سياسة المربعات الروسية وقضم الأرض

آراء
فريق التحرير25 يوليو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
سياسة المربعات الروسية وقضم الأرض

feras.allawi* فراس علاوي
في منتصف العام 2012، كان النظام السوري قد خسر مساحات واسعة من الأرض السورية لحساب الجيش السوري الحر.
بالإضافة لخسائر معنوية وسياسية كبرى، زادتها وتيرة الانشقاقات في مؤسسته العسكرية وقياداته المدنية، فكان لابد من الاستعانة بما سماه الدول الحليفة، حيث كانت روسيا الحليف الأبرز إضافة لإيران وغيرها من الدول.
الروس قدموا كل ما يستطيعون للحفاظ على بشار الأسد ونظامه من السقوط، من دعم عسكري وسياسي واقتصادي واستشاري، حيث بدت السياسة الروسية واضحة في تعامل الأسد مع الثورة خاصة في الجانب العسكري، والذي اتبعه الروس في حروبهم في الشيشان وغيرها من الدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي.
اتبع نظام الاسد في تعامله مع الثوار أسلوبين مختلفين، وكان لكل أسلوب أسبابه وميزاته، فالثورة السورية بشقيها السلمي والمسلح كانت في الريف أكثر شدة وقوة منها في المدينة وذلك لأسباب لا مجال لذكرها الآن، لذلك كان لابد من التعامل مع كل ظرف حسب خصوصيته.
الريف السوري الواسع، الذي خرج مبكراً, من سيطرة النظام وأعلن العصيان، وتحرر على يد أبنائه، كما في محافظات دير الزور و إدلب ودرعا حيث الجبهات الكثيرة والمعارك العنيفة وخسائر كبرى للقوات النظامية، لذلك ووفقاً للنصيحة الروسية، انكفأ نظام الاسد ليتحصن في المدن، ويترك الريف بيد الثوار ليفتعل بينهم معارك جانبية عن طريق وسائل مخابراته ودعايته وزرع فصائل موالية له، مهمتها زرع الفتن داخل المناطق المحررة وقد نجح إلى حد ما في ذلك.
ماذا حقق النظام من إجرائه هذا؟
أولاً_ قلل عدد الخسائر البشرية في صفوف قواته من خلال تقليل جبهات القتال المفتوحة.
ثانياً_ قلل الخسائر اللوجستية والمادية من خلال تقصير خطوط الإمداد وتقليل مساحة الأرض التي يدافع عنها.
ثالثاً_ ترك مجالاً واسعاً لسلاحه الجوي لقصف المناطق المحررة، وتدمير بنيتها التحتية، حيث كان يراهن على التأثير على الحاضنة الشعبية للثوار،  من خلال الاستخدام المفرط للقوة عليها، وبالتالي تصل إلى مرحلة تتخلى فيها عن الفصائل الثورية والثوار، لكنه فشل لحد ما في هذا، بل كان الإجرام الذي يمارسه يزيد من تمسك هذه الحاضنة بالثورة لأن غالبية عناصر الجيش الحر من أبنائها، لكنه نجح من جانب آخر، حين سهل دخول فصائل أخرى لا تنتمي للثورة ولا لتلك المناطق إليها وتركها تمارس دورها في قمع الحاضنة الشعبية للثورة وفرض أجندتها عليها وهذا ما حصل في دير الزور وإدلب.
ما نجح فيه النظام هو ترك هذه المناطق لحروب مفتوحة بين الفصائل، كان أهم نتائجها عدم قدرة مؤسسات الثورة على القيام بدورها على أكمل وجه, وبالتالي فقدت مصداقيتها أمام جمهورها الثوري وهذا أحد مكاسب النظام.
ما حدث في الأرياف كان مختلفاً في مناطق أخرى، مثل المدن الكبرى كدمشق وحلب.
حيث اعتمد النظام على نصيحة الروس في اتباع سياسة تجميع المربعات ومن ثم القضم، حيث بدأ النظام بما يلي:
أولاً_ استخدم القوة المفرطة في التعامل مع المناطق، حتى عزل المناطق التي تشهد حراكاً ثورياً ووضع الحواجز حولها، وقد تعمد أن تكون حواجزه المحيطة به متنوعة, في أغلبها من اللجان الشعبية، وهم متطوعون من أهل تلك المناطق في ميليشيا تقاتل إلى جانب نظام الأسد, ويستفاد منهم في معرفة الشخصيات المؤثرة والقيادية في المنطقة, كذلك في تجنيد عملاء لهم داخل تلك المناطق.
فبدت المناطق الثائرة وكأنها جزر منفصلة الواحدة عن الأخرى مثل أحياء القابون وجوبر وداريا في دمشق وسيف الدولة وصلاح الدين في حلب وكذلك أحياء حمص القديمة.
بعد أن قام النظام بحصار تلك الأحياء, حسب الخطة الروسية في تجميع أعدائها في مربعات, واستخدام مفرط للقوة عليها وصلت لحد استخدام السلاح الكيماوي ضدها، محاولاً في البداية إخلاءها من المدنيين، من خلال قصفهم بشدة وتحقيق خسائر كبرى في صفوفهم, وبالتالي هدمها فوق رؤوس من تبقى فيها من مسلحين ومن ثم اقتحامها بالقوة.
لكنه فشل فشلاً ذريعاً في ذلك لعدة أسباب.. أهمها طبيعة تلك المناطق والتقارب الجغرافي بين الأحياء, وإيمان سكانها بثورتهم, وتلاحمهم مع المقاتلين, الذين هم في الحقيقة أبناء تلك المناطق حيث لم يستطع النظام اختراقها على نحو واسع، وكذلك لم يستطع إنشاء فصائل تسانده, كما حدث في الريف ومناطق أخرى.
النظام ورغم استخدامه لكافة أنواع الأسلحة, إلا أنه فشل في اقتحام تلك الأحياء فتحول كلُ منها إلى ستالينغراد, وكانت مثلاً في الصمود, مثل داريا وبابا عمرو وصلاح الدين وغيرها.
لذلك لجأ إلى سياسة جديدة, وأيضاً هذه المرة بنصيحة روسية, وهي سياسة القضم.
فما هي سياسة القضم وما هي أساليبها وهل نجح النظام في تطبيقها؟
بعد فشل النظام مدعوماً بمليشيات طائفية وتغطية جوية روسية بدخول معاقل الثوار عسكرياً, اتبع سياسة جديدة، تقضي بتفتيت هذه المناطق والسيطرة عليها جزءاً جزءاً من خلال ما سمي طريقة القضم, وقد اتبع لذلك أسلوبين:
الأول _ ما أطلق عليه اسم المصالحات الوطنية, وهي الاعتماد على بعض رجاله, ممن يسمون وجهاء البلد في الـتأثير على أهالي المناطق التي يستهدفها, سواء بالتهديد بمجازر واعتقالات في حال رفضهم, أو بالترغيب عن طريق إعطاء البعض مناصب أو مال أو غيره, وقد نجح في مناطق مثل حمص القديمة والوعر وببيلا وبعض مناطق غوطة دمشق.
أو عن طريق معاهدات واتفاقيات صلح مع الفصائل, ضمن شروط معينة, كما حدث في برزة بدمشق ومعضمية الشام وغيرها من المناطق, حيث تم وقف الأعمال القتالية وإعطاء أهالي المناطق بعض احتياجاتهم حسب الاتفاق مع الفصائل.
هذه الاتفاقيات كان الغرض عنها تخفيف العبء العسكري عن قوات النظام, وتقليل عدد الجبهات وبالفعل نجح في ذلك.
ثانياً_ المناطق التي لم تدخل في مثل هكذا مصالحات أو اتفاقيات, حيث فرض عليها طوقاً عسكرياً وحصاراً اقتصادياً أدخلها في ضائقة اقتصادية واجتماعية، حيث عانت من الحصار كثيراً مثل مضايا والزبداني وداريا وجوبر وغيرها، والتي اعتبرت مناطق منكوبة بكل ما للكلمة من معنى، لكنها بقيت صامدة وعصية على قوات النظام ومليشياته، بما فيها حليفه الأكبر حزب الله، لذلك فهو يعتبر السيطرة على أمتار قليلة أو مجموعة أبنية فيها انتصاراً له تحقيقاً لسياسة القضم التي يتبعها.

ربما نجح النظام هنا وهناك وبمساندة حلفائه في تحقيق بعض الانتصارات الصغيرة، التي يظهر بها أمام مؤيديه وكأنه يمسك بخيوط اللعبة.. لكنه في الحقيقة فشل في فرض نفسه على الجغرافية السورية، رغم النصائح الروسية والمساندة له بكل أشكال الدعم سواء المادي أم المعنوي من حلفائه الذين باتوا يشكون في قدرته على الحسم.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة