نكبة النكبات.. التغلغل في الوعي والأخيلة

2016-05-15T17:30:20+03:00
2016-05-15T18:23:06+03:00
ثقافةفكر وثقافة
فريق التحرير15 مايو 2016آخر تحديث : منذ 3 سنوات

palesten* محمد الأسعد
حين تقرأ قصائد لشاعر ياباني تتحدّث عن “أرض الميعاد” وأسوار “جيرشو”، وينابيع “أورشليم”، فتتساءل؛ كيف تسنّى لهذا الياباني أن يتحوّل من عقيدة “الشنتو” أو بوذية “الزن” فتسكن مخيلته أخيلة توراتية؟
لم يكن هذا التحوّل مدهشاً في الغرب الاستعماري منذ أن ألصق أناجيله بالتوراة اليهودية وقرأهما ودرسهما ككتاب مقدّس واحد، فحقق هدفاً رئيسياً من أهدافه، أي استخدام روايات الغزو والإبادة التي تحتشد بها بعض أسفار التوراة، بوصفها روايات ذات مصدر سماوي تحث على قتل الأغيار وتكافئ عليه.
وهو ما حدث في غزو الإنجليز لأيرلندا، وغزو إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإنجلترا وهولندا للأميركيتين حين اخترعوا لتبرير إبادة سكانهما الأصليين أسطورة أن هؤلاء من أحفاد “الكنعانيين” الذين قاتلهم “الإسرائيليون” في فلسطين واستولوا على أراضيهم، وهو ما رافق أيضاً غزو الألمان والهولنديين والإنجليز لجنوب أفريقيا باعتبارها أرضاً موعودة.
ولكن المدهش أن تتخذ روايات من هذا النوع، حوّلتها الحركة الصهيونية من جانبها إلى مشروع غزو وإبادة بعد أن استعمرت النص الديني المسيحي، طريقها لاستعمار ديانات أخرى شرقية هذه المرة، شنتو وبوذية وهندوسية وكونفوشية، ولن يكون الإسلام بمعزل عن آثار هذا الاستعمار كما يتراءى في هذه الأيام من تشويه للمفاهيم الإسلامية، وتحريف الكلم القرآني عن مواضعه، واختراع ما يُشبه روايات صهيونية بألسنة تزعم أنها عربية/ إسلامية.

الموضوع هنا ليس شرح أسباب هذا التغلغل، الثقافي في ظاهره، التغلغل في العقائد والأخيلة، إذ تكفي الإشارة إلى تلازم هذا التغلغل مع التوسّع الغربي الاستعماري منذ القرن الخامس عشر وما بعده، بكل ما يعنيه هذا من ترابط بين المعرفة التي يزعم هذا التوسّع امتلاكها وبين سطوته، ونتائج هذا على صياغة خطاب يجري تعميمه بوصفه خطاباً كونياً، سواء جاء هذا على صعيد القيم أو التخيّلات أو رواية تاريخ الماضي والحاضر.
تأثير كل هذا على استعمار المخيلة هو الموضوع الأساسي. فالروايات الدينية، الصحيح منها والمختلق، شأنها شأن النصوص الأدبية والفنية، تساهم مساهمة فعالة في صياغة المفاهيم، وتوجيه السلوك، بل ورسم المصائر حتى بعد سردها بأزمان طويلة.

في الثقافة الشعبية الفلسطينية، في سنوات الإعداد للاستعمار الصهيوني لفلسطين (1917-1948) شاعت روايات منقولة عن يهود تقول للفلسطينيين إن الكتب القديمة تحدّثت عن مصير تقرّر بالنسبة لهم، أن يحتل اليهود أرضهم، ثم يعودون بعد أحقاب فيتغلبون على المحتلين. المهم كما اتضح بالنسبة لمروّجي هذه الروايات “التنبؤ” بما سيحدث في الوقت الراهن واقتناع الفلسطينيين به، أما العودة فلا أحد يعرف متى.
وتترك هذه الروايات المتناقلة شفاهة تاريخ العودة غامضاً، فقد تكون حسب الروايات بعد سبع أو سبع أو سبع، ولا أحد يعرف هل هي سبعة أشهر أو سبع سنوات أو سبعة قرون.. وتختتم هذه الروايات عادة بالقول “والله أعلم”.
رواية “إسلامية” شائعة أيضاً، تحيل هذا الموعد إلى آخر الزمان، إلى زمان ما تُسمى “الواقعة الكبرى”، أي إلى زمان يقال إنه سينطق فيه الشجر والحجر، فتقول الشجرة أو يقول الحجر “يامسلم.. هذا يهودي ورائي تعال واقتله”.

هذه الروايات الشائعة وأمثالها، والمؤثرة قبل أن تفتك محطات التلفزة الفضائية بالوعي، فتكت بالمخيلة الفلسطينية، ولعبت دوراً خطيراً في إرباك الوعي وبث قناعات خادعة، وكانت نكبة النكبات، فروّجت لمقولة “أن ما يحدث من قتل وتدمير وتشريد للشعب الفلسطيني أمور مقررة سلفاً في لوح الأقدار، ولا سبيل لمقاومتها”، ومن ذلك الذي يستطيع مقاومة المقدّر في الكتب “المقدسة”؟
هذه النكبة، بالمعنى الحقيقي للنكبة، نكبة الوعي، هي التي أسّست لما رافقها وجاء بعدها من اقتلاع لسكان القرى والمدن الفلسطينية، وتغيير علائم الجغرافية الطبيعية، بعد أن تغيّرت علائم الجغرافية الثقافية، مفاهيمَ وأخيلة وتصوّراتٍ.
في الزمن الراهن، لم تتغيّر وسائل الفتك بالمخيلة والوعي، ولا توقفت عن التمدّد في الفضاء العربي، بل أصبحت تشمل “الخطاب السياسي”، ومثاله خطاب “أوسلو” الذي أضاف خرافة أخرى إلى خرافات آخر الزمان، الوعد بدولة وعاصمة وما إلى ذلك، وأصبحت تشمل اختراع رواية يتحوّل فيها المستعمر الهمجي إلى “شعب” مجاور، وتحويل “الوطن” إلى مجرد مكان إقامة شأنه شأن أي مكان آخر في العالم، وتفكيك الروابط الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية بين أبناء الوطن الواحد، وتحويلهم إلى شراذم وتجمّعات تشبه أكوام الرمل تقلبها الرياح ذات اليمين وذات الشمال.
هذه هي نكبة النكبات المتواصلة؛ أن ينتقل استعمار الجغرافيا إلى استعمار الوعي والخيال، بأمواج متوالية تجرف كل ما تبقى للإنسان العربي، والفلسطيني بخاصة، من مفاهيم وتصورات وقيم يدافع فيها الإنسان عن نفسه وبيته وأهله بالحد الأدنى.
* المصدر: العربي الجديد

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة