الأم المطلقة بين محاولة إثبات الذات.. والضغوطات

لبابة الهواري
2021-02-23T19:55:44+02:00
المرأة والطفل
لبابة الهواري23 فبراير 2021آخر تحديث : الثلاثاء 23 فبراير 2021 - 7:55 مساءً
لبابة الهواري
920381 1937097619 - حرية برس Horrya press

لبابة الهواري – حرية برس:

ما إن تطأ المرأة عالم الطلاق مرة أولى حتى تكتشف أن المعركة الحقيقة ابتدأت الآن، وأن كل ما واجهته سابقًا كان زاوية صغيرة لا تتجاوز شخصًا أو عائلة. هنا تقف أمام خيارين إما أن تكمل معركتها لتثبت ذاتها إنسانة ناجحة وأمًا قادرة على إدارة أمورها، أو تترك لمن حولها قيادة الأمر وتكتفي بدور التابع للقرارات والأوضاع، الباكي على النتائج!

ولا أعتقد أن الأم المطلقة في مجتمعنا تجنح للاستسلام بسهولة، سواء كان الطلاق اختيارًا بإرادتها، أم أجبرت عليه، وفي الحالتين لابد من أسباب وجيهة اقتضت الوصول لهذه الحالة ولست بصدد مناقشتها. لكن الوصول إلى هذه النقطة يدفعني للحديث عما تواجهه الأم المطلقة حين تحاول المضي قدمًا في طريقها، فما يحدث هو أن المعوقات تبدأ بالتشكل كقيود تأسر الحركة وتحدها. ولأبدأ بالقيد الأكبر وهو القيد المجتمعي.

لسبب لا أعرفه، وأحسب أنه تشكل في اللاوعي الجمعي المجتمعي؛ يُنظر للمطلقة في المجتمع بدونية كمن اقترف ذنبًا ولا بد من عقوبة عليه، هذه النظرة الدونية تظهر بسوء المعاملة والرفض وأحيانًا بالكلمات غير اللائقة أو غمزٍ ولمزٍ مزعجين، وفي حالات معينة يتجاوز الأمر ليصل إلى التجريح الصريح بالكلام غير اللائق والاتهامات، ولا أعتقد أن هناك طريقة واحدة للردّ على كل هذا، فلكل موقف طريقة تعامل تناسبه؛ قد يكون الردّ هو أفضل الخيار في بعض الحالات، وقد يكون التجاهل هو الأفضل في أحيان أخرى، وربما الشرح والتوضيح يكون خيارًا.. لكن الأهم من كل هذا هو عدم التأثر أو الانتقاص من النفس نتيجة للكلام الباطل والاتهامات الزائفة، أو خانة تأنيب الضمير التي تجرنا إليها العبارات مثل “لماذا لم تصبري؟” ” لو أنك احتملت من أجل الأطفال” وغيرها.. كل هذه العبارات لم يعد لها أي مكان في الوضع الحالي، وما علينا سوى التعامل مع الواقع وفق الخطة التي بدأنا بها، لذا العودة للتفكير بما جرى لن يفيد سوى التراجع وعذابات الضمير والتعب النفسي، ولأكون أكثر وضوحًا سيتحدث من يتحدث ويصمت من يصمت مع الوقت سيعتاد الجميع على وجود مطلقات ناجحات يكملن طريقهن وستتغير النظرة المجتمعية.. مسألة وقت!

هذه النظرة المجتمعية لا تؤثر على المطلقة فحسب؛ بل تتجاوزها لتؤثر على عائلة المطلقة، فيبدأ الأهل بالتضييق على ابنتهم المطلقة بحجة “ماذا سيقول المجتمع؟” وتحت هذا البند تبدأ الضغوط العائلية بالممارسة حتى في أبسط الحقوق العادية المتعلقة بالوظيفة والعمل والخروج والترفيه وغيرها، ولست هنا لأحرض الفتاة على عائلتها، فأنا ضد المواجهة مع العائلة جملة وتفصيلًا لكن على قناعة تامة أن الحوار لغة توصل إلى الحلول مع الوقت، وأن الصراحة والاستعانة بأمثلة من المحيط، وربما أصدقاء مقربين للعائلة قد يخفف حدّة ردّ الفعل العائلي، وستعتاد العائلة على ابنتهم المطلقة التي تستطيع الاعتماد على نفسها، وشقّ طريقها دون أن يكون الطلاق عائقًا.

ولعلّ ما يساند المطلقة في بداية طلاقها هو الحصول على عمل يحفظ لها ماء وجهها، حتى لا تكون عالة على أحد أو تشعر أنها تسبب عبئًا ماديًا، لذا فأنا أرى أن أولى الخطوات نحو شقّ طريق صحيح هو البحث عن وظيفة فور الطلاق، الأمر الذي سيجعل المرأة مكتفية من الناحية المادية، بل ربما تبدأ بالتفكير في مشاريع أخرى تعينها مستقبلًا، بالإضافة للدور الكبير الذي يلعبه العمل في تحقيق الذات وملء الوقت، وتجاوز المرحلة الأولى من الطلاق.

يبقى أمر بالغ الأهمية يقف في كثير من الأحيان أمام محاولة الأم العمل أو الدراسة وهو وجود الأبناء في حضانة الأم، إذ إن كل محاولة للأم بترك أبنائها تكون غاية في الصعوبة، وهنا لابد من تريب الأمر وفق الأولويات، فإن كان الأبناء في سنواتهم الأولى فأنا أرجح بقاء الأم معهم لحاجتهم القصوى لوجودها ورعايتها مالم تفرض الظروف عكس ذلك، ثم بعد مضي هذه الفترة ورغبة الأم بالدراسة أو العمل فمن المهم توفير مكان يرعى الأبناء سواء كان في بيت أحد من العائلة، أو حضانة أو روضة وغيرها، مع مراعاة قضاء الطفل الوقت بما ينمي ذكاءاته.

يبقى الأمر الأكثر صعوبة وهو تأنيب الضمير الذي يلاحق الأم كلما تركت أبناءها سواء مع أحد تثق به أم في الحضانة والروضة، لا سيما عندما تمتدّ ساعات ترك الأبناء للفترة المسائية لضرورة التعلم أو الدراسة وغيرها، ويمكن ترتيب الأمر مع الأبناء بعدة خطوات لتنظيم العلاقة والتخلص من تأنيب الضمير:

الخطوة الأولى قضاء وقت نوعي مع الأطفال قبل أو بعد الفترة التي سيم تركهم بها، وأقول نوعي بمعنى التفرغ لهم خلال هذا الوقت الخاص بهم، وهو ما يسميه ستيفن كوفي باللقاءات الفردية مع الأطفال وينطوي تحتها اللقاءات، والمواعيد، وأوقات التعليم، وأوقات التنزه الخاصة بهم، ولن أحدد وقتًا، وإن كان بعض التربويين يرون أن ربع ساعة نوعية يوميًا تكفي الطفل في مرحلة الطفولة، بينما يجب زيادة الوقت في رحلة المراهقة لحاجات المراهق المختلفة. لكن ما أريد التركيز عليه هو خلق هذا الوقت النوعي وقضاؤه مع الأبناء يخفف من تأنيب الضمير ويخلق علاقة عميقة معهم. 

الخطوة الثانية هي تجاهل شعور تأنيب الضمير في حالة تخصيص وقت للأطفال، فكل شعور نفكر به باستمرار يتضخم في عقولنا ويسيطر علينا، لذا فالتجاهل حل لتخفيف الأمر مع الوقت.

الخطوة الثالثة توضيح الأمر للأبناء أن هذا الوقت سيكون للأم، وسيكون هناك وقت مشترك لتعويض الغياب، ولن يتفهم الأبناء في البداية بسهولة، لكن مع الوقت تتضح الصورة وتكبر الثقة بوجود وقت لهم. لذا فالالتزام بالخطوة الأولى أمر في غاية الأهمية.

الخطوة الأخيرة؛ حالة الطوارئ، تعرض لنا في كثير من الأيام أوقات طارئة تغير خطتنا اليومية، وأوقاتنا وقد تمتد لعدة أيام لا نستطيع معها قضاء أي وقت مع الأطفال، والحل هو وجود خطة تعويضية فكما قضينا عدة أيام نتيجة للظروف دون وقت معهم؛ نقوم بقضاء عدة أيام معهم دون أي أمر آخر. هذا التعويض يعيد توازن الأمور.

في النهاية كل طريق جديد وله عوائقه، والعاقل من استعان بالحلول والمحاولة للوصول، والأمر يستحق المحاولة مرة بعد مرة، فما يترتب عليه سيغير حياة الأم وأطفالها.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *