سوريا ومُحددات العلاقة مع حلف مكة

محمود علوش15 أكتوبر 2026آخر تحديث :
سوريا ومُحددات العلاقة مع حلف مكة
محمود علوش – كاتب وباحث سياسي

منذ تشكيل حلف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، أثارت سياسة الباب المفتوح التي انتهجها الحلف تساؤلات حول إمكانية انضمام سوريا إليه. وقد عزز حديث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أثناء زيارته الأخيرة لإسلام آباد، عن دراسة دمشق لفكرة الانضمام إلى الحلف هذه التساؤلات. 

يعكس هذا النقاش بشأن علاقة سوريا بالحلف الأهمية البارزة التي تحظى بها في سياساته ومقاربته لمستقبل المنطقة على ثلاثة مستويات. الأول، أن التحول السوري كان له إسهام بارز في تهيئة البيئة الاستراتيجية في الإقليم لتشكيل حلف مكة. فالنقاشات بين أعضاء الحلف كانت قائمة بالفعل قبل سنوات، لكنها لم تتطور إلى مرحلة التشكيل بسبب الظروف الجيوسياسية التي كانت سائدة في تلك الفترة.

بيد أن هذه الظروف بدأت تتحول بشكل تدريجي منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر مرورًا بالتحول السوري ووصولاً إلى ذروة التحول المتمثّلة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وارتداداتها على المنطقة.

ويتمثل المستوى الثاني لهذه الأهمية في الموقع الهام لسوريا ضمن الجغرافيا السياسية الإقليمية عمومًا وفي التقاطع الجيوسياسي الكبير بين تركيا والسعودية على وجه الخصوص. ومظاهر هذا التقاطع مُتعددة وتتجلى بشكل أكثر وضوحًا في العلاقة الوثيقة التي تُقيمها الرياض وأنقرة مع دمشق ودورهما في مساعدة سوريا الجديدة في الانفتاح الدولي عليها وفي تشكيل السياسة الأمريكية تجاهها على وجه الخصوص، وفي مشاريع الربط التجاري الإقليمي بين تركيا والخليج عبر سوريا والأردن.

ونجاح هذه المشاريع يتوقف بدرجة رئيسية على ضمان انخراط سوريا فيها وتوفير الظروف الملائمة التي تتيح لها أداء هذا الدور، بدءًا من تعزيز الاستقرار الداخلي، الذي يشكل ركيزة للفرص الاقتصادية التي تتيحها مشاريع الربط الإقليمي، وصولًا إلى تمكينها من الشروع في عملية إعادة الإعمار. وهنا، لم تعد سوريا واستقرارها مجرد حاجة أمنية وجيوسياسية لتركيا والسعودية فحسب، بل أصبح أيضًا مصلحة جيواقتصادية لهما.

أما المستوى الثالث، فيتمثل في أهمية سوريا ضمن بنية النظام الأمني الإقليمي الجديد الذي يطمح حلف مكة إلى تشكيله. فقد تأسس الحلف على مبدأ رئيسي يتمثل في الدفاع المشترك عن دوله في حال تعرضت لأي تهديد. لكن مفهوم التهديد هنا لا يقتصر على التهديد بشكله التقليدي. فالتحولات الجيوسياسية الكبيرة التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة أسهمت في تطوير مفهوم الأمن القومي لدى كل من تركيا والمملكة العربية السعودية. 

فبالنسبة إلى تركيا، أصبح مفهوم الأمن القومي يرتبط بصورة أوضح بأمن دول الجوار، وفي مقدمتها سوريا. كما أن التحدي الذي تمثله إسرائيل وسياساتها تجاه سوريا بات يمس بصورة مباشرة حسابات الأمن القومي التركي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، إذ أصبح نشاط وكلاء إيران في العراق واليمن عنصرًا مهددًا لأمن المملكة. وهنا تبرز أهمية سوريا بوصفها عنصرًا أساسيًا في معالجة التهديدات الأمنية التي تطال تركيا والسعودية على حد سواء.

مع ذلك، فإنه عند الحديث عن فكرة انضمام سوريا إلى حلف مكة، فإن العوامل التي تحكم النقاش لا ترتبط بالحسابات الجيوسياسية السورية، التي تتقاطع بوضوح مع مصالح دول الحلف، بقدر ما تتعلق بعنصر أكثر حساسية يتمثل في إسرائيل. وهناك أسباب عدة تجعل هذا العامل مهمًا في تقييم النقاش ومدى واقعيته. 

فانضمام سوريا إلى الحلف سيضعه أمام التزامات دفاعية تجاهها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية في وقت تُركز فيه دمشق أصلاً على الدبلوماسية لمعالجة هذا التحدي وتنصب أولويات الحلف في مرحلة التأسيس على تمكين نفسه وتجنب خوض صراع إقليمي من شأنه أن يُربك هذه الأولويات. وهناك سبب آخر يرتبط بكيفية إدارة الرئيس أحمد الشرع موقف سوريا في بيئة جيوسياسية معقدة.

فهو، من جانب، يتبنى نهجًا إقليميًا يتقاطع بوضوح مع سياسات شريكين مهمين لسوريا في حلف مكة، ومن جانب آخر، يتعامل بواقعية مع المشكلة الإسرائيلية، من خلال الرهان على الدبلوماسية.

تتمثل الأولوية الرئيسية لحلف مكة تجاه دمشق في الوقت الراهن في تعزيز انخراط دوله في دعم استقرار سوريا، بالتنسيق فيما بينها، ومساعدتها على التعامل مع المشكلة الإسرائيلية عبر تشجيع الدبلوماسية وتوظيف نفوذها لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب لتحقيق هذا الغرض. ويكتسب هذا الانخراط أهمية كبيرة بالنسبة إلى الحلف وسوريا على حد سواء. 

قد لا تكون فكرة توسيع الحلف في الوقت الراهن مطروحة على أجندته أو حتى على أجندة الدول التي يُحتمل أن تنضم له في المستقبل ومنها سوريا، لكنّ علاقة دمشق بالحلف وأعضائه تتعمق بشكل متزايد أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة، وباتت تُشكل نموذجًا للشراكات الفعالة التي ينسجها حلف مكة مع دول مؤثرة ولها وزنها الإقليمي. 

وأي انضمام مُحتمل لسوريا إلى الحلف في المستقبل سيكون في نهاية المطاف حصيلة لهذه الشراكات الاستراتيجية المتنامية مع دوله والمزايا التي يُقدّمها لكل من سوريا وحلف مكة على حد سواء. 

المصدر الثورة السورية

اترك رد

عاجل