القانون لا يحمي المغفلين

وفاء علوش
2021-06-26T01:11:17+03:00
تدوينات
وفاء علوش26 يونيو 2021آخر تحديث : السبت 26 يونيو 2021 - 1:11 صباحًا
وفاء علوش
61619616 2369527376657123 938424275134578688 n - حرية برس Horrya press

تبدو الجملة مفجعة ربما بما توحي به من عدم الإنصاف ومجافاة مبدأ العدالة، فالقانون بمفهومه العام عليه أن يحقق العدالة لفئات المجتمع المختلفة (المغفلين وأصحاب العقول على حد سواء)، وإذا كان عليه أن يحمي أحداً فعليه أن يحمي الفئات الاجتماعية الأقل قوة، التي لا تتمكن من مجابهة الظلم.

ابتدع المشرع هذه الجملة لتكون أداة لتشجيع العامة من غير دارسي القانون بضرورة الاطلاع عليه وفهمه، والعمل على جعل الثقافة القانونية بالحقوق والواجبات أمراً ضرورياً لدارسي القانون وغيرهم، إلا أن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً وبقي القانون قصراً منيعاً على غير الدارسين أو المهتمين لأسباب مختلفة.

تحيط بهذا المبدأ كثير من التحفظات منها عدم إنصافه من ناحية ومنها حالة التعالي التي يمارسها القانون تجاه من لا يفقهونه، غير أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن جهل الأفراد بحقوقهم يعد سبباً مهماً لتردي الأحوال القانونية والاجتماعية.

يعد القانون الوسيلة التي استخدمتها الدول بسبب حاجتها إلى قواعد ملزمة تنظم عمل الأفراد بعضهم مع البعض الآخر أو الأفراد مع الدولة، من أجل إحلال العدل بين الناس أولاً ولمنح المستضعفين الذين يستقوي عليهم أصحاب النفوذ المادي والمعنوي حقوقهم.

من أين ستعرف المرأة غير المتعلمة التي تسكن في أماكن بعيدة عن مراكز التعلم حقوقها القانونية تجاه زوجها الذي يعنفها

غير أن ذلك الجانب اختفى مع مرور الوقت بفعل سيطرة عوامل تؤدي إلى استغلال القانون لصالح فئات معينة، مستفيدين من (غفلة) المواطنين وجهلهم بحقوقهم وتطبيق القانون بما لا يتناسب مع ظروفهم الحياتية.

فمن أين سيعرف الطفل المشرد في الشارع حقوقه على الدولة التي لا تعتني به، أو من أين ستعرف المرأة غير المتعلمة التي تسكن في أماكن بعيدة عن مراكز التعلم حقوقها القانونية تجاه زوجها الذي يعنفها.

لا يجب الفصل بين المسعى القانوني لتحقيق العدالة وتحصيل المكانة القانونية للأفراد من الفئات المختلفة عن المسعى الاجتماعي، ذلك أن كلاً منهما يكمل الآخر ويشكل حاضنة له وسنداً لتطبيقه.

يستغل القانون الوضعي في دول كثيرة ومنها سوريا الدين الإسلامي على أنه مصدر من مصادر التشريع، ويعمل على كسب تعاطف المجتمع المتدين والمحافظ فيتذرع به منعاً للتغيير، كما يستغل جهل الناس بالتفسيرات التي قد تكون محل لبس أو إشكال.

كذلك يستغل القانون أيضاً جهل المرأة بحقوقها في بعض الأحيان وخوفها من رد الفعل الاجتماعي، خاصة وأن المصطلحات القانونية فضفاضة وقابلة للتأويل وبالتالي تؤدي إلى اختلاف الأحكام.

في حادثة غير بعيدة أيضاً، على صعيد القانون الدولي فقد أعاد العالم تدوير نظام الأسد وحاول أن يفرض وجوده مجدداً في المحافل الدولية والمنظمات ضارباً بالعدالة عرض الحائط ومطيحاً بكل المآسي والأوجاع والجرائم الوحشية التي ارتكبها وكأنه يضع مخرزاً جديداً في أعين المكلومين، الأمر الذي لا يمكن إلا أن ينعكس على وجهة نظر الشعوب وإحساسها تجاه العدالة وما يتم تداوله بخصوص حقوق الإنسان.

السؤال الجوهري إذن في فلسفة الغاية من سن القوانين، هو كيف ترى الفئات الاجتماعية الأكثر معاناة القانون؟ وكيف يرى مفهوم العدالة ومدى رضاه عن تطبيقها وإحلالها في مجتمعاتنا العربية وفي الدول التي لا تعد (دول قانون) بمعنى الكلمة؟ التي يصبح فيها القانون بتأويلاته وعدم تطبيقه أداة للأقوياء والمتنفذين من أجل تحقيق مصالحهم على حساب الفئات المهمشة.

غالباً تفقد الفئات سالفة الذكر الثقة بالمنظومة القانونية وتفقد إيمانها بالدولة أو ارتباطها بالوطن من جراء فقدانها إحساسها بالعدالة، وقد ينعكس ذلك على تغير سلوك الفئات المهمشة ليصبح سلوكاً متناسباً مع حالة انعدام القانون ويسعى إلى تحقيق منظومة أخرى تؤمن مصالحه أو الاندماج في منظومة الفساد القانوني ذاتها.

يبدو الحل ببساطة متمثلاً بمحاولة العمل على وضع قانون وضعي حقيقي وفعال يضمن مبادئ العدالة بين أفراد المجتمع، مرتكزاً إلى مؤسسات دولة حقيقية الأمر الذي تفتقر إليه الدول التي تطفو فوق بحر من الفساد.

لم يصل المشرع العربي بما اقتبسه من قوانين وحاول تطبيقها على دولنا إلى تحقيق حالة من الوفاق بين المجتمع والقانون، فكانت معظم القوانين المسنونة بمنزلة محاباة لأعراف المجتمع المجحفة في كثير من الأحيان الأمر الذي شكل ضربة قاضية قسمت ظهر القانون وجعلت منه أداة اجتماعية أكثر مما رسخت سيادته على المجتمعات والأفراد كافة.

علاوة على أن الدراسات القانونية اكتفت ببيان مواطئ الضعف والنقص والتوصية بإجراء بعض التعديلات على قوانين بعينها وسن قانون وضعي لمختلف الفئات، غير أنها لم تتعرض إلى الحث على العمل على تثقيف القاعدة الاجتماعية وجعل القانون في متناول الجميع.

إن مهمة القانون الوضعي لا تتمثل بتعزيز سلطة العرف الاجتماعي وسن القوانين المتوافقة مع قيمه التراثية والدينية، وإنما يجب عليه تقويم قصور ما عجزت عنه الأعراف على اختلافها، وأقرب مثال على هذا جريمة الشرف فالأمر الأكثر مدعاة للاستغراب لا يقتصر على المطالبة بإلغائها، بل يمتد إلى ضرورة محاكمة وتحليل أسباب المشرع الذي من المفترض أن يراعي مبدأ العدالة غير أنه استند إلى العرف لسن مثل هذا القانون.

متى فقد الإنسان إحساسه بالعدالة، فإنه يفقد بالضرورة الرابط الذي يبقيه مع بلاده أو مع عالمه المحيط

لا يفتأ الإنسان في قرارة نفسه يبحث عن اللحظة التي يسترد فيها ما هو حق له، لذلك نراه يستكين إلى فكرة القواعد الملزمة التي قد تسنها السلطات المفترضة واضعاً ثقته فيها، رافضاً تصديق فكرة أن تلك السلطات قد لا تتسم بالعدالة أو أنها قد تخفق في تحقيقها.

لكن القوانين التي يفترض أنها تعمل على تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع قد تحيد عن ذلك المبدأ في مرات كثيرة، كما أن كثيراً من الجرائم قد تفلت من عين القضاء والقانون وتبقى من دون عقاب.

متى فقد الإنسان إحساسه بالعدالة، فإنه يفقد بالضرورة الرابط الذي يبقيه مع بلاده أو مع عالمه المحيط.

ربما تختلف النتيجة بين المسعى والتطبيق، فحتى وإن كانت غاية سن القوانين تحقيق العدالة فإن من يستفيد منها في الحقيقة هم القادرون على التلاعب بها أو الاستفادة منه ثغراتها أو الإطاحة بها في أحيان كثيرة، فيما يترك ذلك أثره على المستضعفين وعديمي الحيلة الذين كان على القانون أن يحميهم.

المصدرتلفزيون سوريا
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة