حفرة التضامن.. مثالاً للبيئة الآمنة المنتظرة في سوريا الأسد

فهد القاضي19 يناير 2023آخر تحديث : الجمعة 20 يناير 2023 - 11:23 مساءً
فهد القاضي
آراء
1234567897654321456786543245678 2 - حرية برس Horrya press

أولاً- مفهوم البيئة الآمنة في القانون الدولي الإنساني

لم يرد في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملاحقها لعام 1977 عن موضوع البيئة الآمنة، وإنما وردت نصوص ومواد قانونية عن المناطق الطبية (التي تشمل المشافي والمراكز الطبية)، والمناطق المحايدة أو المنزوعة السلاح. ولكن تلك المفاهيم جمعيها لم تفِ بالغرض الحقيقي لمفهوم البيئة الآمنة والتي يجب إسقاطها على الواقع السوري الآن في تلك الدراسة التي نقوم بها الآن.

لقد نشأت في بعض الدول التي شهدت نزاعات مسلحة داخلية ودولية مناطق آمنة لحماية المدنيين كما هو الحال في البوسنة والهرسك، إلا أنّ تلك المناطق لم تشفع للمدنيين الذين لجأوا إليها من المجازر التي ارتكبتها القوات الصربية على مرأى ومسمع من جنود الأمم المتحدة حيث ذهب ضحية تلك المجازر نحو ثمانية آلاف شخص مدني في شهر تموز عام 1995 والتي سميت مجزرة (سيربرينتشا). وقد سبق تلك المجزرة بعام تقريباً المجازر التي ارتكبت في المناطق الآمنة براوندا والتي كانت حصيلتها أكثر من مئة ألف ضحية في أقل من مئة يوم.

وحيث إنَّ المنطقة الآمنة في المفهوم القانوني تفترض وجود مجموعة من السكان لا تستطيع حماية نفسها بمواجهة أيّ اعتداءات وانتهاكات وتستوجب توفير حماية دولية لها من الاعتقالات أو التصفيات والغارات الجوية والهجمات الصاروخية والمدفعية ضمن بقعة جغرافية.

كل ذلك يستوجب اتخاذ تدابير من شأنها تأمين الحماية للسكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة ولكن للأسف مازال هنالك حاله من التخبط الأممي في ذلك المفهوم بالوقت الذي اتسعت فيه رقعة الصراعات المسلحة الداخلية غير الدولية والتي بات فيها السكان المدنيين هم الطرف المستهدف فيها.

ثانياً المناطق الآمنة في منظور الأمم المتحدة

لم تفلح أغلب محاولات الأمم المتحدة العبثية المتكررة حتى الآن من تحديد معايير محددة لما يسمى المناطق الآمنة لا بل إنَّ بعض تلك المحاولات قد تسبّب بمقتل الآلاف من الضحايا ولا سيما في العقد الأخير من القرن الماضي، حيث إنَّ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 819 تاريخ 16 أبريل 1993 والذي أعلن سيربرينتشا في يوغوسلافيا السابقة أنَّها منطقة آمنة ووضعها تحت حماية وحدات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

فإنَّ تلك المنطقة قد تعرّضت لإبادة جماعية من قبل القوات الصربية، وذلك أمام مسمع ومرأى من الجنود أصحاب القبعات الزرق، لا بل إنَّ الجريمة تلك قد تمّت بتسهيلات من هؤلاء الجنود الأمميون، وأيضاً ذات السيناريو قد تكرر في راوندا مما جعل مفهوم المناطق الآمنة اليوم من أكثر المفاهيم جدلية في أورقة الأمم المتحدة كون قراراتها بذلك الشأن لم تكن واضحة بسبب عدم وجود المؤيد الجزائي لها، الرادع لأيّ طرف يرتكب تجاوزات وانتهاكات في تلك المناطق وما زالت تلك المآسي تتكرر تباعاً.

في كثير من البلدان التي تشهد نزاعات سواء منها دولية أو غير دولية، ناجم عن عدم وجود تعريف رسمي وقواعد مقننة لمفهوم المنطقة الآمنة في القانون الدولي، مما أدى إلى تخبطات كبيرة ومتنوعة تم تطبيقها في بلدان متعددة، أدت في كثير منها إلى نتائج سلبية مروعة وبدون أن تتحمل الأمم المتحدة ومنظماتها أي مسؤولية قانونية وأخلاقية حيالها.

ثالثاً معضلات البيئة الآمنة في سورية مع وجود نظام الأسد

لا بدَّ أنَّ العودة الطوعية إلى ربوع الوطن مهد الطفولة وأرض الصبا والأجداد هي الخيار المفضل، وهي الحلم الذي يداعب كل نازح أو لاجئ أجبرته ظروف الحرب على الرحيل سواء داخل الوطن أو خارجه، في سبيل الحفاظ على حياته وحياة ذويه من أبنائه وأسرته وعشيرته.

تلك العودة الطوعية التي يجب أن تقترن بالأمان والكرامة والطمأنينة التي تتضمن الحياة الكريمة في ظروف السلامة القانونية والأمن الجسدي والمادي، وفق ما تنص عليه قواعد القانون الدولي الإنساني والتي توجب على كلّ لاجئ يرغب بالعودة إلى بلده الأصلي أن يتقدم وبحرية تامة بطلب إلى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين شخصياً لحضور جلسة للمشاورة مع الموظفين الأمميين المختصين لتقييم ذلك الطلب.

وبعد ذلك يصار إلى البت بالطلب حسب الظروف الأمنية والاجتماعية والطبية في البلد الأم، والتي يجب أن تتضمن عدم معاملة اللاجئين العائدين بخشونة وعدم تعرّضهم للاعتقال أو التصفيات والمضايقات والاستغلال المادي أو المعنوي من قبل السلطات الوطنية، التي يجب أن تعاملهم باحترام وتمكنهم من استعادة حقوقهم الكاملة حسب المادة/ الثامنة – ج /من النظام الأساسي لمفوضية شؤون اللاجئين الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 كانون الأول لعام 1950 بالقرار رقم 428 (5).

ولعلَّ من أحد أهم الأسباب التي تسمح بها مفوضية شؤون اللاجئين بالعودة الطوعية للاجئين هي تغير الظروف السائدة في البلد الذي هربوا منه (ومنها الاضطهاد والقتل والاعتقال والعنصرية والطائفية وانعدام الأمن والأمان). وبما أنَّ قانون اللاجئين الدولي لا ينص على قواعد وأحكام تهدف إلى حماية الأشخاص ضمن حدود بلادهم فلا بدَّ من أن يكون اللاجئون قد عبروا حدود دولية حسب المفهوم القانوني للجوء، وبالتالي فإنَّ مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة ووفقاً لاتفاقية 1951 تعطيها تفويضاً لحماية الأشخاص الذين عبروا الحدود.

لذلك فإنَّ ضمان الحماية الوحيدة للأشخاص هو أنَّ العودة إلى البلد الأصلي يجب أن تكون طوعية وبالتشاور مع مفوضية شؤون اللاجئين. فقد أكدت اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969 الخاصة باللاجئين التأكيد على مبدأ الطوعية وشددت على ضرورة احترامه فلا يجوز إعادة لاجئ رغم عن إرادته (المادة 5/1 من اتفاقية الوحدة الأفريقية الخاصة باللاجئين).

وتعريجاً على الملف السوري في ظل الأصوات التي بدأت تتعالى حول إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم وقيام بعض الدول ولا سيما لبنان بإجبار مئات العوائل السورية اللاجئة على العودة إلى سوريا رغم كل المناشدات التي أطلقتها منظمات دولية والتي ضربت بها السلطات اللبنانية عرض الحائط.

أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية في تقريرها السادس والعشرين الصادر عنها في 14 أيلول لعام 2022 والمقدم إلى مجلس حقوق الإنسان بتاريخ 22 أيلول لعام 2022 إلى انعدام الأمن في جميع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري وقال التقرير بأنَّ قوات الأمن والمليشيات المحلية والأجنبية التي تسيطر على نقاط التفتيش ومراكز الاحتجاز وبوابات الدخول البرية والجوية، تسيء استخدام سلطاتها وتمارس عمليات ابتزاز من المواطنين والعائدين لتحصيل الأموال. كما أكدت قيام تلك الميليشيات والقوات التابعة للحكومة بالاستمرار في عمليات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والموت بسبب التعذيب ضد المواطنين بمن فيهم اللاجئين أو النازحين العائدين إلى مناطق سيطرة النظام السوري.

وقد أشار ذات التقرير إلى أنواع أخرى من الانتهاكات والتي وضعها التقرير بأنَّها تشكل عقبات أمام العودة الآمنة الكريمة والمستدامة لملايين اللاجئين مثل الاستخدام التعسفي للتصاريح الأمنية التي يفرضها النظام السوري بهدف تقييد الحريات والتي تعد شرطاً مسبقاً للحصول على حق الملكية والسكن، وانتهى التقرير إلى توصية تؤكد بأنَّ سوريا بلد غير آمن لعودة اللاجئين.

كما أشار تقرير لجنة التحقيق المعنية بالجمهورية العربية السورية إلى أنَّ النظام السوري وبدعم من سلاح الجو الروسي ما يزال يستهدف النازحين في شمال غربي سوريا، ناهيك عن الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها سلطات الأمر الواقع في شرقي الفرات الأمر الذي ينفي كل الدعوات التي تقول بأنَّ سوريا بلد أمن لعودة اللاجئين السوريين.

في سياق متصل أكدت صحيفة فورين بوليسي الأمريكية في مقال نشر على صفحاتها بتاريخ 30/01/2022 بأنَّ سوريا غير آمنة ولا مستقرة وحربها غير المكتملة تكاد تنسى وأنَّ الغرب كاد أن ينسى حربها التي لم تضع أوزارها.

كما أنَّ المبعوث البريطاني إلى سوريا جوناثان هاريغريفر أكد بأنَّ موقف حكومته لم يطرأ عليه أي تغيير وهو أنَّ سوريا ليست آمنة لعودة اللاجئين وأنَّ الحرب لازالت تدور رحاها هناك وإنَّ جميع من عاد إليها يختفي غالباً من دون أن يوجد لهم أثر على أيدي الدولة الأمنية.

وحيث إنَّ مواقع إخبارية كثيرة وقنوات فضائية تناولت الكثير من حالات الاختفاء التي تعرّض لها لاجئون سوريون عائدون إلى سوريا بعد صدور ما يسمّى مراسيم العفو التي يصدرها في كل عام تقريباً أوسكوبار سوريا تاجر المخدرات وقاتل الأطفال المجرم بشار الأسد الكيماوي.

وحيث إنَّ المكتب القانوني بحركة تحرير وطن وثّق الكثير من تلك الحالات غير الإنسانية وسلّمها إلى لجنة التحقيق الدولية المعنية بالجمهورية العربية السورية في لقائه الدوري معها بتاريخ (09/11/2022)، موثقة بالاسم والعنوان والزمان لأشخاص عادوا إلى سوريا سواء من لبنان أو الأردن أو تركيا أو أوربا وقد أمضوا بعض الأيام مع ذويهم بعد أن قاموا بتنظيم تسوية مع الأفرع الأمنية ودفعوا مبالغ مالية طائلة لتلك الأفرع وللسماسرة أذناب عصابة الأسد.

ولكن سرعان ما تم اعتقالهم وتغييبهم ومن ثم إعادتهم إلى أقاربهم بعد أسابيع (جثة هامدة) مرفق بتقرير طبي يؤكد أنَّ وفاتهم قد حدثت بشكل طبيعي مع أنَّ آثار التعذيب واضحة على أجسادهم ومنهم من لم يعرف عنه أثر حتى هذه اللحظة.

ختاماً: إنَّ حفرة التضامن الصغيرة وما حدث فيها من جرائم وحشية وانتهاكات مروعة، ستبقى شاهداً على النموذج المثالي للأمن والأمان الذي تشهده سوريا في ظل استمرار نظام الأسد في حكم البلد، والذي حولها بكلّ المناطق التي يسيطر عليها إلى حفرة تضامن كبيرة تتسع لكل الشعب السوري، ولكلّ لاجئ فكّر بالعودة إلى الوطن الأم.

لا بل إنَّه جعل من سوريا مركزاً عالمياً لتجارة الكبتاغون وصناعته وترويجه، ومأوى أمن لكل مجرمي العالم من عصابات فاغنر وميليشيات إيران الطائفية وتجار المخدرات أمثال اللبناني (نوح زعيتر) بارون المخدرات في لبنان.

إنَّ المقابر الجماعية المنتشرة في أرجاء سوريا (كمقبرة القطيفة) في دمشق ومقبرة (دير شميل) في غربي مدينة حماة (ومقبرة تل النصر) في مدينة حمص ومقابر مطار المزة ودرعا والجورة في دير الزور وصيدنايا، والتي تحتوي مئات الآلاف من الذين تمّت تصفيتهم في مسالخ الأسد البشرية ومشافيه العسكرية (مشفى عبد القادر شقفه العسكري) في مدينة حمص، والتي ما زال المجرم طليقاً فيها حتى الآن.

كلّ تلك الجرائم والانتهاكات الوحشية التي ارتكبتها ولا زالت عصابات الأسد في سوريا حتى هذه اللحظة، ستبقي من سوريا حفرة تضامن كبيرة، ومقبرة جماعية، وبيئة آمنة تحظى بكل عوامل الاستقرار والأمن والأمان والطمأنينة، لكلّ لاجئ يفكر بالعودة إلى سوريا طالما أنّ اسمها مقترن بعصابات الأسد.

مسالخ الأسد البشرية وحفره ترحب بكم!

المصدرحركة تحرير وطن

اترك رد

عاجل