لماذا فضّل الإعلام عمران على “صيدنايا”؟

آراء
فريق التحرير25 أغسطس 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
لماذا فضّل الإعلام عمران على “صيدنايا”؟
349
  • إيمان القويفلي

أبدعت منظمة العفو الدولية، في تقريرها الجديد حول سجون نظام الأسد، في إدخال القارئ بصرياً وسمعياً، ونفسياً، إلى داخل خلايا سجن صيدنايا. استخدمت ذاكرة السجناء السابقين لإعادة بناء السجن الغارق في الظلام ليلاً ونهاراً، في صور ثلاثية الأبعاد، ومحاكاة محيطه الصوتي الغارق في الصمت القسري، وأصوات التعذيب بلا هدف، سوى الموت المعنويّ والجسديّ، وشتائم العسكر، وأدواتهم. وصف السجناء رائحته العفنة، رائحة الموت، وطعمه، طعم نوى الزيتون وقشر البيض وماء المرحاض، وطعم الجوع والعطش المفضيين إلى الهلاوس، ولذة النوم التي تستبطن التوق إلى الموت. قدّر التقرير وفاة 17 ألفاً من السجناء في الأعوام من 2011 إلى 2015، بعد أن كان “القيصر” قد قدّم توثيقه المصور لأحد عشر ألف حالة وفاة في السجون، منذ اندلاع الثورة السورية.
نشرت منظمة العفو التقرير في الثامن عشر من أغسطس/ آب الجاري. لكن، قبل نشره بساعاتٍ قليلة، كان الناشطون الحلبيون قد نشروا “صورة عمران”، ضحية قصف الطائرات (الروسية أو الأسدية). كان على الميديا العالمية أن تختار بسرعة من خلالهما نوع مقاربتها هذا الأسبوع: هل ستقارب “الثورة السورية” أم “الأزمة في سورية”؟ ولم يكن اختياراً محيّراً، فخطابها يميل، منذ عامين أو أكثر، إلى “الأزمة في سورية”. ولذلك ذهبت، بكل عاطفتها واحتفائها الدراميّ، إلى “صورة عمران”، وليس هذا فقط لأن صورة عمران، كما أشار غير مقالٍ وتعليق، ملائمة لمعايير النشر الصحافي التي لا تستطيع نشر صور أكثر دموية وأحدّ تعبيراً. ولكن، لأن صور الأطفال تحديداً تمثل الزاوية المناسبة لتغطية إعلامية قد أخذت موقفها سلفاً. فالأطفال، كما عمران وإيلان، خارجون، بحكم طفولتهم، على كلّ سياقٍ سياسيّ. إنهم بذواتهم، ليسوا ثواراً، ولا موالين للنظام، وليسوا جهاديين حاليين أو سابقين، على عكس كل الأسئلة التي سيطرحها هذا الإعلام على هويات شهود تقرير منظمة العفو الذين سجنهم الأسد في صيدنايا، هؤلاء الرجال البالغون التي تستطيع سحناتهم أن تستحضر، ببساطة، إلى الذهن العالمي غير المنغمس حقيقة في ما يحدث في سورية، كل سرديات المنظومة القائمة حول الأسد، عن الوحوش الجهادية التي ستنطلق من الرقّة، إلى غزو العالم المتحضر.
لم تقل مذيعة CNN المنفعلة أن عمران “أصيب في غارة جويةٍ لا يُعرف من قام بها”،

التزاماً بمعايير صحافية دقيقة، فوزارة الدفاع الروسية كانت قد أعلنت، قبل هذه الحادثة بيومٍ، عن انطلاق طائراتها في طلعاتٍ جوية إلى سورية من إيران، لكن تلك التغطية ركّزت على صورة عمران، لأنها بحدّ ذاتها حدثٌ مناسب للمعايير “الإنسانية” العائمة، لا يعود مهمّاً أمامه، الخوض الحَرِج فيمن أغار، ولا مَن الـمُغار عليه، ولا من هو القاتل الأساسيّ، ومن هو القاتل الفرعي، فالبالغون هنا كلهم متعادلون في الجُرم وفي الموقف، والانحياز لا يكون إلا للأطفال، لأن الأطفال بلا هوية، ولا موقف. كان تقرير أمنيستي متاحاً في اليوم نفسه، لمن أراد عرض المشهد السوري في سياقاتٍ أكثر تحديداً، لكن المعرفة مسألة رغبة، لا مسألة إمكان.
تعلق نشطاء الثورة السورية، والمؤمنون بها، وقتاً طويلاً بالمعجزة التي ستصنعها “المعرفة” للثورة السورية. راهن هؤلاء، منذ صورة حمزة الخطيب في الأشهر الأولى، على أن معرفة ما يجري داخل سورية كفيلة بتحفيز ضميرٍ كونيّ “ما”، لإيقاف هذه الجرائم، رهانٌ يستبطنُ افتراضَ أن العالم قد أصبح أفضل من أن يقبل بوقوع هذه المجازر الجماعية، وأن أدواته السياسية والقانونية للعمل والتدخل تطوّرت وازدادت حذقاً وخبرة. استمرّ هذا الرهان قائماً، منذ صورة جثمان حمزة الخطيب، مروراً بمذبحة الغوطة الكيماوية وعبور خط باراك أوباما الأحمر، وبلغ ذروته القصوى في الإخراج السياسيّ الـمُحكم لعملية نشر ملفات “القيصر” التي وثقت بالصور أكثر من أحد عشر ألف جثة، مات أصحابها بالتجويع والتعذيب في السجون، والتي لم تُحدث فرقاً، وانتهت إلى التحول إلى مواد لـ”غاليري” لعرض جرائم نظام الأسد، ترعاه الأمم المتحدة. وصولاً إلى صورة إيلان التي حفزت موجة عظمى من التعاطف، والكراهية في الوقت نفسه، للاجئين، لكنها لم تكفِ دافعاً لحلٍ جذريّ.
بعد خمس سنواتٍ على الثورة السورية، لم يعد لصورها ذات الرهانات. يخطئ من لا يزال يرجو، بالصيغة الكلاسيكية، أن معرفة العالم بالحقيقة ستدفعه إلى التحرك، “ستوقظ ضميره”. بعد خمس سنوات، لم يعد هناك من تنقصه المعرفة. العالم يعرف إلى درجة أن هيئته السياسية العليا تقيم معرضاً لجرائم الأسد في نيويورك. يعرف حلف الأطلسي (الناتو)، لكنه لا يتعاطف إلا مع ضحايا داعش. أما نظام الأسد فيعرف أن العالم يعرف ولا يهتمّ، إلى درجة أن العسكر القائمين على تعذيب سجناء صيدنايا يكرّمون المبعوث الأممي السابق إلى سورية، الأخضر الإبراهيمي، بتسمية إحدى عصيّ التعذيب على اسمه: عصا الأخضر الإبراهيمي. وعلى الأغلب، أنهم قبل ذلك كانوا يستخدمون “هراوة كوفي أنان”، أما الآن، فلا بدّ أنهم يستعملون “سوط دي ميستورا” لجلد السجناء حتى الموت. تنامي مبعوثي الأمم المتحدة إلى سورية لم يُفضِ إلى تغذية أي شيء، ما خلا مخيال جلادي السجون الساديين في ديكتاتورية الأسد. الجميع يعرفون اليوم ما يكفي: الجلاد يعرف، والضحية تعرف، والأداة تعرف.
أي شيء سيبقى من كل هذه الصور؟ ما وظيفتها الآن، بعد أن توقفت عن محاولتها الساذجة

لـ”إيقاظ الضمير العالمي”؟ لعلّ وظيفتها الأساسية، والقابلة للاستدامة والتخليد، بمعزلٍ عن النتائج السياسية النهائية للثورة، هي تثبيت سردية الثورة السورية في وجه الديكتاتورية الوحشية والدفاع عنها، ففي كل مذبحةٍ بشريةٍ تمرّ على العالم تتكاثر السرديات، القَتَلة ينشرون سرديةً تتهم الضحايا، والمحايدون ينشرون سرديةً تساوي بين الجميع، سردياتٍ هشة ومتطفّلة وصاخبة، لأنها ابنة اللحظة، ومجرد أداة لتجسير هذا الفعل أو ذاك. لاحقاً، تذوب السرديات الطفيلية، وتبقى القصة الأساس محميّة بالشواهد، تخترق عين الشمس. انتصار الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية لم ينقذ سمعتها من سردية هيروشيما. ولا يزال للصرب سرديتهم التي يتمسكون بها حول سربرنيتشا، لكن ما حدث هناك صار تاريخاً مدعّماً بالوثائق والتسجيلات. ولابدّ أن الهوتو امتلكوا سرديتهم إبّان ارتكابهم تلك المذابح المروعة في رواندا، لكن ما هو مُثبت في التاريخ أن الإذاعة حثت المواطنين الهوتو على “قتل الصراصير”، فانطلقوا إلى قتل 800 ألف إنسان في أسوأ مذابح العقد الأخير من القرن العشرين. المذبحة التي يرتكبها نظام الأسد، مستقلاً عن الإسهامات الثانوية لداعش وغيرها، هي الأسوأ منذ مذابح رواندا، هذه الحقيقة ستحميها ملفات “القيصر”، وكاميرا هادي العبدالله، وآلاف الساعات المسجلة والمرفوعة على الإنترنت بواسطة متطوّعين. العالم يعرفها اليوم، لكن حمايتها ضرورية من أجل جيل قادم، ربما سيتساءل، في لحظة ما، أمام وثائقيّ عن وحشية الأسد الإبن، كما تساءلنا يوماً أمام وثائق مجزرة حماة: كيف سمح العالم لهذا أن يحدث؟ لكنهم ربما سيمتلكون قدرةً أفضل على الإجابة، والفعل.

  • نقلاً عن العربي الجديد
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة