

يجري توظيف مدينة السويداء (جنوب سورية) في الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة بعد أيام، بغرض التأثير على تصويت أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل. وقد بدأت العملية عبر سماسرة من داخل فلسطين وخارجها، ومن السويداء أيضاً، ووصلت أخيراً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي رمى هذه الورقة في المزاد الانتخابي، محاولاً استثمارها إلى حدّ التباهي بما قام به من تدخلات في الشأن السوري خلال الأحداث التي عرفتها المدينة في يوليو/ تموز من العام الماضي.
أرد نتنياهو من التذكير بدوره في تلك الأحداث توجيه أكثر من رسالة. وكانت الأكثر بلاغة بينها، والتي وصلت إلى حدّ الاستجداء، تلك التي طلب فيها من الدروز رد الجميل مقابل تدخله في المواجهات، زاعماً أنه اتصل، حينها، بالرئيس السوري أحمد الشرع لهذا الغرض. أما الرسالة الثانية، فهي أن يقدّم نفسه حامياً للدروز في سورية، وهذا ما يفسر، في هذا السياق، استمرار تعنّت الشيخ حكمت الهجري في رفض اتفاق عمّان الثلاثي الذي وضع خريطة طريق لحلّ سياسي وأمني في السويداء.
هناك احتمالان لتطور هذا الموقف. الأول، أن ينجح نتنياهو في الاحتفاظ بكرسيّه في رئاسة الوزارة، وبالتالي سوف يواصل هذه اللعبة. فهي بالنسبة إليه مثمرة، ويمكنه تدوير زواياها تبعاً لتغيّر المعطيات في المنطقة، خصوصاً أنّ أطرافاً في السويداء مستعدة للسير معه في هذا الطريق الذي يخدم مصالحها. وقد باتت هذه الأطراف معروفة لدى أهل السويداء الذين يعاينون بأنفسهم مظاهرات العار التي ينظمها هؤلاء، ويرفعون خلالها صور نتنياهو، مجرم حرب الإبادة في غزّة.
الاحتمال الثاني أن يخسر نتنياهو الانتخابات ويخرج من دائرة القرار في إسرائيل، لتنطوي بذلك صفحة سياساته وتنتهي مشاريعه وألاعيبه التي ابتكرها لإطالة أمد بقائه في رئاسة الحكومة. وفي هذا الحالة، ستخسر معه الأطراف التي شاركته هذه اللعبة، وراهنت على فصل السويداء عن بلدها الأم. وحينها سيلقى هؤلاء المصير الذي يواجه العملاء في كل مكان وزمان، وقد يجدون في إسرائيل مأوى لهم، مثلهم مثل جماعات جيش لبنان الجنوبي، لكنّهم لن يلقوا من السوريين سوى الاحتقار.
كان واضحاً منذ بداية الأزمة أنّ هناك دوراً إسرائيلياً مؤثراً يساند الهجري، ويدفعه نحو العناد وعدم قبول مقترحات الحلول الوسط. وفي الوقت نفسه، كانت أمام الدولة فرصة لتركه يناور حتى يصل إلى طريق مسدود، ويظهر إفلاسه أمام أهل السويداء. وبالتالي، لم يكن الحل العسكري هو الخيار المناسب للخروج من الاستعصاء، إذ كان واضحاً أن اللجوء إليه يعني الوقوع في كمين نصبته إسرائيل للتوغل أكثر في الشأن السوري الداخلي، وفرض سيطرتها على جنوب سورية وشرقها، ولم تخف تل أبيب، حينذاك، مشروعها لفتح طريق يربط السويداء بالجزيرة السورية، التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
المطلوب من الدولة السورية اليوم اتخاذ خطوتَين عاجلتَين. الأولى، تفويت الفرصة على نتنياهو وإسرائيل لمواصلة اللعب بورقة المدينة، واللجوء إلى كل السبل الممكنة لمواجهة المشروع التوسّعي الإسرائيلي في جنوب سورية، الذي لا يقف عند اختراق السويداء، بل يمتد عبر عملٍ دؤوب، نحو درعا والقنيطرة، مستغلاً الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وعدم قدرة الدولة السورية على الرد عسكرياً. الثانية، استعادة السويداء من خلال إجراء مصالحة حقيقية مع المدينة، وترسيخ معادلة الحل السوري، ورفض التسليم بالضغوط الخارجية، التي تريد فرض إشراك إسرائيل طرفاً ضامناً للسويداء. وهذا يحتاج إلى حشد جهد كبير يقوم على تصليب الوضع الداخلي، والتسلح بموقف وطني ورؤية واضحة للوقوف أمام التحدّيات الداخلية والخارجية.





