المظلومية، الأفعى التي تنتهي بعضّ ذيلها

عبد الحميد الشدة2 أغسطس 2019آخر تحديث :
المظلومية، الأفعى التي تنتهي بعضّ ذيلها

في نهاية الحرب العالمية الأولى فرض الحلفاء المنتصرون على ألمانيا شروطا مجحفة بحقها واقتطعوا مناطق ألمانية وقام الجيش الفرنسي بممارسات إذلال للمواطنين الألمان، خاصة في مناطق الألزاس والحدود مع ألمانيا. وبعد نجاحهم في استلام الحكم قام النازيون بالتركيز على هذه المظلومية الألمانية لكسب قاعدة شعبية جارفة ونجحوا بمشروعهم، وبهذه المظلومية برروا أكبر الفظائع والأعمال الوحشية والحرب الشاملة التي دمرت الآخرين ودمرت الألمان أنفسهم.

وعندما استلم البلشفيون الشيوعيون الحكم في روسيا كانت مظلومية البروليتاريا مبررا لارتكاب مجازر، بداية بحق العدو السياسي الرأسمالي والإقطاعي، وبعدها بحق كل مخالف بالرأي، بما فيه الشيوعيين أنفسهم، ونعرف الجرائم التي ارتكبها الشيوعيون في التاريخ الحديث.

المظلومية اليهودية كانت من أسباب وجود الحركة الصهيونية واحتلال فلسطين، واليوم وباسم خصوصية المظلومية اليهودية تتم محاولة كتم الأصوات والآراء المنتقدة لسياسات إسرائيل في الغرب.

في منطقتنا وبعد مجيء نظام الخميني ظهرت عملية تهييج للمظلومية الشيعية الكامنة منذ قرون طويلة وانجر كثير من الشيعة العرب مع هذه الموجة فسيطروا بمساعدة إيران على دول مثل العراق ولبنان، وأخذ الأمر وجها طائفيا انتقاميا أعمى من خلال مذابح طائفية في سورية رغم أنه لايوجد شيعة في سورية إلا عدد قليل من العائلات.

أما المظلومية العلوية فقد كانت عاملا ثابتا عند الطائفة لمعاداة الطوائف الأخرى ودافعا محركا لها للإستحواذ المطلق على السلطة وعلى الامتيازات، ليس هذا فقط، بل كانت تخفي تبريرا لانتقام جماعي عنصري ولتجاوزات لكل القيم الأخلاقية الإنسانية والمتعارف عليها بين البشر. شخصيات وقوى وإيديولوجية وقومية إنتبهت إلى القوة السحرية لتجييش جمهورها وتوجيهه حسب مشيئتها.

في العقود الأخيرة تمت تغذية المظلومية الكردية والتي هي شيء حديث نسبيا حيث أن الأكراد كانوا تاريخيا مندمجين في دول المنطقة مثل باقي فئات الشعوب قبل تصاعد الإيديولوجيات القومية.

في كل المحافل السياسية وحتى الفكرية يقوم متبني فكر المظلومية بوضع مظلوميته كقالب ثابت مقدس وسابق لأي حديث، وهذا القالب لا يتحمل النقاش السياسي والفكري ويقفز فوق التاريخ وفوق الجغرافية ويتميز بتجاهل وضع الآخرين ومآسيهم ومطالبهم. وفعلا استطاعت تيارات سياسية كردية تجييش رأي عام كردي سوري واسع نسبيا، تجاهل مطالب الثورة السورية الأساسية التي هي ملك للجميع، وقامت قوى كردية باحتلال مناطق لا يوجد فيها أكراد، وقمعت كل من يعارضها من غير أكراد ومن أكراد. باسم المظلومية الكردية استطاع البعض ظلم غير الأكراد والأكراد أنفسهم.

عند بعض مسيحيي المنطقة هناك إعلان عن مظلومية تاريخية أيضا وبأنهم ضحية تمييز من قبل المسلمين. أي في الوقت الذي يتعرض فيه ملايين المسلمين السوريين للقتل والسجن والتجويع والتهجير تظهر أصوات تقول لهم إنكم غزاة محتلون أتيتم من الصحراء واستوليتم على بلادنا فارجعوا إلى جزيرتكم أيها البدو.

أحد أصدقائي، مسيحي مؤيد للثورة، أصدر كتابا في السنة الثانية للثورة يظهر فيه التمييز الذي يتعرض له المسيحيون في الشرق، ومنه أن المسيحي لايستطيع الزواج بمسلمة مثلا. نوع من الهذيان غير المناسب للحظة التي نعيشها. وفي هذا الإطار توجد في الغرب تنظيمات ونشاطات لحماية المسيحيين في الشرق من “توحش المسلمين” ولمساعدتهم ومساعدة بشار الأسد الذي يحميهم!

مؤخرا بعث الفاتيكان وفدا بابويا لزيارة الأسد والتعاون مع نظامه. مظلومية مسيحيي الشرق كانت ومنذ القرن التاسع عشر باب تدخّل للقوى الاستعمارية في بلادنا، وحتى اليوم تستمر هذه الذريعة، ووزير روسي مؤخرا صرح بهذا بكل وضوح.

الفلسطينيون عانوا من الاحتلال والتشريد وعانوا من ظلم واضطهاد الأنظمة العربية والتضييق عليهم.. هذا الواقع جعل الكثير من الفلسطينيين يرمون باللوم في كل مصائبهم بداية على الأنظمة وبعدها على كل العرب. وظهر قليلا قليلا نوع من المظلومية الفلسطينية التي تتهم الجميع بأنهم مشاركون في ظلمها وبأنها الوحيدة في هذا العالم التي تستحق اسم الضحية وبأنه يجب التعامل معها بشكل مختلف عن الآخرين. وانطلاقا من هذا ظهر رأي لا يستهان بحجمه بين الفلسطينيين يحذر من الثورة السورية، ورأي آخر ربما طاغ في الأوساط الفلسطينية السياسية والنخبوية معاد للثورة السورية. وجود أحرار فلسطينيين سوريين مؤيدين ومشاركين في الثورة ووجود ضحايا فلسطينيين لنظام الأسد خلال أربعة عقود، في لبنان وفي سجون سورية، هذان الأمران لم يغيرا من رأي معادي الثورة السورية في الأوساط الفلسطينية.

منذ السبعينات قمع نظام الأسد البعثي الطائفي جماعة الإخوان المسلمين والمنتمين إليها ووصل الأمر ذروته من خلال القانون 49 الذي يقر بالإعدام لكل منتم للإخوان المسلمين. وحصلت عمليات سجن وإعدامات وهاجر معظم المنتمين لهذا الحزب. بعد قيام الثورة شارك حزب الإخوان المسلمين بكل فعاليات الثورة وخاصة السياسية منها. ومن يقول سياسة يقول خصومة ومنافسة وعداوات ومؤامرات وكذب وخداع وتلاعب. دخل الإخوان في هذه المعمعة وإن كان يحسب لهم المشاركة في الشأن العام ومعارضة نظام الأسد خلال عقود، لكن وجودهم ومشاركتهم في المعارضة وكل أجهزتها يجعل منهم مسؤولين في كل ما حصل من فشل وفساد وأخطاء.

كثير من الإخوانيين يميل إلى رد أي انتقاد لخيارات الإخوان وممارساتهم في السياسة والعمل في الشأن العام إلى كره أصولي للإخوان وإلى مؤامرة كونية وينهي بأنهم كانوا ضحايا النظام. يزيد في هذه المظلومية الناشئة عداء عدة أنظمة عربية لهم ومحاربتها للتنظيمات الإخوانية. وجوابي هو أنه ليس كل الأنظمة العربية تحارب الإخوان فدول مثل قطر والأردن والجزائر والمغرب والعراق وغيرها تعطيهم حق الوجود والعمل السياسي. أما في سورية فأشير إلى أن ضحايا أعضاء التنظيم هم أقلية صغيرة جدا مقارنة بالضحايا من أقربائهم غير المنتمين للإخوان وسكان مناطق تواجدهم مثل حماة وأنهم لم يكونوا الوحيدين المقموعين فأعضاء البعث العراقي والمنتمين لبعض الأحزاب الشيوعية من كل الطوائف عانوا أيضا من القمع. وفي الحقيقة كل المسلمين السنة غير الموالين للنظام كانوا عرضة للقمع والإرهاب وكان اسم الإخوان شماعة لإخفاء هذا الظلم العام وتهمة جاهزة.

لايليق بمن يعمل في السياسة أن يخرج مظلومية لأهداف سياسية ومكاسب خاصة. وقد حصل فعلا أن من المعارضين السوريين من غير الإخوان من فرض نفسه وآراءه واستبداده لأنه كان سجينا سياسيا سابقا، كنوع من المظلومية.

في الختام نلاحظ أن المظلومية هي عملية نفسية جماعية يتم استخدامها لأهداف سياسية وأن التاريخ أثبت أن المظلوميات كانت سببا في حروب ومآس فاقت ذرائع الحروب نفسها و أثبتت التجارب خدعة المظلومية وكذب دوافعها الظاهرة لأنها في النهاية تدمر من تدعي الدفاع عنهم.

المظلومية هي أفعى تنتهي دائما بعضّ نفسها. وأرى أن المظلومية هي نوع من التجاوز العام والغلو، وبهذا فهي تتعارض مع الحقوق وأنها تنتهي بالإساءة لحاملها. وأن الحذر منها هو أول مايجب أن نقوم. وربما أفضل وسيلة لتلافيها هي بإقامة العدل والمساواة بين البشر وبحماية الحقوق على كل الصعد، التشريعية والقانونية والإجتماعية، الجماعية والفردية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل