

ينطلق الكاتب السوري، راتب شعبو، في مقاله “عن كراهية ظاهرة ضد العلويين في سورية” في “العربي الجديد” (15/10/2026)، من ملاحظة تبدو صحيحة في ظاهرها، فهناك خطاب كراهية ضد العلويين في بعض منصات المجال السوري العام، غير أنّ المشكلة ليست في تشخيص الظاهرة، بل في بنية التفسير التي يقدّمها شعبو لها، وفي المنهج الذي يعتمد عليه في تفسيراته، إذ ينزلق إلى ما يمكن تسميتها “المقاربة الانتقائية”، متمثلة برؤية بعض الصورة، وتفسير بعض الأسباب، وإغفال معظم المسؤوليات.
يقيم شعبو تفسيراته وأحكامه على عيّنات عشوائية من منشورات منصّات التواصل الاجتماعي وتعليقاتها، مستنطقاً الهوامش الرقمية، ليبني حكماً قاطعاً بوجود “كراهية”، يوحي بأنها “عامة” ضد مكوّن بعينه، رغم علمه أن الظواهر المجتمعية الكبرى لا تُقاس بالصراخ الرقمي أو ببعض حسابات تجد لها أو لمشغليها مصلحة في الفتنة أو التحريض عليها، بل تُقاس بالمؤشرات الرصينة، كما هي نتائج “المؤشّر العربي” مثلاً، أو الملاحظات الميدانية الحية، بما فيها حركة السوريين العائدين الطوعية، وانتظام السلم الأهلي في معظم مناطق التداخل المجتمعي، وقلة الجرائم القائمة على أساس الهوية (وهي مدانة من دون شك) في واقع فعلي يعجّ بتحدّيات السلاح المنتشر خارج مؤسّسات الدولة، وحداثة تشكيل الأجهزة الأمنية، وضعف مواردها، إلى جانب وجود جرائم ثأر وانتقام على خلفية الاصطفافات السياسية إبّان سنوات الثورة، ضمن المجتمعات والفئات والعائلات الواحدة وغير المتنوعة، وهذه مؤشّراتٌ لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها لإنتاج “مظلوميات متخيلة” تخدم سرديات مريبة.
وبقراءة تستند إلى حقائق رقمية صلبة، نعتمد “المؤشّر العربي 2025” الذي أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وكان أول استطلاع من نوعه في سورية منذ سقوط النظام، وشمل عيّنة قوامها 3690 مستجيباً موزعين على جميع المحافظات، تكشف النتائج مفارقة جوهرية، حيث يقول 85% من السوريين إن “خطاب الطائفية” منتشر، و84% يعتقدون أن الناس يصنّفون أنفسهم والآخرين على أساس مذهبي. وفي المقابل، أفاد 66% من المستجيبين بأنهم لا يفرّقون في تعاملهم مع الآخرين على أساس طائفي أو ديني، ونحو 70% منهم أكدوا قبول الجوار مع أفراد من طوائف وأديان وإثنيات أخرى.
وبحسب “المؤشّر: أيضاً، يرى 78% من السوريين أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مكاناً لترويج خطاب طائفي، و80% يرونها مصدراً لاختلاق أخبار مزيفة عن الآخرين، وهو ما يؤكد وعي السوريين بأن هذه المنصات ليست مصدراً موثوقاً لاستقاء الأخبار وتشكيل توجهاتهم، كذلك فإن هذه الأرقام والنسب تكشف فارقاً جوهرياً بين فضاء المجال العام الذي يبرز فيه الاستقطابان، السياسي والإعلامي، والمجال الاجتماعي اليومي الذي يحافظ، رغم كل التحدّيات، على مستويات من التعايش الحيّ، ولا يزال متمسّكاً بقيم العيش المشترك. مع ذلك، يركز كاتب المقال في استخلاص أحكامه وتفسيراته على ما التقطه من هذه المنصّات، التي يرفض السوريون الوثوق بمعظمها وبما تضخّه من تحريض!
إن بناء مادة تحليلية سياسية وسوسيولوجية على تصورات “بعض” مع إبقاء هذا “البعض” مجهولاً، ثم استخلاص أحكام تفسيرية كبرى، لا يبدو تعميماً فحسب، بل هو “فجوة منهجية” مستهجنة ومرفوضة في الكتابة الصحافية والإنتاج البحثي، فحين يُبقي الكاتب هذا “البعض” مجهولاً من دون تسمية أشخاص، أو تيارات، أو قوى سياسية معروفة، ومن دون أن يشير إلى أن هذا “البعض” أشخاصٌ هامشيون لا وزن لهم ولا يمثلون أحداً، يترك لفظ “البعض” عائماً ليتمدّد في ذهن القارئ، فيوحي لا شعورياً بوجود تيار يمثل سواداً واسعاً، يمكّن الكاتب من اختراع خصم متطرّف بالصفات التي تناسب توجهه ورأيه، ثم يبدأ بتفكيكه وتحليله والرد عليه ليوهم القارئ بأنه يفكّك ظاهرة حقيقية.
الأغلبية السورية ترفض منطق الوصم السياسي، وتنحاز إلى معيار المواطنة بدلاً من معيار الولاء
والثغرة الأكثر فجاجة في طرح شعبو، ممارسة الانتقائية المخلة تجاه تجّار الكراهية الرقمية المتبادلة، إذ يندّد الكاتب بمنشورات صادرة عن بعض المحسوبين على المكون السّني، لكنه يغفل أو يتغافل عن سيل خطاب الكراهية والوصم بالتطرّف والداعشية، الذي ما زالت تبثه بعض الحسابات والمنصات المحسوبة على منظومة السلطة السابقة ضد الأكثرية السورية، وهي ممارساتٌ رقمية موجودة في كل المكونات، لكنها شاذة لا يجوز فيها الانحياز المبطن والتركيز الحصري على رصد طرف واحد مع تجاهل تحريض الأطراف الأخرى.
ويطرح شعبو سؤالاً وجيهاً: كيف ينشغل “الكارهون” بالتذكير بجرائم الأسد بينما يبدون قليلي الاكتراث بجرائم مماثلة؟ لكنه يقع في فخ مشابه، فينشغل بتحليل كراهية العلويين، بينما يبدو قليل الاكتراث برصد (وتحليل) الكراهية المقابلة، الظاهرة للعين بوضوح إن أراد أحدنا اتباع نهج كاتب المقال في رصد “البعض” على الضفاف الأخرى.
كذلك وقع المقال في فخ الانحياز التأكيدي، حيث اقتُنِصَت شواهد شاذّة لدعم فرضية “المخاوف الطائفية الموروثة”، مقابل إغفال شواهد يومية تعكس وعي السوريين الجمعي، ومن ذلك اندماج الموظفين في مؤسّسات الدولة من دون تمييز، واستعادة حواضر الساحل والداخل لعافيتها الاقتصادية المشتركة، فـ”المؤشّر العربي” يكشف أن 64% من السوريين يعتقدون أن الشعب السوري نجح، بدرجات متفاوتة، في “الانصهار في بوتقة الأسرة الواحدة”، مقابل 12% فقط قالوا إنه لم يحصل انصهار على الإطلاق، كذلك اختار 42% من المستجيبين “الثقافة السورية المشتركة” كأهم عامل يشكّل الهوية الوطنية.
ويقدّم “المؤشّر العربي” دليلاً إضافياً على نضج الوعي السوري، حيث يوافق 67% من المستجيبين على عبارة “لا يحق لأحد أن يشكّك في وطنية أي فرد من أفراد المجتمع أو انتمائه إلى الوطن لأنه معارض لسياسات الحكومة”، وهذا يعني أن الأغلبية السورية ترفض منطق الوصم السياسي، وتنحاز إلى معيار المواطنة بدلاً من معيار الولاء. والقفز فوق كل هذه الحقائق والتركيز على خطاب “البعض” الشاذ، لا يخدم سوى سردياتٍ تربط بقاء الدولة بوجود الخوف المتبادل بين مكوناتها.
الوعي الوطني السوري اليوم في مرحلة بناء نضجه، ودور نخبه حاسم للغاية في الدفع باتجاه لفظ أحقاد الحقبة الماضية وتجاوزها نحو منطق الشراكة والبناء
ومن أخطر ما مرّره المقال، الإيحاء بأن ملفات المحاسبة والعدالة الانتقالية وملاحقة المتورطين في الفساد أو الانتهاكات السابقة تمثل استهدافاً لمكوّن بذاته، فتصوير المحاسبة القانونية فعل كراهية يبدو كما لو أنه شرعنة غير مباشرة للإفلات من العقاب، وهو ما لا أعتقد أن الكاتب قصده، خصوصاً أن رؤوساً كبيرة وآلافاً من الموقوفين قيد المحاسبة والعدالة هم من غير العلويين، ولا يحتاج إثبات هذا إلى أمثلة معروفة للجميع.
ليست المشكلة في مقال شعبو في تشخيصه الكراهية، بل في حدود هذا التشخيص وغايته، فالقراءة المتكاملة لخطاب الكراهية في سورية تتطلب الاعتراف بوجوده لدى بعضٍ في كل الأطراف، ورفض التعميم الجماعي في كل الاتجاهات؛ والدعوة إلى محاسبة جميع مرتكبي الجرائم ومروجي خطاب الكراهية بغضّ النظر عن هويتهم؛ والتأكيد أن مقولة “سورية عادت إلى أهلها” تعني جميع السوريين، وقد كانت للطائفة الأسدية دون غيرها، بدل ليّ عنق التعبيرات الوجدانية والاستثمار فيها كبؤر تفرقة افتراضية.
الوعي الوطني السوري اليوم في مرحلة بناء نضجه، ودور نخبه حاسم للغاية في الدفع باتجاه لفظ أحقاد الحقبة الماضية وتجاوزها نحو منطق الشراكة والبناء، وترسيخ لغة المواطنة القانونية الصرفة، لا تثبيت خطوط الفوارق والتقسيمات الطائفية والدينية والعرقية، والأوطان في مراحل خطرة كما هي حالة المرحلة الانتقالية في سورية، لا تُبنى بالتيئيس وتكريس الممارسات الشاذة كما لو أنها ظواهر، ولا بالهواجس المتخيلة، بل بالعمل على نقل وعي المجتمع من “صراع البقاء الذاتي” إلى “شراكة الانتماء والبناء”، اعتماداً على العدالة والمواطنة المتساوية والإرث المشترك، والحقائق الواقعية والمؤشّرات الحية الحاكمة، ودعم مأسسة الدولة وسيادة القانون.





