ناشط جداً .. كثيراً !

ساري الساري7 أبريل 2016آخر تحديث :
ناشط جداً .. كثيراً !

ساري الساري

  • ساري الساري

بعد انتفاضة آذار 2011 في سوريا ظهرت مهنة جديدة بعض الشيء على المهن المعروفة في بلدنا، وهي مهنة ” ناشط ” استحدثتها الظروف التي تمر بها البلاد منذ أكثر من 5 سنوات.
بدأت هذه المهنة عندما اكتشف البعض أن هناك قطاعاً جديداً اسمه العمل المدني والإعلام الحر، قطاعان كانا تحت قبضة الأمن والمخابرات التي كانت تلاحق وتعتقل كل من يعمل في هذا المجال، فالأجهزة الأمنية لا ترى حاجة لهذه النشاط، فعندها مبدأ أسدي راسخ يقول: “الإنسان هو غاية الحياة هو منطلق الحياة” حسب تعاليم القائد ـ الخالد رغم موته – وحزبه الممانع والمقاوم الذي لم يترك حقاً من حقوق الإنسان إلا وأرداه صريعاً، وسبب الرعب والقلق والخوف لدى السوريين, والسوريات، من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري دون محاكمة بسبب القوانين التي تجيز اعتقال أي شخص ومنها قانون الطوارئ الذي كان مفروضاً على البلاد منذ عام 1962 – استبدل لاحقاً بقانون مكافحة الإرهاب – والقانون 49 الذي يقضي باعتقال وإعدام أي شخص “يشتبه” بانتمائه لجماعة الأخوان المسلمين، كل هذه الأسباب دفعت الشباب السوري إلى عدم الدخول في هذه التجربة باستثناء بعض من كان لديه الشجاعة للعمل وخوض غمار هذه “المهنة” المميتة.

ومع انطلاق الثورة وتطور وسائل وتقنيات الاتصال أصبح هذا الفضاء متاحاً أمام الجميع، فامتلأت الأرض بالناشطين، حتى لتكاد تتعثر في كل خطوة بناشط إعلامي وعسكري وإغاثي، ويصنف من نوع الناشط “جداً” وتسمع كثيراً عن ناشط سياسي وحقوقي ومدني ويصنف بالنوع الناشط  “كثيراً”، وتشاهد وتسمع عن ناشط إعلامي وعسكري وإغاثي وسياسي وحقوقي ومدني وطبي وهو من نوع ناشط “لاحول ولا قوة إلا بالله” !

كيف يصبح الشخص ناشطاً؟

يأتي الشخص إلى اسطنبول أو عينتاب في تركيا ويحضر ورشة عمل 3 أيام يحصل من خلالها على شهادة ناشط من إحدى المنظمات أو مندوبي سفارات الدول ويبدأ بممارسة “نشاطه” حسب الدورة التي خضع لها هذا “الناشط “، وفقط، فالأمر لا يحتاج أكثر من هذا خبرة ومعرفة وتجربة!

إن اندفاع الشباب لتحمل مسؤولية الشأن العام والتضحية في سبيل حرية وكرامة الإنسان السوري أمر يفخر به المرء، ويسجل كدليل حيوية وعي جيل نشأ وتربى تحت سلطة قامعة، ولكن فوضى عارمة رافقت هذا التفاعل الشبابي الجدي والإيجابي مع أنشطة الثورة، فوضى كرست صورة مشوهة وضارة للغاية بمسار ثورتنا، حيث استسهل الكثير من الشباب – بعضهم تجاوز عمره الخمسينات – العمل الحقوقي والإعلامي والإغاثي، وبعضهم اعتبره “باب رزق” وما زاد الطين بلة أن الكثير من هؤلاء فرضوا أنفسهم أو جرى فرضهم على الواجهة “الثورية” وبالمحصلة خدم حضورهم وخطابهم  -من حيث يدرون أو لا يدرون- ادعاءات النظام في كثير من الأحيان، فبينما كان النظام وجهازه الإعلامي المضلل يتهم ثورتنا بالطائفية تشاهد أحد الناشطين “جداً” يتحدث عن قصف أحياء الشبيحة وتدمير دبابة “نصيرية” ويتفاخر بقتل مدنيين بحجة أنهم موالون للنظام، ما يعزز الطرح القائل أن هذا الخطاب يدعمه متشددون وطائفيون متحكمون بالقرار “الثوري”، أوتسمع وتشاهد أحد الناشطين “كثيراً” على الهواء مباشرة وهو يسب ويشتم طائفة أو قومية أخرى ويبرر سياسة الاجتثاث وإلغاء الآخر، في إثبات دامغ للعالم الغارق أصلاً في لا مبالاته بنكبة شعبنا أن ما يحصل في سوريا هو اقتتال طائفي وليس ثورة شعب قامت ضد الديكتاتورية والاستبداد، وبينما تحاول تفهم حماس الشباب واندفاعاتهم العفوية وهفواتهم غير المقصودة، يفجعك سماع  ناشط “حقوق إنسان” يعمل في مجال توثيق انتهاكات تنظيم “داعش” يسوق المبررات المخزية لجرائم التطهير والتهجير من قبل بعض الجماعات بحق جماعات أخرى تحت غطاء “الشرعية الثورية” أو”الظلم التاريخي” الذي لحق بجماعته العرقية أو الدينية، وهذا الناشط من النوع الذي لا تجد له تسمية إلا “لا حول ولا قوة إلا بالله”.

لا شك أن الحرب تعبث بمنظومة التفكير البشري وتدفعه لارتكاب الهفوات، لكن الخطايا ليست مجرد هفوات بأي حال من الأحوال، والإنسانية كلٌ لا يتجزأ، وصاحب القضية يجب أن يدافع عن قضيته وهو مؤمن بها وبجدارتها كحق، حق قائم بذاته يستند للوعي والأخلاق ولا يسعى لنيل الرضا شعبياً بإثارة الغرائز واللعب على حبال المخاوف والعصبيات، وهكذا فقط يكون جديراً بحمل الأمانة وتحمل هذه المسؤولية.

وإذا كانت الثورة فعلاً ينشد تحقيق العدل والكرامة للناس، فإن من أولى اشتراطات أن يكون الإنسان ثائراً و “ناشطاً ثورياً” أن يؤمن بحقوق الإنسان، على أنها حقوق متأصلة في وجدان جميع البشر، مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم، أو نوع جنسهم، أو أصلهم الوطني أو العرقي، أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر، وأن لنا جميعاً دون استثناء الحق في الحصول على حقوقنا الإنسانية على قدم المساواة وبدون تمييز. وجميع هذه الحقوق مترابطة ومتآزرة وغير قابلة للتجزئة سواء كانت حقوقا مدنية وسياسية، مثل الحق في الحياة، وفي المساواة أمام القانون وفي حرية التعبير؛ أو اقتصادية واجتماعية وثقافية، مثل الحق في العمل والضمان الاجتماعي والتعليم؛ أو حقوقا جماعية مثل الحق في التنمية وفي تقرير المصير، فهي حقوق غير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتآزرة. ومن شأن تحسين أحد الحقوق أن ييسر الارتقاء بالحقوق الأخرى. وبالمثل، فإن الحرمان من أحد الحقوق يؤثر بشكل سلبي على الحقوق الأخرى.
فهل كرست الثورة بعد مضي أكثر من خمس سنوات هذه القيم في قناعات “ناشطينا” وشعبنا بشكل عام؟
آمل أننا لا نحتاج وقتاً طويلاً آخر لتعزيز هذه المفاهيم التي أقل ما يمكن وصفها بالأساسية وأن نعمل بكل طاقاتنا لإزالة ما خلفه نظام البعث في عقولنا من أنماط تفكير واعتقادات سلبية طوال أربعة عقود حكمنا فيها بالحديد والنار!

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل