

ما هي الوطنية؟ هل تُقاس بمكان الولادة؟ بجواز سفر؟ أم تُصاغ في لحظة مواجهة لا يسجّلها دفتر نفوس طُبع في عهد نظام مجرم؟
حين تُعلن ثورةٌ عن نفسها، فمن أبناؤها الحقيقيون؟ ومن يُقصى عنها حين تنتقل من السلاح إلى السياسة؟
الجنسية الثورية ليست مجازًا أدبيًا، بل مفهوم سياسي يُولد من لحظة الانخراط في المشروع التحرري، ويُوثّق بالموقف لا بالهوية الورقية ، هي انتماء مكتوب بالدم، تصنعه الخنادق ومواقف المفصل.
من قاتل دفاعًا عن قضية شعب ليس شعبه، وساهم في حماية ثورة لحظة خذلها القريب والبعيد، لا يُختزل في خانة “الأجنبي”، بل هو شريك في الخسارة كما في النصر.
ومع ذلك، يعود الحديث – لا من داخل سوريا، بل من خارجها – عن ضرورة “ضبط” من يتسلّم المناصب، وتحديد من يجوز له أن يكون جزءًا من مشروع ما بعد الأسد.
جاء ذلك صراحةً على لسان وزارة الخارجية الأميركية، التي اشترطت – ضمن شروط رفع العقوبات عن أفواه السوريين – ألّا يتسلّم المقاتلون غير السوريين مناصب في مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
هذا الاشتراط، المغلّف بشعارات السيادة، يكشف عن محاولة لإعادة تعريف الوطنية من بوابة الورق، لا من بوابة الدم.
المقلق أكثر هو صدى القبول به لدى بعض السياسيين ممن قضوا سنواتهم في المؤتمرات أو كانوا إلى وقت قريب في صف النظام، ثم عادوا اليوم ليرسموا حدود الشرعية كما يشاؤون.
إن الحديث عن “أحقية” المجنّسين بالمشاركة السياسية ليس منّة، بل اعتراف بحقيقة قائمة ، هؤلاء نالوا جنسيتهم بقرارات صادرة عن كيان ذي سلطة فعلية ووجود ميداني، وتاريخهم السياسي والعسكري لا يحتاج شهادة من عواصم العالم ، وفي القانون الدولي، تُمنح الشرعية للكيانات التي تمارس السلطة وتنظّم حياة الناس، لا لمن ينتظر اعترافًا خارجيًا.
والتاريخ ليس بخيلًا في الأمثلة ، ففي الجزائر، نال مقاتلون عرب وأفارقة الجنسية بعد الاستقلال و في كوبا، لم يُسأل تشي غيفارا عن أصوله حين أصبح وزيرًا، وكذلك في فرنسا، نال أجانب شرف المواطنة لأنهم دافعوا عن الجمهورية لا عن مسقط الرأس.
إذا كانت هذه السوابق مقبولة في الذاكرة الغربية، فكيف تُرفض في الثورة السورية؟
في سياق الثورات .. من قاتل وشارك في التأسيس لا يُعامل كطارئ، بل كأصيل ، الخوف من التطرف لا يُعالج بالإقصاء، بل بالمساءلة.، و أما الخوف من الاستبداد فلا يُعالج بالاستبعاد، بل بالاعتراف ، والوطن، إن لم يتّسع لمن قاتل لأجله، فلن يتّسع لأحد.
الدم لا يُقصى.
الشرعية لا تُورَّث.
ومن كُتب اسمه في سطر الانتصار، لا يُحذف بقلم السياسة.