إذا اختفى نتنياهو.. هذه الأسس الأربعة سترسم نهج إسرائيل تجاه سوريا

عمر كوش26 أكتوبر 2026آخر تحديث :
إذا اختفى نتنياهو.. هذه الأسس الأربعة سترسم نهج إسرائيل تجاه سوريا

تحظى انتخابات الكنيست الإسرائيلي، المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بمتابعة واهتمام في العديد من الأوساط السياسية الإقليمية والدولية، وخاصة في سوريا، وذلك في ظل مواصلة إسرائيل استهدافها وتوغلاتها في أراضيها، واستمرار احتلالها للجولان السوري، وتعثر المفاوضات الرامية إلى التوصل لترتيبات أمنية بين دمشق وتل أبيب بوساطة أمريكية.

تنبع أهمية هذه الانتخابات بالنسبة إلى الحكومة السورية، ليس فقط لأن نتائجها ستحدد مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلاف اليمين المتطرف الذي يقوده، بل لأنها ستحدد التشكيلة الحزبية للحكومة الإسرائيلية المقبلة، وعما إذا كانت السياسات التي ستتبعها حيال سوريا مختلفة عن سياسات الحكومة الحالية، أم إن الأمر يتعلق بالاعتبارات الأمنية والعسكرية التي تحكم السياسة الإسرائيلية، بغض النظر عن الفائز في الانتخابات المقبلة.

لا تتبنى المعارضة الإسرائيلية مواقف مناقضة كليا لمواقف حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة، فالخلافات بين المعسكرين تكاد تكون محدودة حيال سوريا، خاصة أن أبرز منافسي نتنياهو ينتمون إلى خلفيات عسكرية وأمنية، ويتقاسمون معه عددا من التصورات المتعلقة بأمن إسرائيل وسطوتها على الإقليم

الإجماع الأمني
بداية، يكشف التنافس الانتخابي المحموم بين الأحزاب الإسرائيلية أن الهواجس الأمنية تحتل الموقع الرئيس، وتلامس إرهاصاته المباشرة جبهات المواجهة الإقليمية، حيث تحتل الساحة السورية أولوية.

وبالنظر إلى اعتبارات جيوسياسية، وتداخل الأمني مع العسكري في الإستراتيجية الإسرائيلية، فإن طبيعة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ستعكس كيفية تعاطيها مع سوريا، ومع دول المنطقة أيضا.

لن يجد الناظر في الخلافات بين الأحزاب السياسية الإسرائيلية، على الرغم من تباعدها في القضايا الداخلية، ما يماثلها من خلافات بخصوص التعامل مع سوريا.

فالأحزاب الرئيسية، بمختلف تصنيفاتها وألوانها السياسية، تتعاطى مع سوريا الجديدة وفق منطق إجماع أمني إستراتيجي، ينهض على النقاط التالية:

  1. النظر إلى سوريا بعد التحولات الجذرية التي شهدتها، بوصفها ساحة نفوذ، وفرصة تاريخية لتكريس مكاسب أمنية إسرائيلية.
  2. اعتبار الجولان السوري المحتل جزءا من إسرائيل، ولا يدخل في أي مفاوضات مع دمشق.
  3. الشعور بالقلق من احتمال ظهور نظام مركزي قوي، يمكنه أن يهدد المصالح الإسرائيلية على المدى الطويل.
  4. التأكيد على ضرورة منع نشوء أي تهديدات عسكرية على الحدود الشمالية مع سوريا.

مواقف المتنافسين
لا تتبنى المعارضة الإسرائيلية مواقف مناقضة كليا لمواقف حكومة نتنياهو اليمينية المتشددة، فالخلافات بين المعسكرين تكاد تكون محدودة حيال سوريا، خاصة أن أبرز منافسي نتنياهو ينتمون إلى خلفيات عسكرية وأمنية، ويتقاسمون معه عددا من التصورات المتعلقة بأمن إسرائيل وسطوتها على الإقليم.

بالنسبة إلى غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب “يشار “، والعضو السابق في حكومة الحرب الإسرائيلية قبل انسحابه منها بسبب خلافات حول إدارة الحرب وأهدافها، فهو ينظر إلى التوغل العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري باعتباره ورقة يمكن توظيفها للحصول على ترتيبات أمنية وسياسية.

عند النظر إلى مواقف الأحزاب المتنافسة في الانتخابات الإسرائيلية، يتوجب على الحكومة السورية التفريق بين الاحتمال الأول المؤدي إلى تغير الائتلاف الذي يقود الحكومة المقبلة في تل أبيب، والاحتمال الآخر المفضي إلى تغير السياسة الإسرائيلية نفسها حيال سوريا

ويربط آيزنكوت إمكانية الاتفاق مع سوريا بترتيبات أمنية مشددة، وضمانات أمريكية، وبإعادة النظر في الوجود العسكري التركي والروسي في سوريا.

أما نفتالي بينيت، الذي سبق أن تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، فقد أبدى مواقف يمينية متشددة في قضايا المناطق الأمنية والاحتلال الإسرائيلي للجولان. ولا يخفي بينيت حذره وتوجسه من الإدارة السورية الجديدة، ورغم ذلك تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية عن استعداده للنظر في إمكانية تغير سلوكها.

يبدو أن الاختلاف بين الأحزاب والقوى الإسرائيلية المتنافسة في الانتخابات، يتجسد في كيفية إدارة هذه الإستراتيجية، وكيفية التعاطي مع سوريا باستخدام القوة العسكرية، وحدود التجاوب مع الجهود الدبلوماسية، التي تقودها الولايات المتحدة.

ووفق حدود الاختلاف، فإنه عند النظر إلى مواقف الأحزاب المتنافسة في الانتخابات الإسرائيلية، يتوجب على الحكومة السورية التفريق بين الاحتمال الأول المؤدي إلى تغير الائتلاف الذي يقود الحكومة المقبلة في تل أبيب، والاحتمال الآخر المفضي إلى تغير السياسة الإسرائيلية نفسها حيال سوريا.

لذلك لا ينبغي الافتراض أن خسارة الائتلاف اليميني المتطرف، الذي يقوده نتنياهو، ستفضي بالضرورة إلى انتهاء الاستهدافات الإسرائيلية لسوريا، أو الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.

كما أن وصول حكومة جديدة لا يضمن تغييرا جذريا في موقف تل أبيب حيال دمشق، لكنه قد ينتج اختلافا في أساليب التعامل معها، وفي مدى الاستعداد للتوصل إلى اتفاقية أمنية بالاعتماد على الوسيط الأمريكي.

مع ذلك، ينبغي التفريق بين سياسة حكومة نتنياهو القائمة على فرض ترتيبات أمنية من جانب واحد، وسياسة أخرى قد تكون أكثر ميلا للتفاوض حول ترتيبات أمنية.

لكن التحول من السياسة الأولى إلى الثانية محكوم بمواقف الحكومة الجديدة والظروف الإقليمية والدولية.

وبناء على ما تقدم، فإن الحكومة السورية بحاجة إلى مقاربة، تنهض على التعامل مع السياسات الإسرائيلية الفعلية، وليس الرهان على هزيمة طرف انتخابي وفوز آخر؛ لأن ذلك لن يؤدي إلى تسوية تلقائية مع إسرائيل.

السيناريوهات المحتملة
تبرز في حسابات الانتخابات الإسرائيلية ثلاثة سيناريوهات سياسية محتملة، يمكن مناقشتها من دون الجزم بتحقق أي منها، وهي:

الأول: حصول معسكر اليمين المتطرف على أغلبية تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة، ما يعني استمرار الخطوط العريضة للنهج الأمني الإسرائيلي القائم حيال سوريا.

الثاني: فوز تحالف المعارضة وتشكيل حكومة يقودها غادي آيزنكوت أو شخص آخر يحظى بتوافق أحزاب المعارضة.

الثالث: وصول المعسكرين المتنافسين إلى حالة من التعادل، يتعذر معها تشكيل حكومة مستقرة، وقد يفضي ذلك إلى استمرار حكومة تصريف الأعمال أو الدعوة إلى انتخابات جديدة.

الحكومة السورية بحاجة إلى مقاربة، تنهض على التعامل مع السياسات الإسرائيلية الفعلية، وليس الرهان على هزيمة طرف انتخابي وفوز آخر، لأن ذلك لن يؤدي إلى تسوية تلقائية مع إسرائيل.

وهناك احتمال يتمثل في قيام نتنياهو بإشعال حرب مع إيران، خاصة أن إسقاط النظام الإيراني أصبح هدفا صريحا، إضافة إلى ما أوردته تقارير إعلامية عن إحباط واشنطن هجوما إسرائيليا واسعا كان مقررا في أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وعدم موافقة قيادة الجيش الإسرائيلي على ضرورته وتوقيته.

يراهن نتنياهو على أن تشكل تهديداته لإيران وسيلة ضغط للتأثير على تشكيل الحكومة الإسرائيلية حتى لو خسر الانتخابات، من خلال تشكيل حكومة طوارئ أو إطالة أمد حكومة تصريف الأعمال عدة أشهر أخرى.

الموقف السوري
ركز نتنياهو في حملته الانتخابية على توظيف الاحتلال الإسرائيلي في المناطق التي توغل فيها الجيش الإسرائيلي باعتباره إجراء ضروريا لحماية الأمن الإسرائيلي، ومنع نشوء تهديدات جديدة.

كما حاول نتنياهو توظيف ملف أحداث السويداء، التي جرت في يوليو/تموز 2025 من خلال الكشف عن إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس أحمد الشرع خلالها، والزعم بأن تهديداته أفضت إلى حماية الدروز.

بالمقابل، ترفض الحكومة السورية السياسة الإسرائيلية القائمة على تبرير اعتداءاتها بالهاجس الأمني، وتعتبرها انتهاكا لسيادة الدولة السورية، فضلا عن تعارضها مع القوانين الدولية.

وطالبت مرارا بانسحاب جيش الاحتلال إلى ما قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وإعادة تفعيل العمل باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي تخلى عنها نتنياهو من طرف واحد.

يمكن القول إن مواقف الأحزاب الإسرائيلية بشأن الجولان المحتل وأمن الحدود لا تتغير بالضرورة بتغير الحكومات. هذا يتطلب أن تستمر الحكومة السورية في اتباع سياسة تنهض على ثوابت واضحة، تتمثل بالسيادة، ووحدة الأراضي، ورفض الاستهدافات والاعتداءات، مع الاحتفاظ بمرونة تفاوضية حيال آليات التنفيذ وتقديم ضمانات أمنية.

إذا فاز المعسكر الذي يقوده نتنياهو في الانتخابات، فإن السياسة الإسرائيلية لن تتغير، وبالتالي ستتواصل الاستهدافات والتوغلات في الجنوب السوري، والتمسك بالمواقع العسكرية والاشتراطات الأمنية في الجنوب، وتكون الحكومة السورية في مواجهة حكومة خبرت مواقفها سابقا.

أما إذا شُكلت حكومة جديدة، فالأمر قد يختلف مع اتضاح مواقفها من سوريا، لذلك، تتعدى أهمية نتائج الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة إلى سوريا هوية الفائز بها، لتطال طبيعة السياسة التي ستتبناها الحكومة المقبلة حيال الاعتداءات والتوغلات والاحتلال والمفاوضات.

من الصعب تصور حدوث تغير جوهري في المواقف الإسرائيلية حيال سوريا في مرحلة ما بعد الانتخابات، مع عدم نفي وجود احتمال في تغير أساليب التعاطي والتفاوض، خاصة إذا توفر مسعى أمريكي أكثر نشاطا نحو التوصل إلى تفاهمات أمنية.

يبقى أن على الحكومة السورية مواجهة التحدي الإسرائيلي عبر التحسب لمختلف السيناريوهات المحتملة، من دون رهن سياستها الخارجية بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، وخاصة التعويل على خسارة نتنياهو.

الأهم هو تحصين الجبهة الداخلية في سوريا، ومعالجة تصدعاتها عبر مؤسسات قانونية، وفتح حوار سياسي يضمن مشاركة وحقوق جميع المكونات والأطياف المجتمعية.

المصدر الجزيرة

اترك رد

عاجل