مليشيا حزب الله تعلن مساعدات لمتضرري الحرب وسط تساؤلات عن التمويل ودور الدولة

فريق التحرير14 أكتوبر 2026آخر تحديث :
دمار واسع في مدينة صور جنوب لبنان جراء القصف الإسرائيلي – أرشيف – رويترز

أعلنت مليشيا حزب الله اللبناني، الثلاثاء 13 تشرين الأول/أكتوبر، خطة لتقديم مساعدات مالية للعائلات التي دُمّرت منازلها أو أصبحت غير صالحة للسكن خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل، بقيمة تصل إلى 14 ألف دولار للأسرة الواحدة، في خطوة تعيد إلى الواجهة الجدل حول مصادر تمويل الحزب ودوره في ملف إعادة الإعمار، بالتزامن مع استمرار الخلافات بشأن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي عقده رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، علي دعموش، في الضاحية الجنوبية لبيروت، اتهم فيه الدولة اللبنانية بالتقصير في مساعدة النازحين. وبحسب ما نقلته وكالتا رويترز وأسوشيتد برس، تشمل الخطة دفع 14 ألف دولار للعائلات المستحقة في بيروت وضاحيتها الجنوبية، منها ثمانية آلاف دولار للأثاث وستة آلاف للإيجار، مقابل 12 ألف دولار للعائلات في المناطق الأخرى، موزعة بين ثمانية آلاف للأثاث وأربعة آلاف للإيجار.

وأوضح دعموش أن المبالغ ستُصرف على أربع دفعات خلال عام، وفق معايير تتعلق بحجم الضرر الذي لحق بالمنازل، على أن تقتصر الاستفادة على العائلات التي فقدت مساكنها الأساسية ولا تمتلك منزلاً آخر. كما تشمل الخطة، بحسب مليشيا حزب الله، بعض العائلات التي لا تستطيع العودة إلى مناطقها بسبب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي أو قرب منازلها من المناطق الخاضعة لسيطرته.

ولم يكشف الحزب عن العدد الإجمالي للمستفيدين أو الميزانية المخصصة للبرنامج، كما لم يحدد مصدر الأموال التي يعتزم توزيعها. ولم تقدم التقارير المتاحة حتى الآن توثيقاً مستقلاً لبدء صرف جميع المساعدات المعلنة، ما يجعل الإعلان تعهداً مالياً يحتاج إلى متابعة تنفيذه، خصوصاً في ظل الأعداد الكبيرة من النازحين وحجم الأضرار التي خلفتها الحرب.

ويأتي الإعلان بعد تقرير نشرته رويترز في السابع من تشرين الأول الجاري، نقلت فيه عن مصدرين مطلعين أن مليشيا حزب الله تلقت نحو 200 مليون دولار من إيران لمساعدة العائلات اللبنانية النازحة. وفي المقابل، شككت وزارة الخارجية الأميركية في صحة هذه المعلومات، معتبرة أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة على طهران تحدّ من قدرتها على إيصال الأموال إلى الحزب. وامتنع دعموش عن تأكيد ما ورد في تقرير الوكالة أو الكشف عن قيمة التمويل المتاح، فيما لم يصدر تعليق إيراني يؤكد تحويل المبلغ المذكور.

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن كيفية إدارة أموال إعادة الإعمار والجهة التي تتولى توزيعها، في بلد يواجه أزمة اقتصادية ممتدة وتضرراً واسعاً في البنية التحتية والمساكن. فبينما تسعى مليشل حزب الله إلى تقديم مساعدات مباشرة في المناطق المتضررة، تعمل الحكومة اللبنانية على تعزيز دور مؤسسات الدولة في إدارة ملف الإعمار، وسط ضغوط أميركية لفرض رقابة على مصادر التمويل ومنع وصول الأموال إلى جهات مرتبطة بمجموعات مسلحة خارج سلطة الدولة.

وكانت الحكومة اللبنانية قد اتخذت في آذار/مارس الماضي قراراً باعتبار الأنشطة العسكرية لحزب الله غير قانونية، عقب إطلاقه صواريخ باتجاه إسرائيل في بداية المواجهة الإقليمية التي أعقبت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران. وردت إسرائيل بعملية عسكرية واسعة شملت غارات جوية وتوغلاً برياً في جنوب لبنان، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة أميركية أواخر حزيران/يونيو.

وأوقعت العمليات العسكرية الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية كبيرة في لبنان. وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، تجاوز عدد الضحايا منذ آذار أربعة آلاف وثلاثمئة شخص، من دون أن تفصل الحصيلة بين المدنيين والمقاتلين. كما أدت الحرب إلى نزوح نحو 1.2 مليون شخص في ذروتها، فيما لا يزال أكثر من 300 ألف شخص خارج منازلهم، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة التي نقلتها أسوشيتد برس.

ولا تزال عودة النازحين تواجه عقبات تتعلق بالدمار الواسع في القرى والبلدات الجنوبية، واستمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الأراضي اللبنانية، إضافة إلى نقص التمويل اللازم لإصلاح المنازل وشبكات الخدمات. وقدّر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في تصريحات سابقة أن تكلفة إعادة الإعمار الناتجة عن الحربين الأخيرتين منذ عام 2024 قد تتجاوز 27 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير قيمة المساعدات الفردية التي أعلنتها الجهات المختلفة.

وتزداد حساسية الملف في ظل تعثر تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي وقعته لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن يوم 26 حزيران الماضي. ويتضمن الاتفاق ترتيبات للانسحاب الإسرائيلي التدريجي من جنوب لبنان وتسليم المناطق للجيش اللبناني، إلى جانب إجراءات مرتبطة بنزع سلاح مليشيا حزب الله ومنع توجيه أموال إعادة الإعمار إلى جهات مرتبطة بالتنظيمات المسلحة غير التابعة للدولة.

وترفض مليشيا حزب الله الترتيبات المتعلقة بسلاحها، بينما تؤكد الحكومة اللبنانية ضرورة بسط سلطة الدولة على أراضيها وحصر استخدام القوة العسكرية بمؤسساتها الرسمية. ويجعل هذا الخلاف إعادة الإعمار جزءاً من نزاع سياسي أوسع بشأن مستقبل الحزب العسكري ودور المؤسسات الحكومية في مرحلة ما بعد الحرب.

ولا تقتصر المشكلة على توفير الأموال للمتضررين، إذ إن المبالغ المعلنة مخصصة بصورة أساسية للإيجار والأثاث، ولا تتضمن برنامجاً شاملاً لإعادة بناء المنازل المدمرة أو إصلاح البنية التحتية. كما أن غياب البيانات التفصيلية عن أعداد المستفيدين ومصادر التمويل وآليات الرقابة يجعل من الصعب تقدير الأثر الفعلي للخطة قبل بدء تنفيذها.

وبين استمرار حاجة مئات آلاف اللبنانيين إلى السكن والخدمات الأساسية، والخلافات حول التمويل والسلاح وصلاحيات الدولة، يبقى ملف إعادة الإعمار مرتبطاً بمسار سياسي وأمني لم يُحسم بعد. أما العائلات التي فقدت منازلها، فتنتظر إجراءات عملية تتيح لها العودة، في ظل مساعدات معلنة لم تتضح بعد قدرتها على الاستجابة لحجم الأضرار التي خلفتها الحرب.

اترك رد

عاجل