّاد هما من أبناءِ مجتمعٍ واحدٍ ضمن سلطة قادرة على الفرز الاجتماعي والنفسي لأبناء المجتمع على أساس (مع أو ضد) بكل وسائل الاستبداد الكلاسيكي المتخلف، يتشكل ويتسع تراكمياً مع الزمن شرخٌ واضحٌ في شخصية المجتمع تُرسِّخه السلطة بتشويه ملامح الهوية الوطنية وتشكيلها من جديد بحسب ما يتناسب مع أبديتها عبر المدرسة الأمنية القمعية، وتُحدد السُلطة نجاحها من خلال الحفاظ على أعلى درجات الخوف عند كل أفراد المجتمع وتزكيتهِ بشكل مستمر باستخدام أدوات الإعلام المُحَضَرة مُسبقاً لأداء دور بث ثقافة السُلطة وسبر وقياس تأثيرها على المتلقي، لاتخاذ الإجراءات الأمنية بما يتناسب مع أي خطر توعوي يمكن أن يظهر هنا أو هناك ليُمكنَ السيطرة عليه واستخدامه عكسياً لصالحها من باب الحفاظ على أمان المجتمع.

تدريجياً يصبح هذا البناء المتماسك بوقاحة الجلاد مصنعاً لإنتاج مواد أولية قابلة للاستخدام في تنفيذ أي مشروع تهديمي لنفسية وفكرة من يحمل عبء انتقاد السُلطة وتوعية المجتمع لممارساتها الاستغلالية للموارد البشرية والطبيعية وحتى الموروث الديني والشعبي لتحقيق أهدافها الاستبدادية بالحكم، وجعل أبدية الحاكم أمراً طبيعياً لا يقبل حتى التفكير بتغييره.

هذا ما يجعل من المؤسسة الأمنية عبارة عن قاعدة بيانات ومستودعٍ أرشيفي يستقبل تحديثاتٍ بشكلٍ دوري لكلِّ أفراد المجتمع مُقسَّمةً بحسب السلوك مع ذاتية الأسرة، فيُمكن استخدام هذه المعلومات وقت الحاجة لها وبالشكل الذي يحقق تشويه فِكرة المُصلح ترغيباً أو ترهيباً وتفريغها من محتواها الفاعل في القاعدة الشعبية للوعي الجمعي ، أي (تحضير ذخيرة أمنية احترازية) مُصنَّعة على مرحلتين في مراجل (المؤسسة الأمنية والسجون).

وبالتالي، لا يُمكن أن تنتج سجون الاعتقال السياسي ومراكز الاختفاء القسري الأمنية، سوى بعبع السلطة والذي لا يُساهم إلَّا في خلق شخصيةً مهزومة للفرد والمجتمع، وبشكلٍ عام يشمل طرفي معادلة الاستبداد، فحتى مَن ينتمي لمؤسسة الحاكم لا يمكن أن يشعر بالتخلص من شعور الخوف من غدر الزملاء الذين هم أنفسهم خائفين من موظفين بدرجةٍ أعلى على الهرم الوظيفي، ضمن قاعدة (الضبط والمراقبة) وهذا ما يجعل المواطن الذي ترعرع في دولةٍ أمنية إن كان وحيداً في صحراء ومرَّ في خياله نقد للحاكم، تَلَفَّتَ حولهُ بشكلٍ عفوي خوفاً من أن يكون قد رأي أي شخصٍ في ملامح وجهه ما خطر في باله.

وحتى الصمت لا ينفع مع آلهةِ الاستبداد، فالرمادي لدى الطاغية الخائف بطبيعتهِ هو مشروعُ مُعارضٍ لفكرته، لذلك يجب على المواطن التعبير عن تمجيده للحاكم بالفعل والكلمة وغدر أخيه المواطن بما يتناسب مع استقرار الأمن القومي والحفاظ على هيبة الدولة، حيث (الدولة والمجتمع مُختزلان في شخص الحاكم مُسبقاً).

وهذا ما يُنتج طابوراً تطوعيَّاً من المواطنين الواشين، يمدُّون قاعدة البيانات الأمنية بالمعلومات تزَلُّفاً للسلطة وبدون مقابل، غير فقدهم لكرامتهم ولثقتهم بأنفسهم، الذي ينعكس على الأسرة والمجتمع بشعور اللامنتمي لأي مفهوم أخلاقي أو وطني، وإنما تنمية لفصام الهوية عند الأغلبية، ولا يوجد أفضل من السجون أمكنةً تتوافر فيها أسباب صُنع هذا الطابور.

ومع تَجَذُّرِ فكرة المُستَبد يتجذَّر فِكرُ النقيض بحسب تراكم أسباب (الخوف والصمت) التي تصل إلى حالة الإشباع في المجتمع، مع تزايد غطرسة الحاكم عند كُلِّ منعطفٍ سياسيٍّ يمر به بسبب تأثره برياحٍ تأتي خلسةً من خلال قنوات الاتصال التجارية والأمنية والمعلوماتية مع الدول الأخرى، وهذا ما يصل بالمجتمع طبيعياً إلى حالة الانفجار والثورة على الاستبداد.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة