من حمراء إلى برتقالية .. هل انتهى زمن الثورات؟

آراء
عماد غليون20 مايو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
من حمراء إلى برتقالية .. هل انتهى زمن الثورات؟
25675473 780035858858501 977830901 n e1515257509270 - حرية برس Horrya press

ظهرت في الآونة الأخيرة تحولات صادمة في مواقف دول داعمة للثورة باتجاه تعويم النظام وإعادة تأهيله؛ لكنها تكرست  بشكل أشد وطأة في مواقف العديد من الهيئات والشخصيات المعارضة والمسلحة بالحديث عن هزيمة الثورة وانتصار النظام وضرورة التحلي بالمرونة التي تفضي للمصالحة مع النظام.

سعت الدول الداعمة للثورة لتحقيق مصالحها القومية بالدرجة الأولى؛ لكن ذلك جاء بشكل براغماتي فج وعلى حساب  مأساة الشعب السوري؛ لكن النكوص والتراجع في مواقف شخصيات ثورية لا يمكن فهمه أو تبريره تحت أي ظرف؛ فالثورة لا تتوقف عند إسقاط نظام الحكم على شاكلة الانقلابات العسكرية.

استغل بعض المترددين والمندسين في صفوف الثورة أو الباحثين عن مصالح شخصية الظروف الطارئة؛ حيث لاحت لهم  فرصة التراجع والتملص من الثورة؛ وبدأ بعضهم يروج ثقافة الهزيمة وقبول النظام على علاته ويعلن الندم من المشاركة في الثورة.

المواقف المناوئة للثورة لم تكن حالة طارئة؛ فقد وقف ضدها العديد من الكتاب والفنانين منذ البداية؛ متذرعين بعدم تطابقها مع النورمات الثورية الرومانسية التي يعرفونها؛ فهي ليست ثورة اجتماعية أو فكرية؛ ولأنها استخدمت المساجد مراكزاً للحراك الثوري تحولت انتفاضة دينية مذهبية بزعمهم.

اصطفت معظم الأحزاب والحركات اليسارية والقومية إلى جانب النظام بحجة مقاومة المشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة والتصدي للمؤامرة الكونية التي تهدف لإسقاط النظام؛ ووصل الحال ببعض الفصائل الفلسطينية لتجنيد مقاتلين في صفوف النظام.

وكانت المواقف المناوئة للثورة الصادرة مصدر إحباط  كبير؛ خاصة تلك الصادرة عن جهات كانت تنشط منذ سنين طويلة  في المجالات الثورية؛ وكانت الثورة فرصة لها لإثبات مصداقيتها.

وقد ساهمت بعض المفاهيم الخاطئة عن الثورة في حصول الإنحرافات ضدها، كما أن وعي الثوار أنفسهم لم يكن كافياً لإرشادهم لممارسات ثورية ناضجة.

الثورة حسب المفهوم الشائع تشمل كافة أشكال النضال بما في ذلك العمل المسلح؛ وتهدف إلى تحقيق الاستقلال من الاستعمار أو الاحتلال، أو لتوحيد مجموعة دول في كيان قومي واحد، أو لإسقاط  أنظمة حكم ديكتاتورية قمعية  وإقامة حكومات ديمقراطية؛  أو لفرض الإشتراكية والماركسية بدلاً من أنظمة رأسمالية إحتكارية.

الثورة نشاطٌ واعٍ يتم بطرق وأساليب متعددة؛ بهدف الوصول للتغيير المنشود، وتحقيق الانتقال الجذري في كافة المجالات، ويفترض أن تكون الحالة الجديدة الناتجة أفضل؛ وقد لا يتحقق ذلك على الدوام في المدى القريب أو المنظور.

هناك الكثير من الكتابات عن شروط اندلاع الثورات ومقدماتها والظروف الموضوعية لنجاحها؛ وتم ذلك استناداً لدراسة الثورات وتوصيفها، لم تنشب الثورات بسبب تلك الكتابات بشكل مباشر؛ رغم الدور التحريضي للعديد من الكتب.

تترافق الثورات الشعبية التقليدية عادة بالدماء والشهداء والتضحيات الجسام؛ ومن هنا جعل الشاعر أحمد شوقي بذل الدماء شرطاً لازماً للحصول على الحرية بقوله:

وللحريةِ الحمراءِ بابٌ                    بكلّ يدٍ مضرجةٍ يدقُّ

يستهوي المفهوم الكلاسيكي للثورة الحركات والتنظيمات اليسارية الراديكالية؛ وكان ذلك المفهوم دليل عمل حركات التحرر الوطني من الاستعمار في دول العالم الثالث، وظهرت أعمال أدبية وفنية كثيرة تمجد الثورة وبطولات الثوار؛ لعبت  دور الملهم لأجيال كاملة؛ وعرفت بالأدب والفن الملتزم .

لا يقتصر مفهوم الثورة على الجوانب السياسية أو تغيير أنظمة الحكم كما هو شائع؛ وتشمل الثورة كافة جوانب المجتمع التي تحتاج  تغييرات جذرية باستمرار، هناك ثورات علمية تكنولوجية صناعية زراعية وفي الاتصالات والمعلوماتية وكافة المجالات الأخرى.

لا تحبذ كتب التاريخ والتراث العربي الحديث عن الثورات وتصف بعض الأحداث الاجتماعية والدينية الخطيرة بحركات تمرد على شرعية الخلافة، وفي المقابل يقوم بعض الباحثين بتوظيف إيديولوجي مبالغ فيه لبعض الحركات مثل الزنج والقرامطة بتوصيفها حركات ثورية اشتراكية نموذجية مبكرة.

تسجل الثورة العربية الكبرى عام 1916 بقيادة الشريف حسين كأول حركة قومية عربية ثورية، بينما يراها البعض حركة  تمرد على الدولة العثمانية بالتواطئ مع جهات أجنبية خارجية.

ويتفق السوريون على تمجيد واحترام مقاومة الاحتلال الفرنسي لسورية وفي طليعة ذلك الثورة السورية الكبرى التي اندلعت عام 1925.

جرت بعد الاستقلال سلسلة من الانقلابات العسكرية تهدف بمجملها للاستيلاء على السلطة، وأطلق حزب البعث وصف الثورة على انقلابه في آذار 1963 الذي استولى من خلاله على السلطة منفرداً، بينما سمى حافظ الأسد انقلابه عام 1970 بالحركة التصحيحية وكرس من خلالها حكم عائلة الأسد لسورية؛ حيث ورث السلطة ابنه بشار بعد وفاته عام  2000.

أغرت الشباب العربي التحولات الديمقراطية الناعمة على النمط الأوكراني البرتقالي؛ وكان الربيع العربي فرصة ذهبية للتغيير لكن عوامل كثيرة تضافرت لإسقاطه.

ورغم ضبابية المشهد وهول الماساة وبعيداً عن المترددين والمؤيدين وأصحاب الدوافع الشخصية؛ يمكن القول بكل ثقة أن الثورة لم تهزم؛ ولم تنجح كل العوامل الذاتية والموضوعية الكثيرة ضد الثورة في القضاء عليها.

الثورة عملية تغيير جذري مستمر تطال جميع جوانب المجتمع؛ والشعب السوري أرادها ثورة حرية وكرامة بعبق الياسمين الشامي.

الثورات لا تهزم ولا تموت بل تنتصر ويظهر غراسها الطيب بعد حين قد يطول.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة