باحثة عسكرية: تكتيكات روسيا في أوكرانيا تشبه ما طبقته في سوريا

فريق التحرير21 أبريل 2022آخر تحديث :
أوجه تشابه كبيرة في النهج الروسي في التعامل مع النزاعات في سوريا وأوكرانيا والشيشان

من سوريا إلى الشيشان ، والآن أوكرانيا .. رسم الخبراء العديد من أوجه التشابه للنهج الروسي في التعامل مع النزاعات في تلك المناطق.

هانا نوت، باحثة بارزة مشاركة في مركز فيينا لنزع السلاح والحد من انتشاره، تركز على القضايا الأمنية وتحديد الأسلحة وبشكل خاص على النقاط التي تتقاطع فيها هذه الأمور عندما يتعلق الأمر بروسيا والشرق الأوسط.

تحدثت الباحثة إلى DW عن أوجه التشابه التي لاحظتها في النزاعات والحروب التي شاركت فيها أو خاضتها روسيا: في سوريا سابقاً والآن في أوكرانيا، وكيف يمكن أن يساعد ذلك في التنبؤ بما سيحدث بعد ذلك في ساحة القتال الحالية.

DW: قمتِ بتحديد أوجه تشابه بين الحملة العسكرية التي شنتها روسيا في سوريا وما تفعله الآن في أوكرانيا. فما هي؟

حنا نوت: في الواقع هناك خمسة أوجه للتشابه تم تحديدها: الأول يبدأ بفكرة انخراط روسيا بالحرب بشكل تسلسلي، أو على مراحل. ثانيًا، تكتيكها المتمثل في تطويق المدن والحصار والقصف. ثم – وأنا هنا اقتبس من التصريحات الروسية – فتح “ممرات إنسانية”، وهنا يجب علينا أن نتعامل مع هذا المصطلح بحذر، إذ أنها مسألة يصعب تصديقها.

التشابه الثالث هو قضية المقاتلين الأجانب، وهي قضية معقدة ومتعددة المستويات لأن روسيا تتهم الطرف الآخر باستخدام مقاتلين أجانب، ثم تقوم هي نفسها باستخدامهم. والرابع والخامس يعيداننا إلى موضوع التضليل الإعلامي فيما يتعلق بالزعم باستخدام العدو للناس كدروع بشرية.

لطالما اتهمت روسيا “الإرهابيين” في سوريا باستخدام المدنيين كدروع بشرية. والآن تدعي موسكو الأمر نفسه عن كتيبة آزوف في ماريوبول. كما تستخدم معلومات مضللة عن الجانب الآخر بشأن تنفيذ هجمات غير حقيقية وهو ما يعرف بـfalse flag ويقصد بها عمل عدائي – كهجوم كيماوي مثلاً – مصمم ليبدو وكأنه ارتكب من قبل شخص آخر غير الشخص أو المجموعة المسؤولة عن تنفيذه بهدف خداع الناس.

لكن مرة أخرى، بينما نرى هذه التشابهات في تكتيكات محددة، من المهم دائماً مراعاة الاختلافات بين الحملات الروسية في سوريا وأوكرانيا، والتي تعتبر مهمة من حيث الأهداف والنطاق العسكري للحملة. لا تزال المخاطر بالنسبة لروسيا مختلفة تماماً.

هانا نوت الباحثة المشاركة في مركز فيينا لنزع السلاح

ما هو مفهوم الحرب المتسلسلة؟

ما رأيناه في سوريا هو أن نظام الأسد والجيش الروسي وخلال مراحل مختلفة من الحرب – دعونا نتذكر أن روسيا تدخلت في سوريا في سبتمبر/أيلول 2015 – أوقفا القتال في أجزاء من البلاد من أجل تحويل دفة الصراع إلى مكان آخر. لذلك، في أوائل عام 2017، تم إنشاء ما يسمى بمناطق خفض التصعيد في الأجزاء الغربية من سوريا، وهو ما سمح لنظام الأسد بتوجيه الموارد للاستيلاء على مزيد من الأراضي باتجاه الشرق، وأيضاً لإعادة تجميع القوات. وبعد ذلك، في عام 2018، عاد الجيش السوري – بدعم من روسيا – واستعاد مناطق خفض التصعيد هذه باستثناء إدلب، التي لا تزال حتى يومنا هذا خارج سيطرة النظام السوري.

في أوكرانيا، أعلنت روسيا أن المرحلة الأولى من العملية العسكرية الخاصة قد انتهت وأنها تركز الآن على “تحرير” دونباس – على ما أقتبس من التصريحات الروسية. وبالفعل، كان هناك انسحاب للقوات الروسية من ضواحي كييف ومن شمال أوكرانيا.

وجهة نظري في لفت الانتباه إلى هذا التشابه في التكتيكات ليست دليلاً مؤكداً على أننا سنرى نوعًا مشابهًا من التسلسل في مراحل العمليات العسكرية في أوكرانيا، ولكن الأمر يتعلق فقط بالحذر من التفاؤل غير المبرر أو الافتراض بأنه لمجرد أن الروس يقولون إنهم سيركزون الآن على دونباس، فإنه يمكننا أن نتنفس الصعداء ونعتقد أن القتال في بقية البلاد قد انتهى.

في مرات عديدة، فشلت محاولات بناء ممرات إنسانية للمدنيين لمغادرة المناطق المحاصرة، وخاصة في ماريوبول. من المنظور العسكري الروسي، ما هي الاستراتيجية هنا؟

نعم. للأسف، فإن السوابق في سوريا تشير مرة أخرى إلى أن هذه الأنواع من الممرات يجب أن تؤخذ بحذر شديد لأسباب مختلفة. وخير مثال على ذلك هو حصار حلب، وهي مدينة رئيسية في سوريا. في عام 2016 كانت حلب تحت الحصار، على ما أعتقد، لأكثر من ستة أشهر. وهناك أيضاً فتحت روسيا في نهاية المطاف ممرات إنسانية، لكن غالبًا ما كان المدنيون لا يثقون بها.

المشكلة هي أنه – على سبيل المثال – إذا نظرت إلى الممرات الإنسانية في ضواحي دمشق في عام 2018، فإن الأشخاص الذين قرروا عدم المغادرة لأنهم خائفون تم تصنيفهم لاحقًا كأهداف مشروعة من قبل الجيش الروسي.

مدنيون يحاولون الخروج من حلب المدمرة عام 2016

كانت الرواية أن الناس يمكن أن يغادروا والذين بقوا سيتم اعتبارهم “إرهابيين”. لذا فإن هذه الخطوة تبقى مصدر قلق محتمل فيما يتعلق بما قد نراه في أوكرانيا في المستقبل.

وبالطبع إذا نظرنا إلى قضية ماريوبول ومحاولة إنشاء ممرات إنسانية هناك، فقد ثبت بالفعل أنها مسألة صعبة للغاية. أريد أن أشير إلى تعقيد أخير هنا. عندما أقيمت ممرات في سوريا خارج ممناطق التصعيد، كان هناك عادة نوع من الخيار يقدمه الروس. يمكن للناس الاستسلام وإلقاء أسلحتهم والبقاء؛ أو يمكنهم المغادرة. عادة ما كان الناس يغادرون إلى إدلب.

الآن في ماريوبول لديك مشكلة وهي يبدو أن المدنيين قد أجبروا على الإجلاء إلى روسيا، ويبدو أن حافلات الإجلاء كانت تقل مئات المدنيين من ماريوبول إلى روسيا، حيث أُجبر بعض المدنيين على ما يبدو على تقديم “دلائل بديلة” لما حدث بالفعل في ماريوبول.

 فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية، هناك خوف كبير من أن يستخدمها الجيش الروسي في مرحلة ما. تحت أي ظروف يمكن أن تكون خياراً؟

اسمحوا لي أن أبدأ بالقول إنني أعتقد – بشكل عام – أن الخط الأحمر بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في نزاع مسلح قد ضعف إلى حد كبير بسبب [ما حدث في] سوريا.

حتى بعد أن أعلنت سوريا أنها دمرت مخزونها من الأسلحة الكيماوية، رأينا استخداماً متكرراً للأسلحة الكيميائية في ذلك الصراع. وتعمل روسيا بشكل أساسي على حماية الحكومة السورية من المساءلة أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. لقد فشل مجلس الأمن الدولي والدول الغربية في استعادة جدية هذا الخط الأحمر بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية.

ثم هناك بالطبع السؤال: هل ستستخدم روسيا مثل هذا السلاح في أوكرانيا؟ والسؤال ليس فقط حول ما إذا كانت روسيا ستخشى العواقب والمساءلة أم لا.. تُظهر لنا أشياء مثل  مذبحة بوتشا أن روسيا لا تهتم نسبياً بإلقاء اللوم عليها من قبل المجتمع الدولي بسبب فظائع مثل هذه .

ويبقى السؤال المطروح: هل يعتبرون استخدامه مفيداً؟ متى يكون السلاح الكيميائي خياراً فعالاً في نزاع عسكري؟

إذا نظرنا الآن إلى استخدام حكومة الأسد للأسلحة الكيماوية في سوريا، فعادةً ما كان ذلك متداخلاً عمليًا وتكتيكيًا بشكل وثيق مع حملتها التقليدية ضد المعارضة المسلحة، بهدف إنزال العقاب الجماعي بالمناطق التي تسيطر عليها المعارضة، جنباً إلى جنب مع الحصار واستخدام أعمال العنف العشوائية الأخرى.

تناثرت أجساد الضحايا المدنيين على الأرض بعد انسحاب القوات الروسية من مدينة بوتشا

أعتقد أن الموضوع هنا بالنسبة لأوكرانيا يدور حول السؤال التالي: إذا انتقلنا إلى حرب استنزاف – وأعتقد أن بعض المحللين قد يجادلون بأننا بالفعل في خضم حرب استنزاف – تحتاج فيها إلى إنهاك السكان المدنيين من الطرف الآخر. جنباً إلى جنب مع استهلاك الوقت، هل تعتقد أن استخدام الأسلحة الكيميائية قد يكون منطقياً؟ خاصة إذا كنت لا تعتبر أن تكاليف القيام بذلك كبيرة للغاية؟.

اسمحوا لي أن أنهي حديثي بالقول إنه حتى لو لم تستخدم روسيا الأسلحة الكيميائية في أوكرانيا، فإن هذه الدعاية المستمرة باستخدام “false flag” حول قيام الجانب الآخر بشن هجوم “كاذب” بالأسلحة الكيماوية، هي مسألة مفيدة للحكومة الروسية لعدة أسباب، ذلك أنها تدعم روايتها لسكانها في الداخل بأن تهديد أسلحة الدمار الشامل ينبع في الواقع من أوكرانيا في مواجهة روسيا.

بطبيعة الحال، فإن مجرد احتمال حدوث ذلك يخلق الخوف والرعب في أوكرانيا. ومن ثم يتم التقاط هذه الرواية من حين لآخر من قبل أصحاب نظرية المؤامرة في الدول الغربية، ويتم تضخيمها بما يثير الشكوك حول ما إذا كانت روسيا استخدمت تلك الأسلحة أم لا لتصبح هناك وجهات نظر وتبريرات متعددة حول الأمر. لذا فهذه الاستراتيجية مناسبة للغاية لروسيا بتكلفة قليلة نسبياً، إذا نظرت ملياً إلى الأمر.

المصدر دويتشه فيله DW
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل