“بعد سياسي” وقواعد اشتباك جديدة.. تطورات على الحدود السورية الأردنية

فريق التحرير31 يناير 2022آخر تحديث :
اشتبك حرس الحدود الأردنية أكثر من مرة خلال الأيام الماضية مع مهربي مخدرات قادمين من الأراضي السورية

رغم “دفء العلاقات” بين عمّان الأردنية ودمشق السورية، إلا أن ذلك لم يكن كفيلا، في الأشهر الماضية، لإحداث أي خرق على صعيد أبرز الملفات الشائكة بين البلدين، والمتمثلة بعمليات تهريب المخدرات وحبوب الكبتاغون من الأراضي السورية باتجاه الأراضي الأردنية. 

ومنذ عودة العلاقات بينهما، وما تبع ذلك من اتصالات وزيارات ووفود متبادلة تصاعدت حدة هذه العمليات، وفي الوقت الذي غاب فيه أي تعليق واضح من جانب النظام السوري، استمرت السلطات الأردنية بالإعلان عن عمليات “الضبط والإحباط”، لتأخذ منحى آخرا بعد “ليلة الخميس” (27 يناير 2022). 

وذكر محللون ومسؤولون أردنيون، في حديث لهم لموقع “الحرة”، أن ما بعد تلك الليلة سيكون مختلفا عما قبلها، فهناك “قواعد اشتباك جديدة” سيتم تطبيقها في إطار التعامل مع التهريب، في إشارة منهم لتعاطي مختلف بدأته عمّان، خاصة بعد مقتل ضابطين من حرس الحدود، في أثناء إحباط إحدى المحاولات. 

وأعلن الجيش الأردني في بيان، الخميس، مقتل وإصابة العشرات من مهربي المخدرات على الحدود السورية الأردنية، وقال مصدر عسكري مسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، إن “المهربين كانت تساندهم مجموعات أخرى مسلحة، وتم قتل 27 شخصا وإصابة عدد من المهربين وفرارهم إلى العمق السوري”.

وأضاف أنه “بسبب صعوبة الظروف الجوية وتراكم الثلوج، تم إجراء تفتيش أولي للمنطقة، وعثر على كميات كبيرة من المواد المخدرة، وعمليات البحث والتفتيش ما زالت قائمة للتأكد من خلو المنطقة من وجود أشخاص ومواد مخدرة”.

وبعد هذه الحادثة، نقلت قناة “المملكة” شبه الرسمية، عن مصدر وصفته بالمطلع قوله إن “قوات حرس الحدود الأردنية تواجه تحديات أمنية نوعية مستجدة شمالا مرتبطة بغياب جيش نظامي، وتواجد جماعات إرهابية”.

وأضاف المصدر أن عمّان أرسلت إلى دمشق رسالة مفادها: “إن لم تتصرفوا، فسنحمي حدودنا”، مشيرا إلى أن القوات الأردنية “اضطرت لتغيير قواعد الاشتباك على الحدود، وعزمها التعامل مع من يقترب منها، كهدف مشروع للقتل والتدمير”.

“ضربة قاصمة”

ولم يحدد الجيش الأردني في بيانه، الخميس، المنطقة التي دخل منها المهربون، لاسيما أن الحدود السورية- الأردنية يبلغ طولها حوالي 370 كيلومترا، وتمتد من منطقة وادي اليرموك التابعة لمحافظة درعا، وصولا إلى المثلث العراقي- السوري- الأردني. 

بدوره يقول الصحفي السوري، مدير شبكة “السويداء 24″، ريان معروف، إن عدد القتلى الذين قضوا خلال الضربة “في تزايد”، موضحا أنهم حصلوا على أكثر من 32 اسما. 27 منهم قتلوا وسحبت السلطات الأردنية جثثهم، فيما قتل 4 آخرين داخل الأراضي السورية، وثمانية مازالوا في عداد المفقودين. 

ويضيف معروف لموقع “الحرة”: “أقامت بعض عائلات ذوي أولئك القتلى مواقف عزاء لهم على نطاق ضيق. عدد القتلى يتجاوز الـ40، ومعظمهم من عشائر الجنوب السوري المتوزعة ما بين منطقة اللجاة في ريف درعا الشرقي ومناطق ريف السويداء الشمالي الشرقي”. 

ويصف الصحفي السوري الضربة الأردنية بـ”القاصمة، كون عدد القتلى هو الأول من نوعه في تاريخ الحدود السورية- الأردنية”، لافتا إلى أنهم وثقوا خلال العام الماضي “7 قتلى من المهربين فقط”. 

وخلال السنوات الماضية تضاربت المعلومات بشأن الجهات الأساسية التي تقف وراء عمليات التهريب من داخل الحدود السورية إلى الأردن، ورغم أن القتلى يتبعون، بحسب معروف، للعشائر المقيمة هناك، إلا أنه يؤكد: “هم أشخاص يتم استخدامهم من قبل شخصيات نافذة أمنيا في النظام السوري”.

“هناك شبكات كبرى وأشخاص من المنطقة ينفذون مهامها لاعتبارات مالية واقتصادية”، وفق ذات المتحدث. 

وكانت عدة تقارير غربية ومحلية أشارت إلى ضلوع تشكيل “الفرقة الرابعة” وميليشيات أخرى تتبع لـ”حزب الله” اللبناني في عمليات التهريب التي تتم على أكثر من جهة، والحدود مع الأردن أبرزها. 

ووجد تحقيق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، في 5 من ديسمبر الماضي، أن “قسطا كبيرا من الإنتاج والتوزع لحبوب الكبتاغون يشرف عليه الفرقة الرابعة مدرع في الجيش السوري، وهي وحدة النخبة بقيادة ماهر الأسد، الأخ الأصغر لرئيس النظام وأحد أقوى الرجال في سوريا”.

وأشارت الصحيفة إلى أن سوريا تملك كل المقومات اللازمة لنجاح تجارة المخدرات، إذ يتوفر خبراء لخلط الأدوية، علاوة على مصانع لتصنيع المنتجات التي تخبأ فيها الأقراص، بالإضافة إلى إمكانية الوصول لممرات الشحن في البحر المتوسط، وطرق التهريب البرية إلى الأردن ولبنان والعراق.

ماذا بعد “الضربة”؟ 

وتواصل موقع “الحرة” مع العقيد مصطفى الحياري مدير الإعلام العسكري للقوات المسلحة الأردنية، وفي تعليقه على أسباب تصاعد عمليات التهريب رغم عودة العلاقات بين الأردن وسوريا أجاب بالقول: “الأمر ذو بعد سياسي، ولا نتعرض له في القوات المسلحة”. 

وأضاف الحياري: “سيكون التعامل في الأيام المقبلة بنفس الطريقة التي تمت يوم الخميس وأسفرت عن مقتل 27 مهربا”. 

ولم يعط مدير الإعلام العسكري أي تفاصيل بشأن الجهة التي تقف وراء التهريب من سوريا إلى الأردن، مؤكدا أن “الأمر سياسي”. 

وتابع: “بالنسبة لخياراتنا فهي الاستمرار بتطبيق قواعد الاشتباك الجديدة بكل حزم”. 

من جهته، يشير الخبير الأمني والاستراتيجي، الدكتور عامر السبايلة إلى أن “ظاهرة التهريب على الحدود بين البلدين لم تتوقف، وأدت في الأسابيع الماضية لخسائر بشرية لدى الأردن. بالتالي كان لابد من إرسال رسائل مباشرة وإحداث تغيّر في قواعد الاشتباك”.

ويوضح السبايلة لموقع “الحرة” أن تغيير القواعد “خطوة واجبة، والرد بطريقة حاسمة هو رسالة بحد ذاتها للجميع، وهذا الأمر يضع تحدي أيضا على النظام في سوريا بضرورة ضبط حدوده إذا ما أراد بناء علاقة ثقة وتوسيع التبادل الاقتصادي والدعم السياسي لإعادة دمشق للجامعة العربية”.

وما سبق “يصب في أن يلعب الجانب السوري دور أكبر في هذا الموضوع”.

وبحسب الخبير الأمني: “موضوع المخدرات عابر للحدود وقد تكون عصاباته قوية اليوم ومرتبطة بإرهاب وتنظيمات، لكن في النهاية لا يمكن أن تستمر الظاهرة، وعلى الطرف السوري أن يثبت حسن النوايا في التعاون لإنهاء ظاهرة التهريب”. 

“ملايين الحبوب” 

وعلى مدى السنوات الماضية أصبحت سوريا، بنظر دول عربية وغربية “دولة مخدرات”، وارتبط ذلك بكم الشحنات الكبيرة التي خرجت منها وعبرت الحدود لتصل إلى مصر والسعودية والأردن ودول أبعد، كإيطاليا واليونان ورومانيا. 

وتنوعت هذه الشحنات ما بين “حبوب الكبتاغون” و”أكف الحشيش”، بينما اختلفت طرق تهريبها. تارة بعلب الحليب وأوراق الشاي، وأخرى ضمن لفافات الورق المقوّى وأطباق البيض وحبات الفواكه.

وبحسب تقارير أمنية لعدة دول، فإن النظام السوري يعتبر المسؤول الأول عن تهريب وتصنيع ما تحتويه هذه الشحنات، التي تحولت شيئا فشيئا إلى “مكسب تجاري كبير”، يعود بالفائدة الاقتصادية عليه من جهة، وعلى “حزب الله” اللبناني الذي ينتشر وكلاؤه في مناطق متفرقة داخل سوريا من جهة أخرى.  

وكان هذا “المكسب التجاري” قد طرأت عليه عدة تحوّلات، أبرزها أن إنتاجه لم يعد خارج الحدود، لتتحول سوريا من بلد لعبوره إلى باقي دول العالم، إلى المنشأ الأول للتصنيع، وهو ما أشارت إليه تقارير لوسائل إعلام غربية، بينها صحيفة “الغارديان”. 

ونشرت قناة “المملكة” الأردنية إحصائية، السبت، قالت فيها إن عمّان ضبطت نحو 1.4 مليون حبة كبتاغون في 2020، بينما أحبط تهريب أكثر من 15 مليون حبة مخدرة “كبتاغون” عام 2021.

كما أحبط محاولة تهريب نحو 5.5 مليون حبة كبتاغون في الأسبوعين الأولين فقط من عام 2022، بحسب الإحصائية الحديثة.

“منافذ كثيرة”

وفي غضون ذلك تحدث الخبير العسكري العقيد إسماعيل أيوب عن “منافذ كثيرة” للتهريب على طول الحدود السورية- الأردنية، موضحا أن “مناطق جنوب السويداء حتى المثلث العراقي- الأردني- السوري مفتوحة”. 

ويضيف لموقع “الحرة”: “أعتقد أن معظم حملات التهريب تكون من خلالها”.

وبشأن طريقة التعاطي الجديدة، التي أعلنت عنها السلطات الأردنية، يرى أيوب أن “تصريح القيادة الأردنية بأن وراء المهربين جهة أمنية هو اتهام ضمني للجانب السوري، بأن هناك قوى أمنية تتبع للنظام وإيران وتقوم بحماية المهربين”.

وبشأن تغير قواعد الاشتباك، يوضح المحلل العسكري: “ذلك يعني أن حرس الحدود الأردني سيتعامل مع المهربين بطريقة مختلفة. أي الاشتباك المباشر دون الرجوع للقيادة وانتظار المعلومات”. 

ويستبعد أيوب أن تتوقف عمليات التهريب بعد الخطوة الأمنية الأردنية، معتبرا أن “الظاهرة ستستمر سواء عبر حفر أنفاق في الشطر الغربي من الحدود أو من تخوم الصحراء والحدود الطويلة شرقي السويداء”. 

“ربما تكون هناك عمليات حربية أردنية داخل الحدود السورية، وربما تشترك فيها الآليات الثقيلة والمتوسطة، خاصة في حال لم يضبط الجانب السوري الأمر”، بحسب أيوب.

لكن وعلى الطرف المقبل، تحدث المحلل السياسي المقيم في دمشق، الدكتور علاء الأصفري عن عدة عمليات وضبطيات أقدمت عليها السلطات السورية في الفترة الماضية، لمكافحة عمليات التهريب. 

ويقول الأصفري لموقع “الحرة”: “سوريا تبذل كل الجهود الممكنة للحد من تصنيع المخدرات والحبوب أو عبورها من الأراضي السورية إلى الداخل الأردني”. 

واعتبر المحلل السياسي أن “تداعيات الحرب ساهمت في إشاعة عمليات التهريب كون الحدود غير منضبطة على طول المسار سواء في الشمال أو الجنوب”، مشيرا: “أعتقد خلال أشهر سيتم إحكام السيطرة على الحدود الأردنية، وبالتالي ضبط ظاهرة التهريب”. 

وسبق أن نشر موقع “الحرة” تقريرا بعنوان: “المشروع الكبير.. هل ينعطف النظام السوري بدولة المخدرات؟. وفيه أشار محللون وباحثون سوريون إلى أن المسار الذي بدأه النظام السوري في الإعلان عن ضبط عمليات التهريب “يصب في إطار تغيير السمعة، التي لصقت بالمناطق الخاضعة لسيطرته، منذ سنوات”.   

وفي المقابل، يحاول النظام “تبرئة نفسه” من الصناعة والتجارة وعمليات التهريب داخل البلاد وخارجها، خاصة أن الاتهامات مرتبطة في معظمها بشخصيات مقربة منه، وأخرى على ارتباط بـ”حزب الله” اللبناني.

المصدر الحرة
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل