الثابت والمتحول في السياسة حول سوريا

آراء
فريق التحرير29 أغسطس 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
الثابت والمتحول في السياسة حول سوريا
feras.allawi فراس علاوي

* فراس علاوي
لم يشهد العالم منذ نهاية الحرب الباردة أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي, صراعاً سياسياً كالذي يخوضه في سوريا من صراع مركب, اندمج فيه المحلي بالإقليمي بالدولي.
ست سنوات ولعبة الأمم تمارس على الأرض السورية بكل قوانينها وبكل قذارتها على أشلاء الشعب السوي, لم يمنع سيل الدماء والعدد الهائل من الأرواح التي أزهقت، والأعداد الكبيرة لللاجئين من إنهاء هذه اللعبة, التي تقاسم فيها اللاعبون الأدوار وتبادلوها.
ست سنوات وسياسة تدوير الزوايا لم تعط أكلها, لم يحدث أن شهدت أي من صراعات العالم هذا الكم الهائل من الاجتماعات والقرارات واللجان والمفرزات المتعلقة بها, وهذا العدد من قرارات الفيتو والفيتو المضاد والتصريحات المتناقضة والمضطربة لقادة الدول العظمى, فلماذا كل هذا التناقض ولماذا تأخر الحل كل هذه المدة؟
لمعرفة السبب في ذلك لابد من مناقشة الثابت والمتحول في سياسات الدول المتداخلة في الصراع، وماهية هذا الصراع، لذلك لابد من دراسة كل طرف على حدى, ورؤية إن كان الخطر قد أصابها بما يستدعي تدخلها المباشر أو أن تترك المجال لأنصارها في الساحة أن يقوموا بدورهم.
تخوض الدول حروباً عندما يصل الخطر والإعتداء على الجوهر الثابت من سياستها، وتخوض عملية سياسية وتفاوضية عندما يكون هذا الخطر حول جوهرها المتحول فقط ولايمس بثوابتها الأساسية،هذا الأمر دفع بعض الدول للتدخل بشكل مباشر وبعضها ينتظرانجلاء الأمور في سوريا.

دولياً ..
الولايات المتحدة الأمريكية؛ كبرى دول العالم والغائب الأبرز عن ميدان الصراع في سوريا، فما هي الثوابت التي تدفع الولايات المتحدة الأمريكية لخوض حرب خارج أرضها؟
ما يهم أمريكا بالدرجة الأولى هو أمنها القومي, وطالما لم تصل المسألة السورية لما يهدد أمنها القومي فلن تتدخل عسكرياً, كذلك من أولوياتها حماية أمن إسرائيل والذي لا يزال بعيداً عن التهديد, تأتي في المرتبة الثالثة مصالحها، والتي لم تهدد حتى اللحظة، خاصة المصالح الاقتصادية، وفيما يتعلق بسوق النفط والسلاح، والتي كانت احد أهم أسباب تدخلها في العراق, بالنظر إلى أن نظام الأسد لا يشكل ذلك الحليف الاستراتيجي للأمريكان، هذه المصالح التي لم تهدد حتى اللحظة ربما لم تدفع الامريكان للتدخل بشكل مباشر.
أما فيما يخص المتحول من سياستها, فهي علاقتها مع إيران وتركيا ودول الخليج، وهي تقارب المسألة السورية حسب علاقتها مع هذه الدول الاقليمية ومن ثم حسب البعد والقرب من الكرملين, ووجوده وتأثيره في المنطقة.
لذلك فالسياسة الأمريكية بدت مضطربة وغير واضحة ويعود ذلك لعدم الوضوح في مواقف تلك الدول مما يجري في سوريا.

روسيا العائدة من الخلف والتي تبحث وفق رؤية بوتين عن مكانها السابق في طليعة العالم, فإن الثابت في سياستها الحالية هو إيجاد حلفاء جدد عسكرياً واقتصادياً والتوسع في علاقاتها السياسية, وبالتالي عدم خسارتها لأي من حلفائها السابقين خاصة بعد سقوط القذافي في ليبيا وتراجع دور الجزائر والعراق الذي اصبح في يد إيران, هذا الثابت، إضافة للبحث عن تقوية اقتصادها الضعيف, هو ما جعلها تدخل في حلف مع إيران في سوريا والتدخل بشكل مباشر لعدة أسباب أهمها الحفاظ على حلفائها وتحقيق مكاسب اقتصادية واستخدام هذا التدخل كورقة ضغط على المجتمع الدولي, وربما بيع مواقفها في سوق التسويات.
الروس أرادوا أن يظهروا أنفسهم كقوة كبرى موازية للأمريكان لذلك عندما تراجع الدور الإيراني اتجهوا بشكل مباشر نحو تركيا لدعم دورهم في المنطقة.
المتحول بالنسبة لروسيا هو الاقتصاد، لذلك فهي جاهزة لبيع مواقفها في مزاد التسويات الدولية, لكن مهندسي سياستها يدركون موازين الربح والخسارة في البورصة السياسية, لذلك فهم لا يدللون على بضاعتهم السياسية بل يعقدون الامور أكثر في الساحة من أجل الحصول على أكبر المكاسب, خاصة فيما يتعلق بالغاز والاقتصاد والوصول إلى أوربا عن طريق تركيا وموضوع أوكرانيا وتمدد حلف الناتو.

الدول الاوربية، الثابت في مواقفها يكاد يكون واحداً وهو الحفاظ على أمنها القومي, والتهديد الوحيد الذي من الممكن أن يجعلها تتدخل هو ضغط اللاجئين الكبير على دولها، وكذلك وصول التطرف بكل أشكاله إليها، لكن كلا الحالتين لم تصل بعد لمرحلة تأخذ دول أوربا فيها القرار بالتدخل المباشر, فقضية اللاجئين لاتزال ضمن الحد المعقول بل وربما حققت بعض الدول المستضيفة نجاحاً وفائدة اقتصادية من وجودهم, أما قضية الإرهاب فجميع الحوادث التي جرت على الأرض الأوربية نسبة عالية منها لم تكن من لاجئين بسبب الوضع السوري, بل كانوا مواطنين من أبناء تلك الدول لذلك فهي لم تصل للحد الذي يضطرها للتدخل المباشر.

إقليمياً ..
هناك ثلاث أطراف رئيسية متداخلة وموجودة في الوضع السوري وهي دول الخليج وعلى رأسها السعودية وقطر، وتركيا، وإيران، وهناك أدوار ثانوية للعراق ومصر والجزائر ولبنان والأردن بالإضافة للدور الموجود في كل ما سبق وهو الدور الاسرائيلي.

الثابت؛ بالنسبة لدول الخليج هو إبعاد الخطر الإيراني عن حدودها, وبالتالي عدم السماح بالتمدد الشيعي إلى بلدانها, كذلك الحفاظ على الاستقرار في المنطقة من أجل الحفاظ على أسعار جيدة لمبيعات النفط من أجل بقاء اقتصادها معافى وبالتالي الحفاظ على مستويات دخل جيدة في دولها.
المتحول بالنسبة اليها هو الحصول على ضمانات أمريكية ودولية بعدم نشوب حروب في المنطقة مشابهة للحرب العراقية الإيرانية, لذلك تعمل دول الخليج جاهدة على تسهيل الحلول الاقليمية من أجل بقاء المنطقة مستقرة ولأسباب اقتصادية.
هذا الثابت والذي تعتبر السعودية هي قائدة المحور الخليجي فيه, لم يصل الحد الذي وصلته في اليمن والذي يعتبر الحديقة الخلفية لدول الخليج لذلك سارعت لتشكيل تحالف من أجل إيقاف المد الإيراني في اليمن, ما أضعف دورها في سوريا، وبذات الوقت يدرك الخليجيون أنهم من خلال دعمهم للفصائل المقاتلة فإنهم يعلنون عن وجودهم بقوة في المنطقة وأن لهم دوراً كبيراً ومكاناً على طاولة المفاوضات القادمة, لذلك نراها تسعى للوصول إلى حل سياسي من خلال التماهي مع جميع الحلول المطروحة شريطة عدم القبول بالتوسع الايراني في المنطقة, لكن في حال وصول الازمة في اليمن الى أفق للحل يشهد نصراً لهذا المحور, قد نشهد تدخلاً مباشراً في سوريا يشبه التدخل في اليمن وقد يكون جنوباً لاعتبارات عدة, منها وجود الاردن الذي يلعب دوراً ثانوياُ ربما، لكنه مؤثر، فهو البوابة الجنوبية وفيه غرفة عمليات الموك التي تشرف بشكل مباشر على عمليات فصائل الجبهة الجنوبية, كذلك تمتلك المخابرات الاردنية سجلاً كبيراً في التعامل مع الجهاديين الذين يسيطرون على قطاعات هامة من الفصائل في سوريا خاصة جبهة فتح الشام (النصرة) كما أن الكثير من منظري التيارات الاسلامية يقبعون في السجون الأردنية.
الثابت عند الأردنيين هو عدم انتقال التيارات الاسلامية الى داخل المملكة خاصة مع وجود ارض خصبة لذلك, وقد شهدت الأعوام الماضية عمليات داخل المدن الاردنية لهذه التيارات, كما أن الحكومة الأردنية تقوم بشكل دوري بحملات اعتقال لخلايا تابعة لتلك الفصائل.
الاردن لا يتخذ موقفاً واضحاً مما يجري في سوريا رغم تصريحات مسؤوليه المعلنة عن الوقوف مع الثورة السورية, الخط الاحمر بالنسبة للأردنيين هو وجود فصائل اسلامية كجبهة (فتح الشام) أو تنظيم الدولة على حدوده وبالتالي هو يساهم في بقاء هذه الحدود آمنة.

أما فيما يتعلق بموقف تركيا فإن الثابت والموضوع الأهم بالنسبة للأتراك هو الموضوع الكردي, فالاهتمام الاكبر لأي حكومة تركية مهما كان توجهها هو عدم قيام دويلة أو كيان كردي على حدودها يقدم دعماً لأكراد تركيا الانفصاليين.
لذلك فان أي تحرك للأتراك يكون الهدف من ورائه إبعاد الخطر الكردي عن الحدود وهذا هو سبب التقلبات التي تصيب السياسة التركية بين حين وآخر.
الاتراك اتخذوا موقفاً مبدئياً من الثورة السورية, استمر لعدة سنوات لكن وبسبب تغير التحالفات وظهور تنظيم الدولة واعتبار الامريكان الاكراد المتمثلين في قوات حماية الشعب الكردية النسخة الاخرى لحزب العمال الكردستاني (pkk_pyd) حلفاء لهم في المنطقة ورأس حربة في قتال التنظيم، واقتراب الاكراد من الحدود التركية, حدثت تغيرات في المواقف التركية, تلت فشل الانقلاب، والذي كان من ارتداداته التقارب الروسي التركي, فالأتراك يعتمدون في سياستهم على ذات المبدأ, وهو الموضوع الكردي بالاضافة لمواضيع اقتصادية وجيوسياسية وقضية الانضمام للإتحاد الأوربي، كل هذه الامور تتحكم بالسياسة التركية لكن هناك أمر ربما غاب عنهم في خضم هذه المتغيرات, وهو وجود 3 مليون لاجئ سوري على أراضيها بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم, هؤلاء يجب أن يكونوا بعين الاعتبار بالنسبة للسياسة التركية بما يخص سوريا حتى لا يتحولوا الى قنبلة موقوتة قد تهدد الامن القومي التركي, والتي على ما يبدو أن اندفاع الاتراك للتدخل أغفل وجودهم.
السوريون الذين يشعرون بالامتنان لتركيا, ووقفوا إلى جانب حكومتها ضد الانقلاب, يشعرون بالتغير بالنسبة للسياسة التركية اتجاه قضيتهم وربما هذا التغير إذا كان مفصلياً في القضية السورية فسينجم عنه مواقف مختلفة من السوريين.
الامن القومي التركي هو الخط الاحمر الذي يعمل الاتراك للحفاظ عليه, وجل السياسة الخارجية التركية تبنى عليه وهذا ما كان سبباً في التقارب التركي الايراني والتركي الروسي والذي نتج عنه تدخل تركي مباشر في سوريا رفضه الامريكان طيلة عامين.

أما إيران، فإنها تخوض حرباً مقدسة في سوريا كما تدعي, وبذات الوقت هي حرب وجود, فالثابت في السياسة الايرانية هو نقل الثورة الاسلامية كما يسمونها (بمذهبها الشيعي) الى دول الجوار وبالتالي التمدد والسيطرة وإنشاء حلف شيعي قوي موازٍ للقوى السنية الموجودة في المنطقة والمتمثلة بدول الخليج ومصر وباقي الدول, لذلك فقد خاضت إيران ومنذ اليوم الأول للثورة السورية في ما سمي المستنقع السوري, وبكل قوتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاقتصادية فهي تدرك تماماً أن هزيمتها في سوريا هي فشل لمشروعها التوسعي في المنطقة, وهو انتصار للمحور الآخر، لذلك فقد تبجح قادة الحرس الثوري ذراع المرشد العسكري دوماً بسيطرتهم على أربع عواصم عربية وامتداد أذرعهم لغيرها.
لا يوجد متحول بالنسبة لإيران فيما يخص الوضع في سوريا, فهي لن تقبل بغير تثبيت حكم النظام, التنازل الوحيد الذي قد تقدمه ويعتبر مؤلماً لها هو تغيير رأس النظام بشار الأسد, وكل ماعدا ذلك يعتبر هزيمة لها لذلك هي موجودة في سوريا رغم خسائرها الفادحة على جميع الاصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية, إلا أنها تبقي على تدخلها وخوض معركتها للنهاية, لذلك يعمل الإيرانيون على الاستفادة من جميع التحولات والتغييرات الاقليمية مستخدمين أذرعهم في المنطقة, حيث لا يعدو الدور العراقي عن كونه متمماً للدور الإيراني، بل ومنفذاً لأجندته في المنطقة, فالعراق ومنذ سقوط نظام صدام حسين يدور في الفلك الإيراني, ويقوم قادته بتنفيذ ما يطلب منهم في طهران وهذا يعود لأسباب عديدة لا مجال لذكرها كلها، أهمها البعد الطائفي للسياسة العراقية.
كذلك فإن لبنان المنقسم والذي يبدو بلا حول أو قوة فإن دوره يعبر عن الانقسام داخل أروقته السياسية, وينغمس حزب الله في سوريا حتى أذنيه ويقاتل بكل ما أوتي من قوة إلى جانب النظام, وذلك لأنه يعتبر معركته في سوريا معركة وجود فهو يعلم أن زواله وانهيار أحلامه مرهونة ببقاء الأسد في سدة الحكم.
كذلك تلعب الجزائر وعمان الدور ذاته وإن بدور أخف ولكن لذرائع أخرى مرتبطة بمحاور الصراع في المنطقة.

مصر .. الدولة العربية الكبرى تخوض صراعاً داخلياً أخرجها من المحيط العربي، فعند وصول الأخوان للحكم ونالوا دعماً قطرياً تركياً واضحاً, ساند قادتها الثورة السورية، لكن مجيء السيسي للحكم بما يشبه الانقلاب وبدعم اقليمي جعل الامر مختلفاً، فالقيادة المصرية الحالية تجعل من الورقة السورية ورقة الجوكر لابتزاز دول الخليج الداعمة لها, فهي تلوح بالتقارب مع إيران في كل مرة تريد الضغط على حكومات الخليج, هذا الامر انعكس سلباً على الثورة السورية وبالتالي خسرت داعماً كبيراً لها.

إسرائيل.. بيضة القبان في الشرق الأوسط , لاتزال بعيدة عن جوهر الصراع, وربما هذا أحد أسباب إطالة أمد الحرب في سوريا، فالثابت عند الاسرائيليين ؛هو عدم مجيء حكم قوي إلى سوريا يتبنى أجندة معادية لهم, كذلك عدم وجود تنظيم مشابه لحماس قرب الجولان والحدود السورية, وحتى هذه اللحظة لا يوجد مثل هذا التهديد.
ما يجعل اسرائيل تقبل بتغيير النظام السوري هو الحصول على ضمانات من الدول الداعمة بالحفاظ على حالة اللا سلم واللا حرب في علاقتها مع السوريين وهو على ما يبدو لم يحدث بعد.

أما الفصائل المقاتلة على الأرض والتشكيلات السياسية فهي جميعها مرتبطة بتوجهات الدول الداعمة لها, لذلك فمسألة الثابت لديها ترتبط بتلك الدول حيث تغيرت من اسقاط النظام بكل مرتكزاته الى اسقاط رأس النظام إلى المفاوضات إلى غيرها من التنازلات فهي رهن للتطورات الاقليمية والدولية.
كل هذه التحولات ربما ستقف تراوح بمكانها بانتظار قدوم الادارة الامريكية الجديدة, وبالتالي هل تكون الحالة السورية من الامور الثابتة في سياستها وبالتالي سنشهد تطوراً سريعاً باتجاه حل الأمور؟ أما إذا بقيت تتبع ذات السياسة فسنرى تعقيدات أخرى وإطالة في أمد الحرب وكثيراً من الدماء والأرواح، وهذا ما جعل الروس مستعجلين لتطبيق رؤيتهم على الأرض, خلال فترة انشغال الأمريكان بسباق الانتخابات، لذلك أطلقوا فترة الاشهر الستة والتي روج لها الاتراك أيضاً في خطابهم الأخير بعد التقارب مع الروس، هذه الاشهر التي ربما سيعمل الروس جاهدين لوضع الادارة الامريكية الجديدة تحت الامر الواقع، بفرض الحل الذي يناسب اجندتهم.
هكذا يقع السوريون ضحية توازنات سياسية بين ثابت ومتحول وبين مصالح سياسية وأخرى اقتصادية لم يستطع كثير من سياسيي المعارضة قراءتها بالشكل الصحيح لذلك أضاعوا البوصلة والاتجاه.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة