من يمثل صوت الجياع في الداخل السوري؟

هدى أبو نبوت
2021-03-24T20:22:31+02:00
آراء
هدى أبو نبوت24 مارس 2021آخر تحديث : الأربعاء 24 مارس 2021 - 8:22 مساءً
FB IMG 1531408005104 002 - حرية برس Horrya press

تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي صوراً مؤلمة لمشهد جديد يعيشه السوريون في طوابير طويلة في انتظار الحصول على أبسط مقومات الحياة من خبز ووقود والمواد الأساسية كالطحين والزيت والسكر.

على الرغم من الحرب الطاحنة التي شهدتها سوريا خلال العقد الأخير والتي لم تنته حتى الآن لكن في أقسى صورها لم يتحول المواطن لمتسول على أبواب الدوائر الخدمية المختلفة كما الحال في العام الأخير.

انهيار مرعب لليرة السورية ألقى بظلاله على ارتفاع مخيف في الأسعار لا تتناسب مع الدخل المحدود الذي لا يكفي لسد احتياجات المواطنين من الخبز ودفع الضرائب للدولة التي لا تقدم أبسط الخدمات.

في أحدث الإحصاءات تصدرت سوريا قائمة الدول الأكثر فقرا بالعالم، حيث يعيش أكثر من ٨٠% منه تحت خط الفقر في دولة تعتاش على إرهاب مواطنيها وفساد الفئة الحاكمة وتجار الحرب الجدد الذين يتقاسمون الكعكة بعيدا عن أفواه الشعب الجائع.

على الرغم من عدم قدرة النظام على تقديم أي حل يحسن الوضع الاقتصادي في المدى المنظور يستكمل خططه أيضا في الترتيب لانتخابات قادمة لتمديد الحكم ليتحول لحاكم ليس فقط على جماجم السوريين الذين قتلهم خلال العقد الأخير بل لحاكم على البطون الخاوية فهل يستمر المشهد دون أي تغيير؟

يتفائل بعض السياسيين والعاملين بالشأن العام بأن موجة الجوع الحالية لا يمكن أن تستمر لفترة طويلة ولابد من حلول تضطر أن تطرحها الدول الفاعلة في الملف السوري ومن بينها الدول الداعمة للنظام كروسيا وإيران لعدم قدرتهما وحدهما على دعم النظام اقتصاديا بالتالي سيضطرون لإيجاد حل توافقي مع القوى الأخرى ،أمريكا وتركيا لانتقال سياسي او تسوية سياسية تضمن مصالح الجميع.

لو افترضنا أن الحل السياسي المطروح قادم لا محالة إن كان في المدى القريب أو البعيد بكل الأحوال سيبقى هناك سؤال لم تتم الإجابة عنه حتى الآن: من سيمثل هذه الفئة من الشعب، الفئة المسحوقة والتي باتت على شفا المجاعة والتي لا يمكننا أن نضعها كلها في سلة المواليين للنظام لأن الاغلبية غير مستفيدة من هذا النظام بل هي لاتملك خيار أخر لأنها اصبحت رهينة مقموعة لايمكنها المطالبة بأبسط حقوقها خوفا من التغيب في سجون الاعتقال ولا تجد من يمثلها في الوقت الراهن واللاحق.

على الرغم من تشتت المعارضة في الخارج والأوضاع المأساوية التي يعيشها أكثر من ٩ مليون سوري في الشمال السوري ودول اللجوء إلا أن الثورة أفرزت جيلاً من الممكن أن يتم البناء عليه في يوم من الأيام إذا وجد الظروف المناسبة للتنظيم والدعم وهناك سقف من المطالب المشتركة التي يمكن أن يتم الاتفاق عليها وإن تعثر تطبيقها جميعا بالمدى القريب لتعقيد المشهد السوري وكثرة اللاعبين الإقليميين فيه ولكن يبقى هناك خطوط عريضة تجمع المعارضين لنظام الأسد تحت تلك الخطوط يتم التفاوض والتقدم خطوة أو التراجع خطوات وهكذا.

لكن إذا تمعنا في المشهد الداخلي السوري الحالي انقسم الشعب الذي كان يوصف موالي للنظام لفترة قريبة، إلى لفئة مستفيدة قليلة جدا وتعتاش على الفساد واستغلال الأغلبية الجائعة التي لم تعد تفكر إلا بوجبة الطعام القادمة.

هناك من يعول على ثورة قادمة تخرج من رحم المعاناة والجوع ونسمع بالأيام الماضية بمصطلحات كبيرة (ثورة الجياع قادمة) في قناعة منهم أن التاريخ لا يخطئ المؤشر وأن الثورة الفرنسية التي غيرت تاريخ البشرية المعاصر خرجت من البطون الجائعة، ولكن لا يمكننا اجتزاء النتائج دون العودة للأسباب المنطقية التي ساعدت الثورة الفرنسية على الإستمرار والنجاح، فهي لم تكن تعتمد على غضب الشعب الجائع وانفجاره فقط بل كان هناك مجموعة داعمة من المتنورين والمفكرين الفرنسيين الذين كانوا جنبا إلى جنب الثوار الجائعين حتى استطاعت أن تستمر وتحقق بعد عقود أهدافها الحقيقية.

فأين هم ممثلو الشعب السوري الجائع في هذه المرحلة؟ وهل سنرى في الفترة القادمة تحركات شعبية بعيدة عن العشوائية تنظم نفسها وتقدم أسماء وشخصيات تعبر عن تطلعات ومصالح هذه الفئة؟ هل يملك النظام القدرة على قمع جميع الأصوات المرتفعة كما فعل خلال السنوات العشر الماضية؟ أم أن الأزمات المتلاحقة التي تلاحقه ستترك ثغرة تسمح للشباب المتذمرين والغاضبين بالتعبير والتنظيم والثورة؟

هل بات من المجدي بعد عشر سنوات أن تبقى المعارضة الخارجية مفصولة بشكل تام عن مايحدث بالداخل؟ وهل هناك أمل بإعادة الثقة بين الخارج والداخل لبلورة مطالب تمثل جميع فئات الشعب السوري مادام الظلم والإقصاء والفساد وحتى الجوع لم يسلم منه أحد؟

في مراجعة عقلانية لنتائج الثورة والحرب وكل الخسارات بات واجب على الجميع نبذ الخلافات والمصالح الشخصية الضيقة وتجاوز الأخطاء وفصل الهرم المتمثل بالنظام عن القاعدة التي تعكس واقع الشعب المغلوب على أمره بالداخل والتفكير بآليات بناء ثقة تعيد ترتيب الصفوف من جديد لمساعدة الشعب كل الشعب في الخارج والداخل على الخروج من هذه الدوامة والعمل بصبر انطلاقا من ثوابت وطنية لا إقصائية ولا ثأرية للوصول لصيغة توافقية قابلة للتطبيق عندما تتاح الفرصة للتحرك فالساعة لا تنتظر أحد وإذا إستمر الوضع الراهن دون تغيير سيبقى الشعب السوري خارج المعادلة تماما في أي حل سياسي قادم.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة