الخبرة المستقلة والرقابة البرلمانية في سوريا

فضل عبد الغني6 نوفمبر 2026آخر تحديث :
الخبرة المستقلة والرقابة البرلمانية في سوريا
فضل عبد الغني المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان

يستطيع الوزراء الإجابة عن جميع الأسئلة التي يطرحها البرلمان، ومع ذلك يظل أداؤه بمنأى عن رقابة فعلية. فقد تبدو الإجابات مستوفاة من الناحية الشكلية، لكن يتعذر التحقق من صحتها، وقد تكون الأرقام دقيقة في ذاتها، لكنَّها منتقاة بطريقة تحجب أوجه الإخفاق. ولا تكمن المشكلة في مثل هذه الحالات في محدودية صلاحيات البرلمان بقدر ما تكمن في افتقاره إلى أساس مستقل يستطيع من خلاله تقييم ما يُقدَّم إليه من معلومات. فإذا كانت السجلات التفصيلية الوحيدة عن أداء الوزارة هي تلك التي أعدّتها الوزارة نفسها، فإنَّ جلسة الاستماع تصبح اختبارًا لقدرة الوزير على الإجابة بثبات وثقة، أكثر مما تكون وسيلة للتحقق من صحة ما يقوله.

فالرقابة البرلمانية هي اختصاص قانوني، وهي قدرة مؤسسية أيضًا. إذ تمنح النصوص الدستورية البرلمان صلاحيات طلب الوثائق، وعقد جلسات الاستماع، وإقرار الموازنات، لكنها لا تتناول بالقدر نفسه الكوادر البشرية والمعرفة الفنية وإمكانية الوصول إلى المعلومات اللازمة لممارسة هذه الصلاحيات. فاللجنة البرلمانية التي تتلقى مئات الصفحات من سجلات الإنفاق، دون أن تمتلك الأدوات اللازمة لتحليلها، تكون قد حصلت على المعلومات من الناحية الشكلية، لكنها تظل معتمدة على الجهة التي قدمتها من الناحية الموضوعية. وهكذا، يمكن أن يترافق الالتزام بالإجراءات القانونية مع ضعف الرقابة الفعلية، ولا يمكن الحكم على قوة البرلمان استنادًا إلى الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور وحدها.

من الصلاحية إلى القدرة: شروط الرقابة القائمة على الأدلة

وتتمثل المشكلة الأساسية في عدم التكافؤ المعلوماتي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالوزارات هي التي تصمّم البرامج، وتحتفظ بالسجلات الإدارية، وغالبًا ما تكلّف جهات بإجراء تقييمات لأدائها. وعندما يعتمد البرلمان على هذه المواد وحدها، فإنَّه يميل إلى تبنّي تعريف الحكومة للمشكلة، والمؤشرات التي تعتمدها لقياس الأداء، وروايتها عن مدى نجاح سياساتها. فقد تعلن وزارة، استنادًا إلى بيانات صحيحة، أنَّ الإنفاق على خدمة معينة قد ارتفع، بينما يطرح تقييم مستقل سؤالًا مختلفًا: هل تحسّن مستوى الخدمة المقدمة فعلًا؟ وقد تكون النتيجتان صحيحتين، لكن كل واحدة منهما تقيس أمرًا مختلفًا. ولا تعني الاستقلالية هنا بالضرورة أن تأتي المعلومات من خارج مؤسسات الدولة؛ إذ يمكن لجهاز البحوث البرلمانية، أو هيئة مستقلة للتدقيق، أو السجلات الإدارية التي يحصل عليها البرلمان وفقًا للقانون، أن تؤدي هذا الدور، إلى جانب الجامعات والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني المتخصصة. والمعيار الأساسي هنا أن يمتلك البرلمان القدرة على اختبار ادعاءات الوزارات دون الاعتماد الحصري عليها، ودون أن يفترض مسبقًا صحة المعلومات الحكومية أو تلك المقدمة من جهات خارجية.

ومن الضروري التمييز بين الخبرة والأدلة؛ إذ لا يكفي توافر أيٍّ منهما لتحقيق مساءلة فعلية. فقد يمتلك مركز بحثي بيانات موثوقة، لكنه يفتقر إلى المعرفة اللازمة لتحديد القرارات الوزارية التي ينبغي إخضاعها للفحص استنادًا إليها. وقد يكشف اختلاف أرقام الإنفاق المعلنة عن خطأ، أو تباين في المعايير المحاسبية، أو إساءة استخدام الأموال، لكنه لا يثبت بمفرده أيًّا من هذه الاحتمالات. وتُظهر الأدبيات البحثية مدى سهولة تجاوز مرحلة التقييم النقدي للأدلة. فقد خلصت مراجعة منهجية أجراها ماتيو أويميه وزملاؤه بشأن استخدام البحوث في المؤسسات التشريعية إلى أنَّ الاستخدام الرمزي أو التكتيكي للبحوث كان النمط الأكثر رصدًا. كما حددت وجود كوادر بحثية متخصصة لدى اللجان البرلمانية بوصفه عاملًا يساعد على الاستفادة من الأدلة، في حين يشكّل عدم توافر المعلومات في الوقت المناسب عائقًا أمام ذلك. وأظهرت دراسة أجراها مارك غيديس عن لجان مجلس العموم البريطاني أنَّ المشاركين فيها من النواب والموظفين البرلمانيين أولوا أهمية كبيرة لتحقيق التوازن بين الأشخاص الذين يُستمع إلى شهاداتهم، غير أنَّ هذا المعيار يختلف عن معيار جودة الأدلة التي يقدمونها.

ولذلك، فإنَّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل المؤسسة البرلمانية قبل الاستعانة بالجهات الخارجية. فاللجنة التي تلجأ إلى مستشارين خارجيين في كل مسألة فنية قد لا تفعل أكثر من نقل اعتمادها من السلطة التنفيذية إلى المنظمات التي تختار دعوتها. أما إنشاء جهاز بحثي دائم، يضم كوادر مهنية متخصصة ويخدم أعضاء المجلس على اختلاف توجهاتهم السياسية، فيتيح للبرلمان مقارنة المصادر، واكتشاف ما أغفلته المعلومات المقدمة إليه، وبناء معرفة مؤسسية تراكمية بمجالات السياسات العامة. وتكون الخبرة الخارجية أكثر فائدة عندما يستطيع البرلمان تكليف الجهات المتخصصة بمهام محددة بدقة، وتقييم ما تقدمه من نتائج بصورة مستقلة.

ويثير اختيار المشاركين في جلسات الاستماع إشكالية أخرى. فالكفاءة الفنية لا تمنح صاحبها تفويضًا للتحدث باسم جماعة أو فئة اجتماعية معينة، كما أنَّ التجربة المباشرة توفر أدلة لا يمكن للتحليل المتخصص أن يحل محلها. فقد تحتاج جلسة استماع تتناول ظروف الاحتجاز إلى خبراء قانونيين وطبيين، إلى جانب شهادات أشخاص سبق احتجازهم. ومع ذلك، يظل إشراك مختلف الأطراف أمرًا مستقلًا عن موثوقية الأدلة المقدمة. فالاستماع إلى طيف واسع من المشاركين يعزز الشرعية الإجرائية، أما تحديد ما تثبته شهاداتهم وأدلتهم فهو مهمة تحليلية مستقلة، ولا يعني تنوع المشاركين وجوب منح جميع الادعاءات الوزن الإثباتي نفسه. كذلك، فإنَّ اشتراط التجرد التام من المصالح ليس معيارًا واقعيًا؛ فالمعيار العملي يتمثل في الإفصاح عن المصالح، واعتماد معايير شفافة لاختيار المشاركين، وإخضاع منهجياتهم لتقييم مستقل. وعندما تستند المذكرات أو الإفادات المقدمة إلى معلومات جُمعت من ضحايا وشهود، يجب ألا يتحول تمكين البرلمان من الاطلاع عليها إلى كشف هوياتهم أو إفشاء سجلات سرية تتعلق بهم.

وتتطلب المساءلة أيضًا التمييز بين وظائف كثيرًا ما يجري الخلط بينها. فالرقابة تعني فحص أعمال الحكومة وقراراتها، والالتزام بتقديم التفسيرات يقتضي من المسؤولين توضيح تلك الأعمال والقرارات وتبريرها، أما الاستجابة فتتعلق بمدى استعداد المؤسسات لتصحيح المعلومات أو تعديل ممارساتها، في حين يتمثل الجزاء في النتائج التي يجيز القانون ترتيبها على ما تكشفه المساءلة. وتسهم الأدلة أساسًا في تعزيز الرقابة والقدرة على مطالبة المسؤولين بتقديم التفسيرات، أما تحولها إلى استجابة مؤسسية فيعتمد على تعاون الحكومة، والحوافز السياسية، والصلاحيات المؤسسية، وآليات المتابعة. وقد خلصت دراسة أجراها بنتون وراسل بشأن اللجان البرلمانية المختارة في مجلس العموم البريطاني إلى أنَّ تأثير هذه اللجان معقد وغالبًا ما يكون غير مباشر، ولذلك فإنَّ الاقتصار في قياس أثرها على عدد التوصيات التي وافقت الحكومة على تنفيذها لا يعكس تأثيرها الكامل. ويتمثل أحد مسارات التأثير المحتملة في أنَّ الوزارات تعدّل سلوكها عندما تتوقع إخضاع ادعاءاتها للفحص والتحقق، وهو توقّع يتعزز حين تكون جلسات الاستماع جزءًا من تحقيقات برلمانية مستمرة، لا إجراءات منفصلة تنتهي بانتهاء الجلسة.

الحالة السورية: رقابة بلا جزاءات على قاعدة معلومات غير مكتملة

في سوريا، لهذه الفروق أهمية خاصة في ضوء الإطار الدستوري القائم. فبموجب الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025، تشمل صلاحيات مجلس الشعب عقد جلسات استماع للوزراء وإقرار الموازنة العامة. وفي المقابل، ينفرد رئيس الجمهورية، وفقًا للمادة 35، بتعيين الوزراء وإعفائهم من مناصبهم، من دون أن يكون للمجلس دور في الموافقة على تعيينهم. كما لا يتضمن الإعلان الدستوري آلية برلمانية لمنح الثقة أو سحبها. وعليه، تستطيع جلسات الاستماع أن تفرض على الوزراء واجب تقديم الإجابات والتفسيرات، لكنها لا تمنح المجلس سلطة إيقاع الجزاءات عليهم. وهذا ما يزيد من أهمية الاستناد إلى الأدلة؛ لأنَّ قرارات المجلس التشريعية والمتعلقة بالموازنة، وتوصياته، وأي إحالة لنتائج أعماله إلى الجهات المختصة، تكون أكثر رسوخًا وقابلية للدفاع عنها عندما تستند إلى وقائع ومعلومات جرى التحقق منها.

وتتفاقم هذه الصعوبة في المرحلة الانتقالية السورية لسببين: أولهما افتقار البرلمان إلى المعلومات التي تحتفظ بها السلطة التنفيذية، وثانيهما عدم اكتمال المعلومات المتوافرة لدى السلطة التنفيذية ذاتها. وتوضح الموازنة العامة هاتين المشكلتين. فقد عرضت وزارة المالية موازنة عام 2026 علنًا في نيسان/أبريل، قبل انعقاد مجلس الشعب في تموز/يوليو. وبعد تسمية اللجان الدائمة، صرّح أحد أعضاء المجلس بأنَّ المجلس لم يكن قد اطّلع بعد على تلك الموازنة، ولا على الخطط التشغيلية والتنموية للجهات العامة. وعندما اجتمعت لجنة الموازنة والحسابات مع مديرة الموازنة العامة في وزارة المالية في تشرين الأول/أكتوبر، ناقشت الوضع القانوني لموازنة عام 2026 والإجراءات اللازمة لإقرارها. وأوضحت الوزارة أنَّها تعمل وفق قاعدة الصرف المؤقت على أساس جزء من اثني عشر من الموازنة، كما تحدثت عن الصعوبات التي تعترض إنجاز الحسابات الختامية. وحين تحتفظ الحكومة بمعلومات لا يمتلكها البرلمان، تساعد الخبرة المستقلة على التحقق من تلك المعلومات؛ أما عندما تكون السجلات غير مكتملة لدى الطرفين، فإنَّها تساعد على إعادة بناء القاعدة المعلوماتية والإثباتية اللازمة لممارسة الرقابة.

ويوفر النظام الداخلي الذي اعتُمد في 30 تموز/يوليو 2026 أدوات يمكن الاستفادة منها في أداء كلتا المهمتين، مع مراعاة أنَّ العبرة بالنص الرسمي المنشور في الجريدة الرسمية. ومع أخذ هذا التحفظ في الاعتبار، يبدو أنَّ النظام يتضمن أحكامًا بشأن توفير الدعم البحثي للمجلس، والسماح لأشخاص من خارجه بحضور اجتماعات اللجان بموجب قرار، والاستماع إلى شهادات الأشخاص والخبراء في إطار التحقيقات التي تجريها اللجان المؤقتة، فضلًا عن إجراءات مستقلة لعقد جلسات استماع للوزراء. وهذه ترتيبات مختلفة من الناحية الإجرائية؛ فالسماح بالحضور لا ينشئ بحد ذاته حقًا في الإدلاء بالشهادة، والاستماع إلى الشهادات يتطلب أساسًا إجرائيًا مستقلًا، كما أنَّ أيًّا من هذه الترتيبات لا ينقل صلاحية توجيه الأسئلة إلى الوزراء من أعضاء المجلس إلى الخبراء الخارجيين.

وعلى المستوى العملي، يمكن للجان البرلمانية أن تحصل على الوثائق الوزارية قبل انعقاد جلسات الاستماع، وأن تكلّف جهات مستقلة بإجراء تقييمات لها، وأن تستعين بالمحللين البرلمانيين للتمييز بين الوقائع التي تؤيدها أدلة متضافرة وتلك التي ما تزال محل خلاف، ثم تعود في جلسات لاحقة إلى المسائل التي لم تُحسم. ويُقاس نجاح هذه العملية بمدى فحص أوجه التباين والتناقض في المعلومات، وما إذا كانت التفسيرات المقدمة من المسؤولين قد أصبحت أكثر تحديدًا ودقة.

ولا تنتقص الاستعانة بالخبرات المستقلة من المسؤولية البرلمانية، كما أنَّها لا تمنح مجلس الشعب صلاحيات لا يملكها. فأعضاء المجلس يظلون مسؤولين عن تحديد الأسئلة التي ينبغي طرحها، وتقدير ما تثبته الأدلة، وصياغة التوصيات المناسبة. لكن الخبرة المستقلة توسّع القاعدة المعلوماتية والإثباتية التي تستند إليها قراراتهم، وتجعل تلك القرارات أكثر قابلية للفحص والمراجعة والتصحيح، بما يعزز الرقابة على الوزراء، والممارسة المدروسة لصلاحيات المجلس التشريعية والمتعلقة بالموازنة العامة. فالبرلمان الذي يعتمد على رواية السلطة التنفيذية لتقييم أداء السلطة التنفيذية نفسها يستطيع أن يعقد جلسات استماع، لكنه لا يستطيع التحقق بصورة مستقلة من صحة ما يُقدَّم إليه.

المصدر تلفزيون سوريا
اترك تعليق

عاجل