

بعد أيام من هروب بشار الأسد وسقوط سلطة آل الأسد، ووصول هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع الذي أصبح رئيساً للمرحلة الانتقالية، سُئلت في لقاء تلفزيوني عن وجهة نظري بخصوص ما حصل، وما قد يحصل مستقبلاً؛ خاصة أننا كنا نرى، منذ أيام المجلس الوطني السوري، أن مشروع جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام لاحقاً) الإسلاموي المتشدد يتعارض مع المشروع الوطني السوري الذي كنا، وما زلنا، ندعو إليه. وكان مضمون جوابي في ذلك الحين هو التالي: لا بد أن يُعطى الرئيس الشرع الفرصة. فالظروف معقدة للغاية، والتحديات جسيمة، لذلك علينا أن ننتظر. وهناك مؤشرات سنعتمد عليها في تحديد موقفنا لاحقاً. ومن بين المؤشرات التي ذكرتها في تلك المقابلة: الموقف من المكوّنات المجتمعية السورية سواء الدينية والمذهبية منها أم القومية؛ الموقف من المرأة؛ مدى احترام حرية التعبير والتباين السياسي…
أما عن الذي كان، وما زال، يدفعني إلى طلب التريث، والبحث عن الحلول الوسط، فهو يتمثل في اطلاعي على واقع سوريا وتاريخها، وتجربتي السياسية، ومعرفتي بطبيعة وقدرات التيارات والأحزاب السياسية السورية؛ وهي تيارات وأحزاب تتوزع بين توجهات تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتجمع بين قوى إسلاموية متشددة وأخرى معتدلة، وتيارات محافظة، وليبرالية، وديمقراطية وحتى علمانية متشددة.
وفي مثل هذه الأجواء لا بد من العمل الجاد لتجنب المصادمات التي سـتأخذ الكثير من الوقت والجهد، بل قد تتسبب في حدوث الكثير من المآسي. ولعله من الجدير بالذكر في هذا السياق أن نشير إلى ما حصل في إيران بعد ثورة عام 1979؛ وهي الثورة التي شاركت فيها غالبية القوى السياسية الإيرانية من دينية وشيوعية ويسارية وديمقراطية وقومية وتجار البازار، وكان التفاؤل على أشدّه في البدايات؛ وكانت وعود الخميني التبشيرية تنعش الآمال لدى الجميع. إلا أن الذي حصل لاحقاً كان مأساويا دموياً، لم يتخلّص الشعب الإيراني من آثاره العنيفة بعد.
ولم يكن هذا الموقف المبني على تفاؤل حذر هو موقفي وحدي، وإنما كان موقف غالبية المعارضين السوريين المعروفين، ممن لهم تاريخ في النضال ضد حكم آل الأسد المستبد الفاسد المفسد على مدى عقود منذ أيام الأسد الأب الأولى، وصولاً إلى أيام الأسد الابن الأخيرة. وقد تعرّضنا نتيجة ذلك لمختلف الاتهامات من قبل بعض المتحمسين، وقسم من المكوعين والمطبلين لاحقاً، منها: التقاعس والخوف أو الانتهازية؛ هذا مع أن معظمنا كانوا من المتعاملين مع السياسة من باب الواجب لا المهنة، ولم نتطلع يوما أن نحصل على موقع أو منصب أو امتياز مهما كانت الإغراءات.
وانتظرنا، وانتظر السوريون الذين صدقوا الوعود، وتحملوا الظروف المعيشية الصعبة، كما غضوا النظر عن المفارقات والتناقضات التي نسبوها إلى حكمة بعيدة النظر.
ولكن الذي حصل لاحقاً أقلقهم. فما رأوه وتلمسوه على مدى عامين تقريباً ذكّرهم بتجارب مماثلة لهم مع سلطات بلادهم، عانوا منها بأنفسهم، أو عرفوها من خلال المقربين منهم، وهي ما زالت في ذاكرتهم الحية.
ومع تراكم الأخطاء والسلبيات، لجأ السوريون الحريصون على مصير شعبهم ووطنهم إلى النصح والتوجيه، والمطالبة بمراجعة الخطاب والممارسات بغية الضبط والتصحيح. كانت قناعتنا، وما زالت، أن سوريا لا تتحمّل التعصب الديني أو المذهبي أو القومي والإيديولوجي، قلنا ذلك وكتبناه في أكثر من مناسبة؛ وحذرنا كغيرنا من الخطاب الطائفي البغيض والقومومي المقيت.
ومع ذلك كانت حملات الشيطنة على منصات التواصل الاجتماعي؛ ثم كانت حوادث الساحل المؤسفة التي ما زالت تنتظر التحقيق الشفاف والحلول الوطنية التي من شأنها تبديد الهواجس وطمأنة سائر المكونات المجتمعية السورية، والأمر نفسه بالنسبة لحوادث السويداء. وكان خوف الناس من أن تتكرر المآسي في منطقة الجزيرة بين العرب والكرد ولكن، والحمد لله، لم يحصل ذلك، إلا أن طريقة المعالجة، واعتماد أسلوب عقد الصفقات في الغرف المغلقة بعيدا عن معرفة الناس المعنيين، رسّخ الشكوك بين العرب والكرد على حد سواء. ولعل هذا يلقي بعض الضوء على أسباب الاحتجاجات والاعتصامات الأخيرة التي شهدتها محافظة الحسكة؛ وهي المحافظة التي يتجلى فيها التنوع السوري على المستوى الشعبي بأزهى مظاهره على الرغم من السياسات الكيدية التي اعتمدتها السلطات البعثية، خاصة في مرحلتها الأطول الأسدية؛ وكان الهدف من تلك السياسات هو إحداث شروخ مجتمعية اُستخدمت أداة للهيمنة على الجميع.
منذ عامين تقريباً والسوريون يكتبون ويتحدثون ويقترحون؛ يتفاءلون ويتشاءمون، وينتظرون؛ ولكن من دون نتائج واضحة، أو مؤشرات كافية يُستشف منها أن هناك من يسمع ويعمل على تلافي الأخطاء، وأن ثمة جهوداً تبذل لوضع حد لحالات الفساد وتعيين الأقرباء، والتحقيق في جرائم القتل والاختطاف والتهديد والترويع سواء تلك التي ترتكب من قبل افراد أم مجموعات أو سلطات موازية.
هناك تساؤلات وهواجس كثيرة تقضّ مضاجع السوريين، والمعالجة المفيدة تكون بالشفافية والمصداقية، أما الوعود التبشيرية، والحلول التسويفية فقد انتهت صلاحيتها والناس يريدون الأفعال.
كما أن المرأة السورية لم تأخذ بعد على المستوى الرسمي المواقع التي تستحقها بناء على كفاءاتها. أمّا الظروف المعيشية القاسية فقد باتت الكابوس الثقيل الذي تعاني منه الغالبية الساحقة من الأسر السورية في جميع الأماكن. أعداد الباحثين عن العمل تثير الرعب، أما المشاريع الكبرى التي كثر الحديث حولها فيبدو أنها ما زالت في مرحلة مذكرات التفاهم، وهي المذكرات التي لن تتحول إلى واقع ملموس من دون استقرار مجتمعي أكيد يُقنع أصحاب رؤوس الأموال بفائدة الاستثمار.
الناس يعلمون أن الظروف الدولية والإقليمية معقّدة، ويتفهّمون انعكاساتها على الأوضاع السورية الداخلية، خاصة من جهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ واستمرارية النظام الإيراني في سياسة الاعتماد على الأذرع من أجل إشغال الجوار الإقليمي، كما يفعل مع السعودية عن طريق الفصائل الولائية في العراق، وقوات الحوثي في اليمن. هذا إلى جانب التدخلات الإسرائيلية المستمرة في لبنان وسوريا. ولكن هذا لا يلغي وجود الكثير من المسائل التي يمكن معالجتها، وإيجاد الحلول لها عبر السوريين أنفسهم، واعتماداً على الإمكانات السورية المتوفرة سواء في الوطن أم المهاجر؛ ولكن ذلك يستوجب قبل كل شيء تفاهما على الأولويات، وشفافية في التعامل، وبيئة قانونية تضمن حقوق المستثمرين؛ وكل ذلك يحتاج إلى تفعيل لدور مجلس الشعب، وتمكينه من ممارسة صلاحياته كمجلس يمثّل الشعب فعلاً. أما أن يظلّ مجرد واجهة تزيينية، يجتمع أعضاؤه ويناقشون ويقررون وفق ما تمليه عليهم السلطة التنفيذية، فهذا فحواه تعطيل وظيفته، وعدم الاستفادة من الدور الذي من المفروض أنه قد تشكّل أصلاً كي يؤديه.
هناك محاولات لزج سوريا في ملفات إقليمية لا مصلحة لها في الانخراط فيها، ولا قدرة لها عليها. والوعود الخارجية في هذا المجال، لا يعوّل عليها في غياب التفاهم والتماسك السوري الوطني الذي يظل مصدر الأمان والاطمئنان. ولبلوغ التفاهم المنشود، هناك حاجة ماسة إلى حوار وطني داخلي مستدام، يشعر أطرافه بوجود رغبة حقيقة لدى الجميع، خاصة السلطة، بالتوصل إلى تفاهمات وتوافقات، وتجاوز آثار التراكمات السلبية التي أحدثتها سلطة آل الأسد، ومعالجة الجروح التي كانت نتيجة الاخطاء غير المسوغة في المرحلة الجديدة. الدولة التي يتطلّع نحوها السوريون لن تبنى بالوعود والعبارات الإنشائية العاطفية، وإنما بعقد مكتوب بين مواطنين أحرار يؤدون واجباتهم على أكمل وجه، ودولة تلتزم بضمان الأمن الذي يطمئن الجميع، وتعمل بكل طاقاتها من أجل توفير المقومات الضرورية، ضمن حدود الإمكان، لمستقبل أفضل واعد لأجيالنا المقبلة.





