رسالة صادقة! (قصة قصيرة)

لبابة الهواري
2021-01-04T16:17:12+02:00
أدب وفنونثقافة
لبابة الهواري4 يناير 2021آخر تحديث : الإثنين 4 يناير 2021 - 4:17 مساءً
لبابة الهواري
95886537 2620668108254816 4758431307036360704 n - حرية برس Horrya press

بإيماءة سريعة رددت على الضابط حين سألني عن استعدادي فيما خرج صوتي بثبات مصطنع “نعم سيدي”

بدت علامات الارتياح على وجه الضابط الذي وقف تاركًا مكتبه ومتقدمًا نحوي ليضع يديه على كتفي برفق على غير عادته، مسدّدًا نظرات جادّة نحو عيني مباشرة وهو يقول: “أعتمد عليك يا حسن” ثم استدار ليجلس على الكرسي المواجه للمكتب مباشرة.

شعرت بكهرباء تضرب جسدي وتجعل وقوفي مرتجفًا، فيما تعالت ضربات قلبي وتلاحقت أنفاسي إثر هذا الالتحام الجسدي المفاجئ الذي حمل الرجاء والحزم في آن واحد!

لم يسبق لي أن رأيت الضابط حسام حنونًا مع أحد أو يرجوه ليفعل شيئًا ما، بطريقة أو بأخرى كانت أوامره حد سيف لا تقبل المفاوضات ولا تحمل الاعتراض، من يخالف يتعرض للعقاب والسجن في المعسكر.

 “إنها الحرب ولا وقت للمجاملات أو المساومات فيها” هذه العبارة التي يرددها علينا صباح مساء، مع كل أمر ومواجهة.

حاولت العودة لوضع الثبات متجاهلًا ما حدث قبل بضعة ثواني، أتاني صوت الضابط من خلفي “حسن تفضل إلى مكتبي.. المايكرفون هناك”

تحركت بخطوات عسكرية هادئة ووقفت بجانب المكتب

“هل ستقول الكلمة وأنت واقف هكذا كصنم؟ اجلس بني” رفعت نظري بسرعة إلى الضابط محاولًا استيعاب الكلمة الأخيرة التي قالها “بني؟ بني؟” هل حقًا ناداني بها؟” بقيت مرتبكًا لا أعرف ما سأفعله

أتاني صوته من جديد “هل ستجلس أم تخالف الأوامر وتتعرض للعقوبة” وتعالت ضحكته في المكان فيما نفذت الأمر دون أي تفكير أو استيعاب

ضاعت نظراتي بين مكتب الضابط والغرفة التي رأيتها لأول مرة من زاوية جديدة، رأيتها بعيني الضابط كما ينظر إلينا حين نقف أمامه، مساحة الغرفة لم تكن تتجاوز الأربعة أمتار مربعة لكنها تبتلعنا حين نقف في انتظار أوامر جديدة، أو عقوبات جديدة على تقصير، أو اعتراض.. لأول مرة شعرت أن مساحة الغرفة كبيرة وأن جدرانها ابتعدت لتضم نصف مساحة المعسكر لها، لحظتها فهمت كيف يمارس الضابط سطوته علينا، من يجلس هنا يشعر أنه ملك!

اعتدلت في جلستي سريعًا وأنا أرى الضيق بدأ يلم بملامح الضابط حسام، أمسكت الميكرفون بيدي وحاولت تشغيله، لم يسبق لي رؤية الميكروفون الذي يتكلم به الضابط ويبث فيه الأوامر والتعميمات العامة، لا أدري أين يضعه عادة، لكن ما أعرفه أن صوته كان يصل لكل غرف المعسكر الجاهزة الصنع فيتردد فيها الصدى عدة مرات قبل أن ينتهي الحديث..

ضغطت على زر البث ليصل الصوت إلى غرفة الوحدة العسكرية حيث يجلس زملائي في وقت الاستراحة قبل النوم، قلت بصوت متردد منخفض “واحد.. اثنان.. ثلاثة.. تجربة.. تجربة”

 لم أشعر أن الصوت تردد بالميكرفون، نظرت باستغراب والعرق يقطر من جبيني ويدي تقلب جهاز الميكرفون فيما جلجلت ضحكت الضابط في الغرفة “يا لك من ساذج ضغطت على زر الإغلاق وليس الفتح”

حاولت بلع ارتباكي وخيبتي واستأذنت الضابط لأخذ خمس دقائق لجمع أنفاسي قبل البدء، فوافق على مضض

أسندت يدي على المكتب محاولًا السيطرة على الارتعاش الذي غزاني، لست شخصًا مترددًا، ولم أعرف الارتعاش إلا حين لمسته بيد هدى.. يومها انتقل الارتعاش لقلبي مباشرة

..يداها ترتجف وتتجنب النظر لعيني لئلا تخذلها دموعها فيما يتهدج صوتها في ساعات الوداع الأخيرة، رجوتها أن تتماسك، ووعدتها بالعودة قريبا، لكن وعودي أتت خاوية لا روح فيها، فلم أكن أعرف لم أجرّ إلى هذه الحرب، وما الجدوى من وجودي في صفوف المقاتلين وأنا الكافر الأول بالقضية كلها، غلبني حنقي في تلك اللحظات فقلت بقهر

  • اللعنة على قوانين التجنيد الإجبارية وعلى كل الحروب والرؤساء وكل المقاتلين! الحرب لا تطال إلا الأبرياء ولا يشعلها إلا الظالمون المختبئون في قصورهم.

ساد الصمت لدقائق قبل أن يأتيني صوتها باكيًا وهي تستند إلى كتفي “ماذا إن حدث لك شيء؟ ماذا سأفعل بنفسي”

أتى سؤالها عصيًا على التوقع والإجابة، مباشرًا للقلب الذي بالكاد يثبت في وداعها

أمسكت بكتفيها وأنا أنظر في عينيها الناعستين ووجها النحيل الذي انكمش في هذه اللحظات..وقلت قبل أن تغلبني دموعي “أعدك.. سأعود”

وفي قرارة نفسي لا أعرف إن كنت سأفي بالعود أم سيكون ضربًا من جنون

عانقتها ومضيت.. ومضت معي رعشتها التي تصيبني كلما امتلأت بالجزع والخوف من الفقد، ماذا إن لم أعد؟ ماذا إن حدث لها شيء؟!!

“نبدأ؟ ” أتاني صوت الضابط مرة أخرى ليعيدني للمهمة التي تستهلك روحي قبل جسدي

لماذا لم يرسلني للقتال أو المراقبة هذه الليلة؟ لماذا اختارني لأقول رسالة أحفز بها زملائي؟ لماذا أنا؟ أنا أحتاج لتحفيز وتشجيع لأستمر قبل أن أنهي حياتي أو أهرب أو أجن! ما الذي جعله يختار جنديًا لا يؤمن بكل ما يحدث ليبث الحماس في المعسكر؟ لم أعرف الضابط حسام إلا حكيمًا في قرارته.. لكن قرار اختياري جعلني أضرب بعرض الحائط حكمته وأعطيه صفة الحماقة! لست أهلًا لهذه المهمة

اعتدلت في جلستي وأنزلت القبعة العسكرية عن رأسي لأمسح العرق المتصبب وأنا أقترب من الميكرفون وأفتح الورقة التي سأقرأ منها الكلمة

ثلاثة أيام وأنا أعدّ لكتابة هذه الكلمة،

” فيها من الكذب والنفاق والخداع ما يكفي لتحفيز جيش بأكمله” هذا ما أسررت به لصديقي وهو يكتم ضحكاته من المهمة التي اخترت لها

أمسكت الميكرفون ورعشة هدى تجري في يدي فيما ضغطت يدي الأخرى على زر البدء

وبدأت

صوت متهدج.. عرق متصبب.. يد مرتجفة.. وكلمات تشبه كل شيء إلا الحماس

“رفاق الكفاح..” صمت قليلًا وأعدت النداء بصوت أعلى محاولًا السيطرة على ارتجاف الصوت “رفاق الكفاح.. أيها الأشواس” انتبهت لنفسي بعد أن نظر الضابط إلي نظرة استهجان.. أعدت الكلمة بسرعة ” أيها الأشاوس”

رددتها ثلاث مرات كمن يردد تعويذة مسائية

“نقدم اليوم على حرب ضارية.. من أجل بلدنا …….” صوتي يعلو وينخفض محاولًا أداء المهمة التي تدربت عليها كيثرا، عيني على الورقة حتى لا أخطأ، لا مجال للارتجال، لو ارتجلت الآن لفضح عقلي كل ما يدور في خلدي

فجأة سمعت صوتي كغريب يسمع صوته لأول مرة ” أنا مثلكم جندي حرمتني الحرب أهلي وحبيبتي.. أجدني اليوم في مكان ليس مكاني.. وحرب لا أؤمن بها.. أقاتل من أجل غيري.. أنا مثلكم لا أؤمن بما يجري..”

هجم الضابط على وجهي وشعرت بكفه كحجر سقط على رأسي، سحب الميكرفون من يدي ورفسني بقدمه لأفترش الأرض

وصرخ بأعلى صوته

“عسسسسسسسسكر  “

قفز ثلاثة عساكر إلى الغرفة والضابط يغلي ويزبد ويشتم ويركلني بقدمه “خذوه للسجن.. احرموه الطعام لأيام “

ستندم على فعلتك..

سحبوني والركلات تتبعني، نظرت إلى الضابط وابتسمت..  ثم غاب كل شيء!  

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة