مستقبل اليمن… رهن مصير إيران!

خيرالله خيرالله8 نوفمبر 2026آخر تحديث :
مستقبل اليمن… رهن مصير إيران!

أكثر من أي وقت يغرق اليمن في أزماته، خصوصا مع فقدان “الشرعيّة” سيطرتها على مدينة تعز في وسط البلاد. ليس ما يشير إلى أنّ “الشرعيّة” في اليمن تمتلك ما يكفي من القدرات العسكرية لدحر الحوثيين (جماعة انصار الله) وخوض معركة معهم في صنعاء. بدل محاصرة صنعاء، صارت تعز محاصرة. من ينظر إلى الخريطة اليمنية ويتمعن في تفاصيلها يكتشف الأهمّية الإستراتيجية لمدينة ذات كثافة سكانية كبيرة وموقع إستراتيجي مهمّ على صعد عدة. يشمل ذلك طبيعة العلاقة التاريخية لتعز بعدن ومينائها الذي كان في مرحلة معيّنة، قبل حرب 1967، ثالث أهم ميناء في العالم.

المخيف في الأمر أنّ الوضع اليمني الذي يشكل تهديدا لكل دولة خليجية بات مرتبطا بـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران ومستقبل النظام فيها. لن يتغيّر شيء في اليمن نحو الأفضل ما دام لم يتغيّر شيء في إيران. سيتوقف الكثير على ما إذا كان في نية الولايات المتحدة توجيه ضربة “قاصمة” لإيران. ستكون الأيام المقبلة في غاية الأهمّية إذ ستسمح بمعرفة ما إذا كانت إدارة دونالد ترامب ستعقد صفقة مع إيران أم ستخوض حربا جديدة معها.

يربط المقال مستقبل اليمن بمصير إيران، معتبراً أن أي تحول يمني جوهري يمر أولاً عبر تغيير إقليمي أوسع.

على هامش المعركة الدائرة في تعز، وهي معركة تخوضها إيران في اليمن بغية تأكيد سيطرتها على البلد، لا بدّ من ملاحظة تقدّم “جماعة انصار الله” في كلّ أنحاء المحافظة ووصولهم إلى المقاطرة التي لا تبعد أكثر من 80 كيلومترا من عدن. من يعرف طبيعة الأرض في المنطقة التي تفصل بين تعز وعدن يعرف أنّ وجود الحوثيين في تعز والمنطقة المحيطة بها يفتح أمام هؤلاء أبواب عدن عاصمة الجنوب اليمني.

اللافت أنّ الحوثيين، في موازاة تقدّمهم على الأرض، يستمرون في الاعتداء على المملكة العربيّة السعودية التي سعت في الماضي إلى تسوية سياسية في اليمن تشمل هؤلاء.

لا يجوز الإستخفاف بما يدور في اليمن في الوقت الحاضر، خصوصا منذ دخل الحوثيون مدينة المخا قبل بضعة أسابيع وانسحاب القوات التي كانت بقيادة طارق محمد عبدالله صالح منها. كانت تلك قوات مدعومة إماراتيا لم تلق الدعم الكافي من قوات أخرى تابعة لـ”الشرعية” كانت في الجبال المطلة على المخا. استفاقت فجأة كل الحساسيات اليمنية – اليمنية، بما في ذلك عداء الإخوان المسلمين، الذين كان يفترض بهم نجدة القوات التابعة لطارق صالح في المخا. امتنعت ميليشيات الإخوان عن توفير غطاء لقوات يفترض أن تكون تابعة لـ”الشرعية” كانت تسيطر على المخا.

تكشف معركة تعز هشاشة موازين القوى، فيما يثير تقدم الحوثيين مخاوف متزايدة على مستقبل عدن والجنوب.

يتمثّل الواقع القائم على الأرض في عجز “الشرعيّة” عن إعادة تنظيم نفسها على كلّ المستويات، بما في ذلك عسكريا وذلك منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي في 2022. توجد، في كلّ وقت حاجة إلى التذكير بأنّ الحوثيين في اليمن وضعوا يدهم على صنعاء في 21 أيلول – سبتمبر 2014. لم تستطع “الشرعيّة” يوما التقدّم قيد أنملة في اتجاه صنعاء. لولا الجهود التي بذلتها قوة إقليمية معيّنة في مرحلة ما بعد سقوط صنعاء، لكان الحوثيون ما زالوا في عدن. أُخرج الحوثيون من عدن، مثلما أخرجوا من ميناء المخا. لكن عودتهم إلى عدن باتت مطروحة، علما أنّ الخطة الإيرانية تقوم في الوقت الحاضر على عدم استفزاز الجنوبيين والبقاء داخل الحدود التي كانت تفصل بين الشمال والجنوب في مرحلة ما قبل الوحدة في 1990.

 ستسمح نتائج معركة تعز بمعرفة هل ينوي الحوثيون توسيع الرقعة الجغرافية التي يسيطرون عليها في اتجاه الجنوب… أم أنّ همهم الأساسي التحكم بمضيق باب المندب تنفيذا لإستراتيجية إيرانيّة تربط بين باب المندب ومضيق هرمز.

في كلّ الأحوال، يستحيل تجاهل الحاجة إلى إعادة اللحمة إلى صفوف “الشرعيّة” بغية إعادة الحياة إليها. هذا ليس ممكنا من دون نوع من التوافق الإقليمي يأخذ في الاعتبار الدور السلبي الذي لعبه الإخوان المسلمون، عن طريق ميليشياتهم، في دعم الحوثيين مباشرة أو غير مباشرة.

يبقى سؤال في غاية الأهمّية يفرض نفسه بعدما صار الحوثيون في  تعز وباتوا يهددون المدينة كلّها وما يحيط بها من جبال. هذا السؤال مرتبط بمدى قدرة هؤلاء على إدارة دولة حديثة في منطقة تمرّ بمرحلة في غاية الحساسيّة. ليس ما يدلّ على قدرة الحوثيين على إدارة مؤسسات الدولة. لا مشروع اقتصاديا لديهم ولا مشروع تنمية، لا برامج تربوية غير إعداد المراهق للانتحار خدمة للمشروع التوسعي الإيراني الذي ليس ما يشير إلى أنّ لديه أي مستقبل.

لا تقتصر الأزمة على الجغرافيا العسكرية، بل تشمل عجز الشرعية عن التوحد وإعادة بناء مؤسساتها السياسية والعسكرية.

أمّا السؤال الأهمّ فهو ذلك الذي يتعلق بمستقبل اليمن وما إذا كان في الإمكان إعادة تركيب بلد تشظّى. لا يمكن الهرب من واقع يتمثل في أن الوحدة اليمنية انتهت. انتهى أيضا الحلم بعودة دولة الجنوب يوما. انهارت هذه الدولة منذ ما قبل قيام الوحدة في أيار – مايو من العام 1990. أظهرت التجربة التي مرّ بها الجنوب اليمني منذ استقلاله في العام 1967 أنّ البلد غير قابل للحياة. بين 1967 والوحدة في 1990، شهد جنوب اليمن سلسلة من الحروب الداخلية انتهت بالوصول إلى الوحدة مع الشمال، وهي وحدة انتهت بدورها مع خروج علي عبدالله صالح من السلطة في شباط – فبراير 2012.

 يوما ما سيكون ضروريا الحديث عن مستقبل اليمن… لكن هذا الحديث لن يكون ذا فائدة تذكر ما دام ليس معروفا هل قررت أميركا خوض حرب أخرى مع إيران تضعها في مكانها الصحيح.

في نهاية المطاف، لن يتغيّر الوضع في اليمن من دون تغيير في إيران نفسها بعدما تبيّن أن لا قدرة لدى اليمنيين على مواجهة تنظيم مؤدلج لا يتورّع عن إرسال مراهقين إلى الموت بغية خدمة المشروع الإيراني في المنطقة!

المصدر العرب
اترك تعليق

عاجل