تفاوض وثوابت.. أولويات سوريا بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية

عمر إدلبي21 سبتمبر 2026آخر تحديث :
تفاوض وثوابت.. أولويات سوريا بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية

في خضم التحولات الكبيرة التي تشهدها سوريا بعد التحرير، تجد الدولة الجديدة نفسها أمام اختبار وجودي يتمثل في اعتداءات إسرائيلية ممنهجة تستهدف تقويض أي محاولة لبناء دولة مستقرة ذات سيادة، ما يفرض على الدولة السورية التعامل مع معادلة دقيقة، تستدعي التوفيق بين ضرورات الردع لحماية السيادة، وحتمية الانخراط في مسار تفاوضي لتأمين بيئة مواتية لإعادة البناء وضمان الاستقرار، وهو ما يتأسس عليه جوهر الموقف السوري من الصراع مع إسرائيل، بالجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالثوابت الوطنية.

ما يميّز الموقف السوري منذ البداية هو تحديد الأولويات بوضوح، فالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني أكدا دائما أن الأولوية بالنسبة لسوريا من التفاوض هي وقف هجمات العدو الإسرائيلي، وأنه لا يمكن مناقشة أي ترتيبات استراتيجية مع الاحتلال الإسرائيلي قبل توقف الأعمال العدائية المتكررة، وهو موقف يعكس إدراكاً عميقاً بأن استمرار الهجمات والتوغلات الإسرائيلية، والتدخل في الشأن الداخلي السوري، لا يهدد الأمن الوطني فحسب، بل يحرم الدولة من فرصة التركيز على ملفاتها الداخلية الملحة، وفي مقدمة ذلك بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وتوحيد البلاد، وإعادة الإعمار.

غير أن تحديد الأولويات لا يعني تبني موقف جامد، فالمفاوض السوري أبدى مرونة تكتيكية في التعامل مع الملف الأمني، مع الإصرار على عدم المساس بالثوابت الوطنية، وقد تجلى ذلك في اشتراطه الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه كاملاً، والمطلبان ليسا مجرد أهداف تفاوضية، بل يشكلان الحد الأدنى لاستعادة الدولة السورية السيطرة على أراضيها، ووقف التعدي الإسرائيلي المستمر على السيادة الوطنية.

وتتجلى المفارقة الأساسية في الموقف السوري في الجمع بين الانخراط في المفاوضات وعدم الثقة بالاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أكده الوزير الشيباني في شهر آب/ أغسطس الماضي في مقابلة له مع رويترز، ومع ذلك أبقى المفاوض السوري قنوات الحوار مفتوحة برعاية أمريكية، مدركاً أن الدبلوماسية، مهما كانت صعبة، تبقى الطريق الأقل كلفة لتحقيق مكاسب سيادية في ظل اختلال موازين القوة.

ويعكس هذا النهج البراغماتي تحولاً جوهرياً في الثقافة السياسية السورية، فالنظام البائد الذي استفاد لعقود من سياسات التخادم مع الاحتلال الإسرائيلي، كان يتبنى خطاب مواجهة غير ذي معنى قي ظل الافتقار إلى قدرة فعلية على الردع، بينما تسعى الدولة السورية الجديدة إلى ترجمة واقعها الحالي إلى فرص دبلوماسية، مع التمسك برفض أي محاولة لتكريس الاحتلال، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية السوري، عندما اعتبر إعلان إسرائيل إبقاء قواتها في الأراضي السورية “إعلاناً صريحاً لتكريس الاحتلال” ويسقط الذرائع الأمنية التي تسوقها تل أبيب لتبرير اعتداءاتها.

ويمثل ملف الجولان المحتل جوهر الثوابت السورية التي لا تقبل المساومة، فقد أكد الرئيس أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة، أن أي اتفاق مع إسرائيل لن يكون على حساب حق سوريا في الجولان، وهذا الموقف ليس مجرد شعار سياسي، بل يمثل إرثاً وطنياً يتجاوز تبدل الأنظمة، ويشكل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في أي تفاوض مستقبلي، وحين تعلن الدولة السورية تمسكها بالعودة الكاملة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، فإنها تضع الاحتلال الإسرائيلي أمام خيارين، إما الالتزام بالقانون الدولي، وهو ما لم يفعله كيان الاحتلال منذ تأسيسه، أو الاستمرار في سياسة العدوان وفرض الأمر الواقع التي تقوض أي فرصة للاستقرار في المنطقة، ما يزيد في عزلة الاحتلال.

ويمنح المشهد الإقليمي سوريا دعماً متصاعداً في مواجهة العدوان الإسرائيلي، لكنه ليس خالياً من القيود، فالموقف العربي الموحد الذي تجسد في إدانات متكررة للدول العربية، والمجموعة العربية في مجلس الأمن للسياسات العدائية الإسرائيلية تجاه سوريا، يبقى محدود التأثير والفاعلية رغم أنه يعكس إجماعاً عربياً على الرفض القاطع لكل أشكال التدخل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية، والمطالبة بإلزام إسرائيل بالتقيد الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 والانسحاب الفوري وغير المشروط من الجولان السوري المحتل.

أما تركيا، فموقفها بدا حازماً منذ بداية الاعتداءات الإسرائيلية، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية هاكان فيدان يصفان الهجمات الإسرائيلية دائما بأنها من أكبر التهديدات لاستقرار سوريا، ويعتبران أن الحفاظ على أمن سوريا واستقرارها مسؤولية مشتركة، لكن الموقف التركي الدعم لسوريا، رغم وضوحه وقوته، يبقى مقيداً ومشروطاً بالمصالح التركية أولاً، وبقدرة أنقرة على تحويله إلى استجابة أمريكية تساهم في لجم السياسات العدائية الإسرائيلية تجاه سوريا.

أما على الصعيد الدولي، فالفجوة كبيرة بين الإدانة اللفظية والفعل الرادع، فبينما تؤكد روسيا، دعمها لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها ورفضها الاعتداءات الإسرائيلية، فإن هذا الدعم لم يترجم إلى إجراءات تمنع استمرار الاعتداءات، ما يعكس استمرار التنسيق الأمني الروسي-الإسرائيلي، ويبدو موقف الولايات المتحدة أكثر تعقيداً، إذ تجمع بين الدعوة لنزع التصعيد والتنسيق العملي مع إسرائيل في عدة جبهات، ما يجعل التعويل على ضغط أمريكي فعال محل شك، وهذا الواقع يضع الدبلوماسية السورية أمام تحدٍ كبير، يتعلق بكيفية تحويل هذا التضامن المشروط والمقيد إلى التزامات عملية تحد من العدوان الإسرائيلي.

إن القاسم المشترك بين كل هذه التحديات هو الإدراك السوري بأن استمرار العدوان الإسرائيلي يقوض أي جهد لبناء دولة مستقرة، فالهجمات على المنشآت العسكرية تحرم سوريا من بناء قدراتها الدفاعية، والتوغلات البرية في الجنوب تخلق واقعاً ميدانياً جديداً قد يصعب التراجع عنه، والأجواء المتوترة تخلق بيئة طاردة للاستثمارات وتعيق إعادة الإعمار، وهذا كله يضع الدولة السورية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إيجاد التوازن بين متطلبات السيادة الوطنية وحتمية ضبط النفس لتجنب حرب مدمرة.

بمواجهة هذه التعقيدات والتحديات، تتبنى الدولة السورية استراتيجية تقوم على ثلاث ركائز، تتمثل في التمسك بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها حق سوريا في الجولان والعودة إلى اتفاق 1974، والانخراط العملي في التفاوض كأداة لإدارة الصراع، مع إدراك أن دبلوماسية التفاوض لا تعني ثقة بالطرف الآخر، إضافة إلى العمل على تحويل التضامن الإقليمي والدولي إلى مكاسب سياسية تعزز الموقف السوري في المفاوضات، وتضغط على إسرائيل للالتزام بالتزاماتها الدولية.

ويعكس المشهد السوري اليوم، توتراً بين إرادة السيادة وحتمية الواقع، فالدولة الجديدة ترفض القبول بالاحتلال الإسرائيلي كأمر واقع، لكنها تدرك أن خيار المواجهة العسكرية المباشرة غير متاح حالياً، وهكذا، تختار الدولة السورية طريقاً أكثر واقعية وعقلانية، يتمثل في الحفاظ على الثوابت الوطنية مع الانفتاح على الحلول التفاوضية، وبناء تحالفات إقليمية ودولية داعمة دون أن تصبح رهينة لأي منها، والعمل على إثبات أنها شريك موثوق في الاستقرار الإقليمي لكسب ثقة المجتمع الدولي. ويتطلب النجاح في هذا المسار صبراً استراتيجياً ودبلوماسية ذكية، وقدرة على تحويل التحديات الأمنية إلى فرص تفاوضية، فاستقرار سوريا، وهو ما تدركه الأطراف الإقليمية والدولية، ليس شأناً داخلياً فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها، وفي هذا السياق، يبقى الرهان السوري على الزمن والدبلوماسية، في مواجهة مشروع عدواني إسرائيلي يسعى إلى تثبيت وقائع ميدانية جديدة في المنطقة كلها، لكنه سيجد نفسه دون شك مضطراً للتعامل مع واقع سوري جديد يرفض القبول بالاحتلال كأمر مسلم به، ويسعى للبناء والاستقرار، دون تفويت الفرص لامتلاك القوة اللازمة للمواجهة حين تفرض، أو تستدعيها الضرورة.

اترك رد

عاجل