استراتيجية “فن العمليات” تبدل خرائط السيطرة شمال شرقي سوريا

فريق التحرير18 يناير 2026آخر تحديث :
تدريب للقوات الخاصة التابعة للفرقة 42 في الجيش العربي السوري – 27 تموز 2025 – وزارة الدفاع السورية

تكرر، إلى حد كبير، سيناريو سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، لكن هذه المرة شمال شرقي سوريا، إذ انهارت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوتيرة متسارعة، في مشهد يتقاطع مع انهيار قوات نظام الأسد. وخلال ساعات قليلة، تبدلت خرائط السيطرة لصالح الجيش السوري، الذي بسط نفوذه على المنطقة الواقعة جنوب نهر الفرات كاملة، إضافة إلى أجزاء من شماله في محافظة دير الزور. 

ولم يتوقف زحف الجيش عند هذا الحد، إذ تشير الأنباء المتلاحقة إلى أنه بات ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة، ويتجه نحو منطقة الشدادي التي تضم ثروة نفطية كبيرة، في تطور ميداني ينذر بتحولات أوسع في موازين السيطرة شمال شرقي البلاد. وبحسب الأنباء الواردة من شمال شرقي سوريا، فإن الجيش السوري يتجه للتوغل في العمق باتجاه محافظة الحسكة، أقصى الشمال الشرقي للبلاد، في تطور من شأنه تغيير قواعد “اللعبة” العسكرية والسياسية، وربما الإشارة إلى بداية نهاية مشروع قوات “قسد” بعد نحو عشر سنوات على تأسيسها.

وبدءاً من صباح السبت، تقدم الجيش السوري وسيطر على ريف حلب الشرقي، وفي قلبه بلدتا دير حافر ومسكنة، وذلك بموجب اتفاق مع قيادة قوات “سوريا الديمقراطية”. غير أن هذه القوات، وبحسب وزارة الدفاع السورية، لم تلتزم بالاتفاق، إذ أكدت الوزارة أن قواتها تعرضت لهجوم، ما دفعها إلى إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق لا تزال مستمرة حتى الآن. 

وفي سياق هذه العملية، استعاد الجيش السوري جميع القرى والبلدات الواقعة جنوبي نهر الفرات، بدءاً من دبسي فرج ودبسي عفنان وشعيب الذكر وعايد والصفصافة ومزرعتها وهنيدة والمنصورة، وصولاً إلى منطقة الرصافة التاريخية، ثم إلى جنوبي مدينة الرقة بعدة كيلومترات. كما بسط سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية، التي تضم سد الفرات، الأكبر والأهم في سوريا، إضافة إلى مطارها العسكري، فضلاً عن استعادة سد المنصورة الاستراتيجي الواقع غربي مدينة الرقة بنحو 30 كيلومتراً.

وفي شمال نهر الفرات، انتفض الأهالي وسيطروا على القرى التي أخلتها قوات “قسد”، مثل السويدية والسلحبية وغيرها في ريف الرقة الغربي. أما في ريف الرقة الجنوبي الشرقي، فقد سيطر الجيش السوري على عدد من القرى، من بينها الغانم العلي وزور شمر، مقترباً بذلك من مدينة الرقة من الجهة الشرقية.

وفي محاولة لعرقلة تقدم الجيش، فجرت قوات “قسد” أكبر جسرين يربطان مدينة الرقة بريفها الجنوبي، في خطوة تعكس، وفق متابعين، أن هذه القوات لا تنوي الانسحاب من المدينة من دون قتال. وإلى الشرق من الرقة، فرض الجيش سيطرته على ريف دير الزور الشرقي شمالي نهر الفرات، الذي يضم أبرز آبار وحقول النفط والغاز، وفي مقدمتها حقلا العمر والكونيكو.

واستقبل السوريون في القرى والبلدات والمدن الجيش السوري بترحاب، وثقتْه مقاطع فيديو انتشرت تباعاً على وسائل التواصل الاجتماعي. وعبّر زكريا الإبراهيم، من أهالي ريف الرقة الغربي، في اتصال مع “العربي الجديد” عن “فرحة غامرة”، مضيفاً: “هذا يوم انتظرناه طويلاً”. وأشار الإبراهيم، وهو مدرس لغة عربية، إلى أن الرقة وريفها “تعانيان منذ عام 2011″، مردفاً: “تعبنا من الحروب وسلطات الأمر الواقع المتعددة، ونأمل أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة استقرار وازدهار”.

من جانبه، أعرب عبد الله المحمد، من أهالي مدينة الطبقة، عن أمله في أن تولي الحكومة اهتماماً خاصاً للرقة وريفها، مشيراً إلى أن المنطقة الشرقية من سوريا “تضم ثروات لم تنعكس أبداً رفاهية على حياة الناس، لا في زمن نظام الأسد ولا خلال وجود قوات قسد”. وأضاف: “قسد حولت الثروة إلى الحرب وحفر الأنفاق، ولم تقم بأي مشاريع اقتصادية مستدامة. هذه المرحلة انتهت الآن”.

وفي تعليق على المشهد العسكري، أوضح المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الجيش السوري “اعتمد استراتيجية فن العمليات في الهجوم وتنفيذ العملية الكبرى، وقام بتوسيع الهجوم انطلاقاً من مناطق خرق بدأت بدير حافر ووصلت إلى الطبقة، مع توسيع جبهة القتال”.

وأضاف أن الهجوم “استند إلى تقدير موقف صحيح، فقوات قسد لا تملك طاقات دفاعية حقيقية، وإنما تعتمد على مجموعات من المجندين إلزامياً، يفتقرون إلى عقيدة قتالية، فضلاً عن انهيار الروح المعنوية في صفوفهم”. وبرأي الأسعد، فإن طريق الجيش السوري نحو مدينة الحسكة “بات مفتوحاً”، معرباً عن اعتقاده أن قوات “قسد” تتجه نحو “الزوال”، ومضيفاً أن “السيطرة على الحسكة، المعقل الرئيسي لقسد، أصبحت قاب قوسين أو أدنى”.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل