أكراد سورية بعد معركة الرقة

فريق التحرير23 أغسطس 2017آخر تحديث : منذ 3 سنوات
YPG - حرية برس Horrya press

مقدمة :

لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد الأكراد في سورية إلا أنّ معظم التقديرات تشير إلى أنّ أعدادهم تتراوح بين (2-3) ملايين كردي، يتوزعون في مناطق الجزيرة/الحسكة، و كوباني/عين العرب، وعفرين وأحياء في دمشق، وحلب.
يتوزع الكرد سياسياً على الكثير من الأحزاب السياسية التي يرجع تاريخ تأسيس أول حزب منها إلى عام 1957، إلا أنّ معظمها تتبع لجهات خارج سورية. وتتجمع هذه الأحزاب في عدد من التشكيلات، أكبرهما: حركة المجتمع الديمقراطي التي ينضوي تحتها حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو تجمع مُقرّب من حزب العمال الكردستاني، والمجلس الوطني الكردي وهو تجمع مقرب من إقليم كردستان العراق.

بدأ النظام السوري منذ أواخر عام 2011 بتسليم المناطق الكردية لحزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري “وحدات حماية الشعب”، والتي استغلت بدورها الأوضاع لصالحها؛ وأعلنت “الإدارة الذاتية” في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2013، وأسست مجالس تنفيذية في كل من الجزيرة، وكوباني، وعفرين في كانون الثاني/يناير 2014. وتطور المشروع إلى الإعلان عن مشروع فيدرالية الشمال السوري في اجتماع عُقد في مدينة الرميلان في 16-17-18/3/2016. ومازال المشروع في طور التأسيس.

أما عسكرياً، فقد حققت وحدات حماية الشعب الكثير من الانجازات منذ تأسيسها عام 2012 وحتى اليوم، وسيطرت على العديد من المناطق بدعم عدة أطراف متنازعة (النظام السوري، الولايات المتحدة، روسيا). فقد سيطرت على مدينة رأس العين في محافظة الحسكة في 17/7/2013 بدعم من النظام السوري، كما نجحت في صد هجوم تنظيم الدولة في 16/9/2014 على كوباني بدعم أمريكي، وكذلك السيطرة على تل أبيض ووصل كانتوني/مقاطعتي الجزيرة وكوباني في 15/6/2015 بدعم أمريكي أيضاً، وسيطرت على مناطق في ريف حلب تل رفعت ومنغ بدعم روسي في 15/2/2016. كما حصلت على اعتماد حصري من قبل الولايات المتحدة كشريك وحيد على الأرض في المعركة مع تنظيم الدولة في الرقة.

في 24/8/2016 أعلنت تركيا عن انطلاق حملة “درع الفرات”، بهدف على منطقتي الباب ومنبج، بما يعنيه ذلك من منع لاتصال كانتوني/مقاطعتي كوباني وعفرين. وانتهت الحملة بالسيطرة على مدينة الباب فقط، وأوقفت الحملة بتاريخ 30/3/2017، إلا أنّ تركيا صرحت ولأكثر من مرة أنّ درع الفرات يمكن أن تعود من جديد بأسماء وأهداف أخرى، وأنّها لن تقبل بوجود كيان كردي يهدد أمنها القومي.

ويحاول هذا التقرير استشراف المستقبل فيما يتعلق بالمكتسبات التي حققها حزب الاتحاد الديمقراطي خلال السنوات الماضية، ومصير الكانتونات/المقاطعات التي أعلنها الحزب، ومشروع الفيدرالية، ومصير النظام السوري الموجود حالياً في أحياء بمدينتي القامشلي والحسكة، ووضع أكراد سورية عموماً ما بعد معركة الرقة، والتي تنتظر تركيا انتهاءها بفارغ الصبر لتطالب الولايات المتحدة بالتزاماتها ووعودها لتركيا بخصوص بوحدات حماية الشعب.

الرقة وريفها

على الرغم من محاولات حركة المجتمع الديمقراطي لفرض نموذج مماثل لتل أبيض ومناطق الشهباء على ريف الرقة (من حيث تأسيس مجالس شكلية يحضر فيها المكون العربي شكلياً) إلا أنّ القيادة الفعلية بقيت بيد عناصر حركة المجتمع الديمقراطي، فمجلس الرقة المدني تقوده نظرياً رئاسة مشتركة؛ إلا أنّ القيادة الفعلية هي بيد ليلي مصطفى (الرئيسة السابقة للإدارة الذاتية في تل أبيض) وعمر علوش (منسق العلاقات العامة في حركة المجتمع الديمقراطي)، وبإشراف كوادر من حركة المجتمع الديمقراطي معظمهم مدربون سابقاً على يد حزب العمال الكردستاني.

كما أن نجاح مثل هذه الطريقة في الرقة يبدو صعباً؛ وخاصة بعد الانتهاء من القضاء على تنظيم الدولة، فالتركيبة السكانية ذات الغالبية العربية لن تقبل طويلاً بفرض نظام حكم من قبل حزب كردي يفرض مبادئه ورموزه وصوره وأعلامه على المناطق التي يُسيطر عليها، مما قد يتسبّب بردّات فعل شعبية عنيفة، بالإضافة الى الرفض التركي لذلك، وهو ما تعيه الولايات المتحدة، والتي بدأت بدورها بدعم العناصر العربية ضمن قوات سورية الديمقراطية بالسلاح، بالإضافة الى تقديم الدعم الخدمي (صحة، مياه، غذاء) لتلك المناطق، وهو ما لم تفعله حتى الآن بشكل مباشر في المناطق الكردية، بل وتجاوز ذلك إلى تقديم دعم في مجال تدريب عناصر قوى الأمن الداخلي في الرقة ، وهو ما يوحي بأن الولايات المتحدة تريد دوراً فعلياً لا شكلياً للعرب في مستقبل الرقة وريفها، وفصلها نوعاً ما عن المناطق الكردية التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، وحيث تتركز شعبيتها.

من غير المتوقع أن يكون لوحدات حماية الشعب دور فعال ومؤثر في معركة دير الزور، وكذلك في إدارتها مستقبلاً، وهو ما يمكن استشفافه من مشاريع الولايات المتحدة الحالية، حيث تقوم بتدريب بالكثير من العناصر العربية ضمن قوات سورية الديمقراطي، ودعم وتدريب فصائل في البادية ليكون لها الدور الفعّال في معركة دير الزور وإدارتها. ويعود السبب الرئيسي في استبعاد وحدات حماية الشعب عن دور فعال في معركة دير الزور إلى التركيبة السكانية للمحافظة، والتي يغيب فيها المكوّن الكردي عن سكان المحافظة، كما أن عشائر دير الزور أقل قبولاً للمشاركة الكردية مقارنة مع عشائر الرقة.

السيناريوهات المحتملة

1. سيطرة عربية ومشاركة كردية

يبدو أن السيناريو الأقرب والأكثر احتمالا للرقة بعد القضاء على تنظيم الدولة هو أن يكون لها وضع مغاير عن مناطق تل ابيض والشهباء، وستحظى فيها العناصر العربية بقوة أكبر مما هي في غيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية، وقد يكون لتيار الغد وقوات النخبة التابعة لـه، وأطراف سياسية أخرى دور فعّال في هذا. وقد سبق أن عقد تيار الغد وهيئة التنسيق وحركة التجديد الوطني جولة مفاوضات مع الطرف الكردي، وتم فيها توقيع اتفاق أولي، لكن هذا الاتفاق لم يصل إلى مرحلة التوقيع النهائي لخلافات لم تحل بعد على بعض القضايا الفنية.

وكذلك لن تكون إدارة الرقة على خلاف مع حركة المجتمع الديمقراطي لأن الإدارتين ستكونان ضمن النفوذ الأمريكي، وستعمل الولايات المتحدة على منع أي تصادمات تضر بالوجود والمصالح الأمريكية في المنطقة، وستعمل على أن يكون انتقال السلطة من يد وحدات حماية الشعب للعناصر العربية سلمياً وبوساطة وإشراف أمريكي.

2. سيطرة كردية ومشاركة عربية شكلية

يوافق هذا السيناريو المقدمات التي بدأتها حركة المجتمع الديمقراطي، والتي أنشأت فيها مجالس شكلية مع تنصيب مستشارين تكون السلطة الفعلية بيدهم. ولن تسمح الحركة في هذا السيناريو للعناصر العربية بحرية التصرف كما هو الوضع حالياً في منطقتي (تل أبيض) و(مناطق الشهباء).

ويُعتقد أن هذا السيناريو لن يلقى ترحيباً أمريكياً لأنّ من شأنه أن يخلق ردات فعل لدى أهالي المنطقة قد تكون سبباً في استغلالها من قبل تنظيم الدولة لبناء خلايا جديدة في المنطقة مستغلاً رفض الأهالي للسلطة القائمة.

كما أن الأطراف الإقليمية الأخرى، بما فيها إيران وتركيا وحكومة بغداد سترفض مثل هذا السيناريو، وهو ما سيزيد من صعوبة تنفيذه.

المناطق الكردية 

ستكون المناطق ذات الغالبية الكردية (الجزيرة، كوباني، عفرين) والخاضعة حالياً لسيطرة وحدات حماية الشعب وحركة المجتمع الديمقراطي، مع وجود جيوب صغيرة للنظام في القامشلي ومدينة الحسكة، أمام عدة سيناريوهات.

ومن بين هذه المناطق قد تكون منطقة الجزيرة من أكثر المناطق أمناً وبعداً عن الاشتباكات عسكرية لعدة أسباب أهمها :

• عدم وجود فصائل مقربة من تركيا في منطقة الجزيرة، وبذلك فإن تركيا ستكون مضطرة للقيام بعملية عسكرية بالاعتماد على جيشها فقط، وهو أمر مستبعد، نظراً لكلفته السياسية والعسكرية.

• التركيبة السكانية ذات الغالبية الكردية لتلك المناطق لن ترحب بعملية تركية من هذا النوع، وبالتالي فإن تركيا ستكون أمام رفض جماهيري عابر للحزبية لعمليتها العسكرية.

• وجود النظام السوري حتى الآن في مناطق بمدينتي القامشلي والحسكة، لذلك فإن أي عملية عسكرية لتركيا قد تؤدي إلى احتكاك مع النظام، وهو ما لم تقم به تركيا حتى الآن، كما أنّ مثل هذا التدخل لن يلقى قبولاً روسياً.

السيناريوهات المحتملة 

1. تدخل عسكري وحصار لعفرين

تدْخلُ تركيا في مناطق ريف عفرين والشهباء وباستخدام فصائل سورية مقربة من تركيا، وبرضى روسي، من أجل السيطرة على مناطق الشهباء في ريف حلب الشمالي (بلدات تل رفعت ومنغ ومحيطها) وربطها بريف حلب الغربي، وعزل عفرين عن مناطق النظام ومناطق الشهباء وفرض حصار خانق عليها، وهذا ما سيشكل عبئاً كبيراً على الإدارة الذاتية.

ويتوقع في هذه الحالة أن تقوم وحدات حماية الشعب بتسليم مناطق في ريف عفرين للنظام السوري، كخطوة مشابهة لما فعلته في منبج بتاريخ 2/3/2017 عندما سلمت بعض المناطق لقوات النظام لوقف تمدد الجيش التركي وفصائل درع الفرات باتجاه منبج، بمباركة ووساطة روسية .

إلا أنّ من المتوقع أن لا يحصل هذا السيناريو على نفس الوساطة والمباركة الروسية، لأنّ عمليةً تركية كهذه ستكون غالباً باتفاق روسي-تركي. وبذلك ستكون عفرين أمام حصار خانق لن تصمد وحدات حماية الشعب أمامه كثيراً، وستضطر بعد فترة لتقديم تنازلات كبيرة، وخاصة أنّ العلاقة مع النظام لم تعد كما كانت سابقاً، وأن روسيا ترغب بالتوصل إلى تسوية مع تركيا تضمن استقرار الحل السياسي الشامل الذي تسعى إليه.

وستؤدي الأوضاع الجديدة إلى فرض حصار على مناطق كوباني والجزيرة، والتي لن تجد سوى معبر سيمالكا منفذاً لها لمدّها بالمواد الضرورية، إذا بقيت كلف التنقل والشحن عبر مناطق النظام مكلفة جداً كما هو الحال الآن، ولكن هذه المعطيات قد تتغير بعد الانتهاء من معركة الرقة، حيث يُمكن أن يُفتح طريق الرقة مع السلمية ومنها إلى الساحل ودمشق، ومع ذلك فإنّ فتح هذا الطريق من قبل النظام أمام الإدارة الذاتية سيكون مقابل تنازلات سياسية، وقد تلقى هذه الضغوط (غير العسكرية) رضى أمريكي ضمني للضغط على وحدات حماية الشعب، حيث ترغب واشنطن بإبقاء الضغط على الوحدات من أجل دفعها لفك الارتباط مع حزب العمال الكردستاني، والقبول بشركاء فعليين في إدارة المناطق الكردية.

2. انتهاء الوجود الأمريكي

في هذا السيناريو تنهي الولايات المتحدة وجودها العسكري في سورية بمجرد القضاء على تنظيم الدولة، وبالتالي ستكون المناطق الكردية خالية من القواعد الأمريكية التي توفّر الحماية ضمناً من أي هجمات تركية.

ويعتقد أن مناطق ريف عفرين ومناطق الشهباء وتل أبيض ستكون أول المناطق التي سيتم استهدافها من قبل تركيا والفصائل المؤيدة لها، لما لها من موقع استراتيجي يفصل بين المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، ومن المرجح في هذا السيناريو أن تُسيطر تركيا بسرعة على مناطق من ريف عفرين ومعظم مناطق الشهباء بالإضافة إلى تل أبيض.

وإن تمكنت تركيا من تحقيق ذلك، فإن منطقتي كوباني والجزيرة لن تكون بمعزل عن هجمات تركية، إلاّ أنّ حدتها وقوتها لن تكون كما هي في المناطق السابقة.

إلا أنّ حظوظ هذا السيناريو قليلة لأسباب أهمها:

• من الواضح أن بعض القواعد العسكرية الأمريكية تحمل صفات غير مؤقتة من حيث تجهيزها ومساحة الأرض التي خصصت لها، وقد تم شراء الأراضي من أصحابها عبر الإدارة الذاتية، مثل قاعدة خراب عشك القريبة من كوباني .

• يتطلب الدخول التركي إلى هذه المناطق توافقاً مع واشنطن، ولا يرتبط هذا التوافق بالوجود الأمريكي المباشر، رغم أهميته، وستسعى أنقرة للمحافظة على الحدود الدنيا من الرغبات الأمريكية في المنطقة.

عموماً في جميع السيناريوهات يبدو أن محاولة تركيا الفصل بين مقاطعتي/كانتوني كوباني والجزيرة لن تلقى ترحيباً أمريكياً، لأنّ بقاء المنطقتين متصلتان يرتبط بالمصالح الأمريكية في مناطق نفوذها بسورية. إلا أنّ الضغط بطرق عدة على حزب الاتحاد الديمقراطي لتغيير سياساته قد يلقى قبولاً امريكياً ليغير الحزب من بعض سياساته المتشددة تجاه دول الجوار، والقوى المحلية.

فيدرالية شمال سورية

مرّ أكثر من خمسة عشر شهراً على إعلان مشروع الفيدرالية في مؤتمر الرميلان الأول في آذار/مارس 2016، والمؤتمر الثاني الذي أزيل فيه اسم “روج آفا” وأبقت على الشمال السوري فقط في كانون الثاني/ديسمبر 2016، ومازال المشروع حتى اللحظة (حبراً على ورق) باستثناء بعض المجالس التي تم تأسيسها والتي لا تملك سلطة على الأرض، وكانت مهمتها تحضير الأرضية المناسبة لتطبيق المشروع عملياً في مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب. ومن هذه المجالس: “المجلس التأسيسي للنظام الاتحادي الديمقراطي لشمال سورية” (برئاسة منصور السلوم وهدية يوسف)، و”المجلس التنفيذي للنظام الاتحادي الديمقراطي لشمال سورية” (برئاسة فوزا يوسف، وسنحريب برصوم)، ومنهما تنبثق عدة لجان مختصة بالتقسيمات الإدارية والعلاقات الخارجية، والنشاطات الاجتماعية، إلا أنّ هذه اللجان مع أنّها أنهت ما أوكِّل إليها نظرياً ، إلا أنّ تطبيق المشروع الفدرالي لم يتقدم خطوة واحدة عملياً على أرض الواقع، وبقي أسير الأوراق واجتماعات تلك اللجان حتى اليوم.

السيناريوهات المحتملة 

يبدو تأسيس فدرالية تضم جميع المناطق الكردية (الجزيرة، كوباني، عفرين) مشروعاً صعب التحقّق إذا تمكّنت تركيا من التدخل عسكرياً في مناطق الشهباء وريف عفرين، بحيث تفصل بين المنطقتين الأساسيتين وتعزل عفرين. ولعل هذا ما دفع القائمين على مشروع الفدرالية إلى تأخير تطبيقه عملياً على الأرض.

إلا أن مشروع الفيدرالية يمكن أن يظهر بصور أخرى، وتالياً هي أهم سيناريوهاته:

1) الفيدرالية الجغرافية

تظهر الفيدرالية في هذا السيناريو على شكل إقليم جغرافي وليس قومي، بما يتماهى مع مشاريع الأقاليم التي تنتجها اتفاقيات وقف التصعيد في بقية أنحاء سورية.

ويمكن أن يضم الإقليم الجغرافي محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، إلا أن هذا المشروع سيواجه الكثير من المعيقات، أهمها العلاقة بين المكونات العربية والكردية والأقليات الأخرى في الإقليم، والوجود العسكري والسياسي للنظام في قلب الحسكة ودير الزور.

كما يمكن أن يشمل الإقليم الجغرافي في تصور آخر محافظتي الرقة والحسكة فقط، فيما تبقى دير الزور إقليماً منفصلاً، نظراً لاختلاف معطياتها السياسية والجغرافية. وربما يفضل حزب الاتحاد الديموقراطي هذا السيناريو، حيث ستكون له غلبة أكبر في التمثيل الشعبي، وسيكون أكثر قدرة على فرض نفوذه العسكري والسياسي.

لكن الأرجح أنّ الرقة لن تكون مستقبلاً ضمن مناطق فدرالية الشمال السوري، وأنها ستحصل على وضع خاص يكون فيه للعرب سلطة فعلية، وربما يكون هذا هو السبب الذي منع دخول الرقة في مشروع الفدرالية التي تم إعلانها من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي وحلفائه، كما أنّ إدراج الرقة ضمن مناطق تشملها الفدرالية تستلزم موافقة أمريكية أيضاً، وهو أمر غير وارد حالياً.

2) فيدرالية الجزيرة وكوباني

يتم تنفيذ فيدرالية كردية في المناطق التي يُسيطر حزب الاتحاد الديمقراطي في الجزيرة وكوباني. وسيصر الكرد حينها على أن تكون المنطقة الممتدة من ديرك/المالكية شرقاً حتى كوباني/عين العرب غرباً، بما فيها تل أبيض، ضمن مناطق فدراليتهم.

وربما يمثّل هذا التصور مفهوم الفيدرالية الجغرافية التي أقرّها العقد الاجتماعي للنظام الاتحادي الديمقراطي لشمال سوري، والذي ذكر أن” الفيدرالية الديمقراطية لشمال سورية متأسسة على مفهوم جغرافي ولا مركزية سياسية وإدارية، وهي جزء من الفيدرالية الديمقراطية السورية الموحدة “، حيث تضم هذه الفدرالية الجغرافية مناطق الشهباء التي تخطط تركيا لانتزاعها من حزب الاتحاد الديمقراطي وحلفائه، أي المناطق التي تحقق وصل الأجزاء الكردية ببعضها البعض، وليس تقسيماً جغرافياً لا تكون للأكراد في أغلبية عددية مطلقة.

وفي الغالب فإنّ هذا السيناريو لن يتحقق إلا ضمن تسوية سورية شاملة، وهو ما يبدو أنّه سيستغرق وقتاً طويلاً قد يتجاوز السنتين أو أكثر في أقل تقدير.

شنكال/ سنجار 

تتواجد هذه البقعة الجغرافية في إقليم كردستان العراق، ولها أهمية كبيرة عند حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني، فهي نقطة الوصل بين مناطق نفوذه في العراق وسورية، وتشكل ورقة ضغط رابحة يستخدمها الحزب لجلب الدعم الإيراني والروسي، ويمكن أن تزداد أهميتها مستقبلاً في حال انتهاء الدعم الأمريكي بعد معركة الرقة، حيث تمثل سنجار نقطةً تصل طهران بدمشق والبحر المتوسط وبلبنان براً عن طريق ربطها بمناطق يُسيطر عليها الحشد الشعبي في العراق، وهو ما حدث فعلاً عندما وصل الحشد إلى الحدود السورية التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب.

ولذا فإن شنكال/سنجار تشكل المعركة الأهم لتركيا وستؤثر على مجريات الأحداث في المناطق الكردية في سورية، وسيتمكن حزب العمال الكردستاني في حال نجاحه بالاحتفاظ بشنكال/سنجار من الحصول على ميزات من إيران وبالتالي من النظام السوري. ومن أهم هذه الميزات حصول الحزب على مناطق أخرى في القامشلي والحسكة، بالإضافة إلى ميزات اقتصادية، ولا سيما المتعلقة بإنتاج النفط وتكريره وبيعه.

ولكن احتماليات هذا السيناريو ضعيفة جداً بسبب رفض تركي وإقليم كردستان العراق لبقاء شنكال بيد حزب العمال الكردستاني، بالإضافة إلى الرغبة الأمريكية في عدم امتلاك ايران لممرات برية تربطها مع مواقع حزب الله في لبنان.

أما السيناريو الآخر الممكن، فهو أن تقوم تركيا وبدعم أمريكي ودعم إقليم كردستان العراق بعملية عسكرية لطرد حزب العمال الكردستاني من شنكال/سنجار. ومن المرجح أن تؤجّل هذه العملية لما بعد معركتي الموصل والرقة.

وفي حال نجحت تركيا في ذلك، فستكون قد تمكنت من الفصل بين مناطق نفوذ حزب العمال الكردستاني في سورية والعراق، وبالتالي إضعاف الإدارة الذاتية، وإجبارها على تقديم تنازلات لأطراف سورية وأطراف كردية أخرى قد تشاركها في إدارة المناطق الكردية في سورية مثل (المجلس الوطني الكردي في سورية).

يضاف إلى ذلك فإن دعم الولايات المتحدة لعملية عسكرية تركية في شنكال/سنجار سيكون مقابلاً لغض طرف تركيا عن مشاريع أمريكية مشتركة مع الأكراد في سورية.

مصير الحركة السياسية خارج الإدارة الذاتية

من غير المتوقع أن تحظى القوى السياسية الكردية الواقعة خارج الإدارة الذاتية بأي دور فاعل في المناطق الكردية في سورية بعد معركة الرقة بمدة قصيرة، بل من المتوقع أن تتعرض لضغوطات أكبر من قبل حركة المجتمع الديمقراطي ومؤسساته الأمنية، وخاصةً أنّ المجلس مقرب من إقليم كردستان العراق وقيادته المتمثلة بمسعود البرزاني، والتي من المتوقع أن تُقدم دعماً لوجستياً لأي عملية تركية مرتقبة في شنكال/سنجار ضد حزب العمال الكردستاني، مما سيزيد الضغوط على حلفائه من أكراد سورية.

ومن جهة أخرى فالمجلس الوطني الكردي ما زال حتى اللحظة يعاني من مشاكل داخلية تتعلق باتخاذ القرار وتنفيذه؛ والتزام أحزابه بنهج محدد في العمل السياسي ، وهو غير متماسك بما فيه الكفاية ليتمكن من الصمود طويلاً أمام ضغوط شديدة، ولاسيما إن تحوّلت الضغوط إلى أشكال عسكرية وتصفيات جسدية، بالإضافة إلى عدم امتلاكه لقوة عسكرية على الأرض داخل المناطق الكردية في سورية تحميه من ردّات أفعال مناصري حركة المجتمع الديمقراطي ومؤسساته الأمنية.

ولكن سيكون اشراك المجلس الوطني الكردي في حكم المناطق الكردية في سورية هدفاً لإقليم كردستان العراق، وكذلك هدفاً لتركيا، والتي لا تريد أن يستأثر حزب الاتحاد الديمقراطي بحكم المناطق الكردية في سورية، واستخدام تلك المناطق كخزان بشري يمدها بالمقاتلين.

وقد تسعى الولايات المتحدة لنفس الهدف بعد معركة الرقة، وذلك ارضاءً لحلفائها (تركيا، اقليم كردستان العراق)، لتمنع تغلغل حزب العمال الكردستاني بشكل كبير في هذه المناطق.

النظام السوري في المناطق الكردية 

يعتبر مستقبل النظام في المناطق الكردية في سورية المعضلة الأكبر في المستقبل، فالنظام الذي بدأ يفقد قوته تدريجياً في المناطق الكردية في سورية بات اليوم ضعيفاً بشكل لا يمكنه استعادة ما خسره، أو ما سلّمه لوحدات حماية الشعب خلال السنوات السابقة، وفي نفس الوقت يبدو أنّه سيستميت في الدفاع عن ما تبقى بيده من الأحياء في مدينتي الحسكة والقامشلي بالإضافة إلى مطار القامشلي، ومن غير المتوقع أن تقوم الإدارة الذاتية بمحاولة السيطرة على الأحياء التي يسيطر عليها النظام لأنّ حجم المكاسب التي تحصل عليها مقابل هذا الوجود المحدود يفوق المخاسر التي سيتسبب بها إخراجه منها.
ويحكم وجود النظام السوري في المناطق الكردية مستقبلاً عدد من السيناريوهات. أهمها:

1) التخلي الكامل

يتخلى النظام في هذا السيناريو عن تلك المناطق لصالح وحدات حماية الشعب بشكل سلمي، أو عن طريق اشتباكات تأخذ طابعاً عنيفاً.

ويرتبط هذا السيناريو بمحدد رئيسي يتمثّل بالتوافق مع إيران على منحها ممراً إلى البحر عن طريق وصل منطقة شنكال/سنجار مع مناطق الإدارة الذاتية ومنها إلى مناطق النظام، بمقابل حصول وحدات حماية الشعب على السيطرة الكاملة على ما تبقى من الحسكة.

ويعتقد أن فرص نجاح هذا السيناريو محدودة للغاية، حيث لا يتوقع أن تدخل إيران في مواجهة بهذا الحجم مع تركيا، بل على العكس فإنّ فرص توافقٍ تركي-إيراني لاستهداف المناطق الكردية بشكل مشترك يبدو أعلى احتمالاً.
كما أن الولايات المتحدة لن توافق في الغالب على هذا السيناريو أيضاً، لما يمنحه من مكاسب حيوية لإيران، ولمشروعها في سورية والمنطقة.

كما أن إيران نفسها تسعى لتوفير هذا الطريق عبر منطقة البادية، وعبر توافقات مع روسيا والولايات المتحدة، وإذا تحقق لها ذلك فإنّها لن تكون بحاجة لطريق سنجار.

2) الهدنة المفتوحة 

سيكون مصير النظام في المناطق الكردية مرتبطاً بالتسوية السورية عامةً، وسيبقى النظام موجوداً في هذه المناطق، وفي حالة هدنة مفتوحة مع وحدات حماية الشعب لمدى طويل، حتى تتفق جميع الأطراف السورية على تسوية سياسية كاملة، وهو ما يتوقع أن يستغرق عدّة سنوات، وبعدها يتم التفاوض بين إدارة المناطق الكردية وحكومة دمشق على شكل العلاقة بين الطرفين، وربما يتم التوصل إلى شكل مشابه للنموذج العراقي وقتها.

ويبدو هذا السيناريو أكثر احتمالية من غيره، ولا توجد حتى الآن بوادر أزمة حقيقية بين الطرفين، وما زالت مؤسسات النظام الخدمية تمارس عملها في معظم المدن الكردية في محافظة الحسكة، وما زال النظام يقوم بصرف الرواتب لآلاف الموظفين الذي يداومون في مؤسساته الموجودة في مناطق الإدارة الذاتية.

الخلاصة 

من خلال ملاحظة معظم السيناريوهات المحتملة في المناطق الكردية في سورية يبدو أنّ الخارطة الجغرافية الحالية لن تبقى كما هي، ولا سيما في ريف عفرين، ومناطق الشهباء حيث سيتم –غالباً– انتزاع مناطق من وحدات حماية الشعب وعزل عفرين عن مناطق الشهباء ومناطق سيطرة النظام.

أما بالنسبة لمنطقتي الجزيرة وكوباني فلن تتغير الخارطة الجغرافية كثيراً، مع احتمال كبير لتغير الخارطة السياسية؛ وخاصة من حيث مشاركة أطراف كردية أخرى في إدارة المنطقة مع إعطاء العرب في مناطقهم (تل أبيض، ومناطق في جنوب الحسكة) صلاحيات أكبر في الإدارة، وكل هذا بضغط أمريكي وتركي.

أما بالنسبة للرقة وريفها فالسيناريو الأكثر احتمالاً هو أن تكون لها إدارة خاصة تملك صلاحيات كبيرة دون الرضوخ لضغوط وتحكم من قبل وحدات حماية الشعب. وسيكون هذا السيناريو بدعم من الولايات المتحدة، والتي لا تريد عودة تنظيم الدولة كرد فعل على تصرفات وحدات حماية الشعب، أو حكم المنطقة من قبل مجموعات غريبة عنها قومياً.

أما المشروع الفدرالي فهو مازال حتى اليوم (حبراً على ورق)، وإن تحقق فسيكون ضمن تسوية سورية شاملة، ولكن من المستبعد كثيراً أن تكون هناك فدرالية كردية تضم معظم مناطق الكرد (الجزيرة- كوباني – عفرين) بسبب عدم اتصال تلك المناطق مع بعضها، وكذلك الرفض التركي لمثل هذا المشروع، ومن الواضح عدم وجود دعم أمريكي وروسي أيضاً.

ويواجه المجلس الوطني الكردي والمقربين منه امتحاناً صعباً يختبر قوتهم الفعلية، ولا سيما إن قامت تركيا بمعركة في (شنكال/سنجار) ودعمها في ذلك إقليم كردستان العراق، حيث سيتعرّض أنصار المجلس في المناطق الكردية في سورية لضغوطات أمنية كما حصل بعد حادثة (خانه صور) في شهر آذار/مارس 2017 عندما اشتبكت (بيشمركة روج آفا) المقربة من المجلس مع (وحدات حماية شنكال) المقربة من حزب العمال الكردستاني، فتعرض أنصار المجلس لحملة اعتقالات، وتم إغلاق معظم مكاتب الأحزاب التابعة له في المناطق الكردية في سورية.
لكن المجلس يمتلك فرصاً على المدى المتوسط والبعيد للحضور في الحل السياسي، إذا ما استطاع تجاوز أزماته البنيوية

والتنظيمية، فهو يمتلك قاعدة جماهيرية جيدة، ولديه حلفاء أقوياء في المنطقة، وخاصة إقليم كردستان العراق وتركيا.
وسيحافظ النظام السوري على مناطق سيطرته في مدينتي الحسكة والقامشلي، ومن المستبعد أن يُسلّم النظام مقراته لوحدات حماية الشعب، أو أن تنزعها وحدات حماية الشعب بالقوة.

المراجع:

1- تخريج أول دورة لقوى الأمن الداخلي في الرقة، وكالة هوار، 23/5/2017

2- بيان، المجلس العسكري لمنبج وريفها، 2/3/2017

3- بحسب سكان محليين في منطقة كوباني فإنّ مساحة القاعدة الأمريكية في خراب عشك كبيرة، وتم تجهيزها وصرف الكثير من الأموال عليها، وتم الانتهاء منها حديثاً.
4- اصدار القوانين الخاصة لانتخابات مجالس فدرالية شمال سوريا، الموقع الرسمي للمجلس التأسيسي للنظام الاتحادي الديمقراطي لروج آفا- شمال سوريا، 16/1/2017
وانظر أيضاً: المجلس التنفيذي والرئاسة المشتركة للفدرالية يناقشان مسودة القانون الإنتخابي والتقسيمات الإدارية، الموقع الرسمي للمجلس التأسيسي للنظام الاتحادي الديمقراطي لروج آفا- شمال سوريا، 28/3/2017

5- العقد الاجتماعي للفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا، الموقع الرسمي للمجلس التأسيسي للنظام الاتحادي الديمقراطي لروج آفا –شمال سوريا، 5/1/2017

6- توجد ضمن المجلس الوطني الكردي خلافات متعلقة بالصراع على قيادة المجلس وتحكم الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا بالقرار ضمنه، مما يُفقد الكثير من الأحزاب الأخرى الصلاحية في عرض أفكارها وآرائها، ولاسيما حزب يكيتي الكردي في سوريا الذي يحظى بشعبية جيدة في المناطق الكردية سورية.

  • تقدير موقف صادر عن وحدة الدراسات في مركز جسور للدراسات
المصدرمركز جسور للدراسات
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة