عملية عفرين.. المهمة والنطاق والإشكالات السياسية

فريق التحرير22 يناير 2018آخر تحديث :
قوات من الجيش التركي والجيش السوري الحر ضمن معركة “غصن الزيتون” شمالي سوريا، 21-1-2018، عدسة حسن الأسمر، حرية برس©

مؤشرات ومعطيات عديدة تشي بقرب قيام تركيا بعملية عسكرية في منطقة عفرين الواقعة شمال غربي سوريا، وبات السؤال يطرح حول توقيت وكيفية بدء العملية، خاصة بعد أن استكمل الجيش التركي وفصائل من “الجيش السوري الحرّ” تحضيراتهم واستعداداتهم في انتظار ساعة الصفر.

يخوض الجيش التركي والفصائل هذه العملية تحت مسمى عملية “سيف الفرات”، بهدف أبعاد مليشيات “وحدات حماية الشعب” (YPG) الكردية، التابعة لحزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي” (PYD) الذراع السورية لحرب “العمال الكردستاني”(PKK) المحظور في تركيا، بوصفه منظمة إرهابية بالنسبة إليها.

ويبدو أن تركيا استكملت استعداداتها العسكرية، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 20 ألف جندي تركي ومقاتل من فصائل الجيش السوري الحر، يستعدون للمشاركة في العملية العسكرية، التي من المرجح أن تنطلق من غرب مدينة أعزاز، وبالتحديد من المناطق التي تضم بلدة عين دقنة ومطار منغ العسكري في ريف حلب الشمالي.

وستمتد حتى تصل إلى مدينتيْ تل رفعت وعفرين في محافظة حلب، حيث تسيطر وحدات الحماية الكردية على 12 قرية وبلدة في المنطقة هي: منغ وعين دقنة وتل رفعت ومريمين والمالكية وشواغر ومرعناز والشيخ عيسى وحربل وكفر ناصح ودير جمال، وتنتشر في مدينة تل رفعت وبلدتيْ مارع وكفرجنة قوات شرطة روسية منذ نهاية عام 2016.

التشابكات السياسية

تحرص تركيا على تأكيد أن عمليتها العسكرية في منطقة عفرين لا تستهدف الأكراد في سوريا، بل عناصر حزبيْ العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي والمليشيات التابعة له، وأنها ستتم بمشاركة فصائل من الجيش السوري الحر، حيث أكدت كل من “فرقة السلطان مراد” و “جيش النصر”، و”الجبهة الشامية” استعدادها للمشاركة في هذه المعركة.

وتنضوي هذه المجموعات ضمن فصائل “درع الفرات” المدعومة من تركيا، وتعتبر هدفها من خوض معركة عفرين هو استرداد القرى العربية التي تسيطر عليها مليشيات الحماية الكردية الانفصالية وحماية الأراضي السورية منها، واسترداد حقوق الشعب السوري المسلوبة من النظام وغيره.

تنتظر أنقرة استكمال تفاهماتها السياسية مع كل من موسكو وواشنطن وطهران، كي تعطي إشارة بدء العملية العسكرية، في ظل تعدد واختلاف اللاعبين في الصراع على سوريا وفيها، حيث تحرص القيادة التركية على ضمان عدم الاصطدام مع القوات الروسية والأميركية والمليشيات الإيرانية الموجودة بمنطقة عفرين أو قربها.

هذا فضلاً عن سعي أنقرة إلى الحصول على غطاء سياسي وتنسيق عسكري لأي تحرك عسكري مقبل من طرفها. غير أن التوتر السياسي تصاعد ما بين الأتراك والأميركيين بعد الكشف عن خطط أميركية لإنشاء قوات أمنية حدودية في شمالي سوريا، قوامها 30 ألف مسلح بالتعاون مع “قوات سوريا الديمقراطية”، تنتشر على طول الحدود السورية مع تركيا والعراق وضفة نهر الفرات الشرقية، الأمر الذي اعتبرته أنقرة تهديداً مباشراً موجهاً لها من واشنطن.

واستدعى ذلك توضيحات من وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون لنظيره التركي مولود جاويش أوغلو، نفى فيها تشكيل مثل هذه القوة، ثم دعت وزارة الدفاع الأميركية كل الأطراف إلى التهدئة على الحدود التركية/السورية، مع أخذها في الاعتبار قلق أنقرة من حزب “العمال الكردستاني”.

وطمأنت واشنطن الجانب التركي بأن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لن يشن عمليات عسكرية في منطقة مدينة عفرين السورية، كما نفت أي دعم لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية الموجودة في مدينة عفرين، وقالت إنها “لا صلة لها بها”.

واعتبرت بعض الأوساط التركية أن هذا الموقف يشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتدخل ضد أي عملية عسكرية تركية مقبلة في منطقة عفرين، إلا أن جاويش أوغلو اعتبر أن تصريحات مسؤولين أميركيين حول مخاوفهم بشأن الحدود السورية غير مطمئنة، ولذلك شدد على أن بلاده ستتدخل “في عفرين ومنبج بسوريا”، وأنهم أبلغوا أميركا بأنهم لا يريدون مواجهة حليف لهم هناك.

الموقف الروسي

ولعل الأهم بالنسبة لتركيا هو الموقف الروسي حيال تحركها العسكري المرتقب، إذ إن روسيا صاحبة اليد الطولى في الوضع السوري عسكرياً وسياسياً، وهناك تنسيق وتفاهمات عديدة ما بين تركيا وروسيا وإيران في مسار أستانا العسكري (بين النظام السوري وفصائل المعارضة السورية المسلحة)، الذي ترعاه هذه الدول الثلاث والضامنة لاتفاقات مناطق خفض التصعيد التي تمخضت عنه.

ولم يعلن ساسة موسكو موقفاً واضحاً من الاستعدادات العسكرية التركية، حيث لم يصدر عنهم حتى الآن أي موقف علني مؤيد أو معارض لتصريحات الساسة الأتراك، التي تشير إلى اقتراب قيام الجيش التركي وفصائل من الجيش السوري الحر بعملية عسكرية في عفرين، بالرغم من أن وسائل إعلام تركية تحدثت -منذ عدة أيام- عن أن موسكو أبلغت أنقرة بأنها لن تقف ضد أي تحرك تركي من هذا النوع.

لكن التصريح الوحيد الذي أدلى به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف زاد عدم وضوح الموقف الروسي، لكونه دعا قبل بضعة أيام إلى “وقف العنف في عفرين”، وهذا ما يفسر مسارعة أنقرة إلى إرسال قائد أركان الجيش التركي خلوصي أكار ورئيس الاستخبارات التركية هاغان فيدان إلى موسكو، للتباحث معها بشأن العملية العسكرية المرتَقَبة، واستيضاح موقف روسيا حيالها.

وذلك في سياق رغبة أنقرة التنسيق مع موسكو والحصول على دعم روسي لمعركة عفرين، وعدم عرقلتها من موسكو، إلى جانب طلب أنقرة من موسكو التدخُّل لدى النظام السوري كيلا يعترض عليها، ووقف هجماته على مناطق محافظة إدلب.

ولا شك في أن الحصول على موافقة موسكو على العملية العسكرية في عفرين سيخضع لمساومات بين الروس والأتراك، حيث لن تقدم روسيا دعمها للعملية إلا مقابل تنفيذ الجانب التركي التزاماته المتعلقة بمسار أستانا، والقاضية بضمان الأمن في إدلب والتحرك نحو تصفية “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقا) تدريجياً.

هذا إضافة إلى أن الموافقة الروسية على الطلب التركي تأتي في وقت تتوحد فيه مواقف الساسة الروس والأتراك والإيرانيين، لإفشال المشروع الأميركي الساعي لتشكل جيش جديد، من خلال إضعاف مليشيات وحدات الحماية الكردية، وهذا ما تسعى إليه تركيا عبر عمليتها العسكرية في عفرين.

ومع ذلك يريد الساسة الروس من نظرائهم الأتراك أن توجَّه عمليتهم العسكرية فقط نحو إبعاد عناصر حزب العمال الكردستاني من غير السوريين وتحديداً الأتراك، لكون الروس لا يزالون ينسقون مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الذي يمتلك مكتباً في موسكو، ولا ترغب موسكو في أن تخسر تماماً لصالح تحالفه مع واشنطن.

الرؤية الإيرانية

يأتي كل ذلك في وقت تستعد فيه موسكو -بالاشتراك مع أنقرة وطهران- لعقد مؤتمر سوتشي لما يسمى “الحوار الوطني السوري”، حيث إن أي إعاقة من طهران أو موسكو للرغبة التركية ستؤثر على ظروف وممكنات عقد هذا المؤتمر، بل وعلى مستقبل الوضع في سوريا.

ولذلك ليس مصادفة أن يعلن جاويش أوغلو أن نائب مستشار الخارجية التركية سيتوجَّه إلى سوتشي لحضور اللقاء التحضيري لمؤتمر الحوار الوطني، وأن وحدات حماية الشعب الكردية لن تحضر هذا المؤتمر.

وعلى الطرف الإيراني، تُجري أنقرة اتصالات مكثفة مع طهران في إطار التمهيد لعملية عفرين، مستندة لرفض الطرفين قيام كيان كردي مستقل سواء أكان في سوريا أم العراق، تحسباً لانعكاسات محتملة على أمنهما القومي، وتعوّل على التنسيق المشترك بينهما في الملف السوري، الأمر الذي يعتبره الأتراك عاملاً مساعداً في موافقة إيران على تحرك بلادهم في الشمال السوري.

لكن ساسة طهران بالمقابل لا يريدون أن تُطلَق يد تركيا في شمالي سوريا، تخوفاً من تأثير الدور التركي على مشروعهم التوسعي فيها وفي المنطقة العربية، إضافة إلى سعيهم لأن يكونوا أصحاب اليد الطليقة في الوضع السوري بالتعاون والتنسيق مع روسيا.

ويشهد واقع الحال بأن تركيا لم تعمد إلى مواجهة المخططات الإيرانية في سوريا ولا في العراق، بل إن الغياب التركي على الأرض السورية استغله الساسة الإيرانيين لصالح مشروعهم الساعي لبسط النفوذ والهيمنة، وفرض حلّ بالقوة في سوريا، وبما يمكّنها من فتح الممر الواصل بين طهران وبيروت مروراً ببغداد دمشق.

ولذلك يسابق الساسة الإيرانيون الزمن -بواسطة مليشياتهم في سوريا- من أجل الاستيلاء على المزيد من مناطق سيطرت المعارضة السورية، وهو ما يقومون به في أيامنا هذه في كل من غوطة دمشق الشرقية ومحافظة إدلب.

ويبقى أن الخاسر الوحيد من ذلك كله هو المدنيون السوريون (عرباً وكرداً وتركماناً وسواهم)، حيث دفعوا ثمناً غالياً ومهولاً خلال السنوات السبع الماضية. ولا شك في أن أي عملية عسكرية في عفرين ستشملهم، خاصة أن أكثر من نصف مليون سوري يعيشون في منطقة عفرين، التي نزح إليها عشرات آلاف السوريين من مناطق أخرى، إلى جانب أن مدينة عفرين ذات التركيبة العرقية المتنوعة، والموزعة ما بين العرب والكرد والتركمان.

لذلك لا بد من أن تأخذ تركيا هذا الواقع بالحسبان، والمرجح أن تقتصر العملية العسكرية التركية على استرداد القرى التي تحتلها مليشيات الحماية الكردية، وأن يُحاصَر مقاتلو هذه الوحدات أو يُرتب انسحابهم من المدينة، وهو أمر لا يبدو سهلاً لأن منتسبي حزبيْ العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي يسيطرون على هذه المدينة منذ عدة سنوات.

ولذلك فإن السؤال ليس فقط عن متى ستبدأ العملية العسكرية الوشيكة؟ بل عن كيفية تنفيذها ومداها ونتائجها على الوضع السوري بشكل عام.

المصدر الجزيرة نت
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل