

لم يكن صالح الجعفراوي قد تجاوز الثامنة والعشرين من عمره حين استشهد في مدينة غزة، في الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد يومين فقط من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. كان الصحفي الفلسطيني الشاب قد أمضى الحرب متنقلاً بين الأحياء المدمرة ومراكز النزوح، يوثّق بكاميرته ما خلّفته الغارات الإسرائيلية في حياة السكان. نجا من القصف الذي رافقه طوال تلك الفترة، لكنه لم ينجُ من العنف الذي اندلع في الأيام الأولى للهدنة.
استشهد صالح خلال مواجهات بين عناصر أمن تابعة لحركة حماس ومجموعات فلسطينية مسلحة، وفق ما وثقته لجنة حماية الصحفيين. وقال والده إن مسلحين متعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي أطلقوا النار عليه أثناء تصويره الدمار في حي الصبرة، فيما تحدثت تقارير عن مجموعات مسلحة تلقت دعماً إسرائيلياً في إطار مواجهة حماس. ومع ذلك، لم تثبت بصورة مستقلة مسؤولية إسرائيل عن استشهاده أو صلتها المباشرة بالمسلحين الذين أطلقوا النار عليه. وهي حقيقة لا يصح تجاوزها، مثلما لا يصح أن تتحول إلى وسيلة لعزل الحادثة عن السياق الأوسع الذي وقعت فيه.
فغزة التي استشهد فيها صالح لم تكن قد استعادت أمنها بانسحاب القوات الإسرائيلية من بعض مناطقها. الحرب التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 خلّفت عشرات آلاف الشهداء ، وأحياء مدمرة، وسكاناً اقتُلِعوا من منازلهم مرات متتالية. كما أضعفت المؤسسات والخدمات الأساسية، ودفعت القطاع إلى مرحلة شديدة الاضطراب، تداخلت فيها آثار الاحتلال والحصار والعمليات العسكرية مع الصراع الداخلي على السلطة والسلاح. وقد أضاف ظهور مجموعات مسلحة محلية، وسط اتهامات لبعضها بالتعاون مع إسرائيل، تحدياً جديداً إلى حياة الفلسطينيين الذين كانوا ينتظرون انتهاء القتال.
ومن هنا، فإن البحث في استشهاد صالح لا يتوقف عند هوية من أطلق النار. فالمسؤولية الجنائية المباشرة عن الجريمة تستدعي تحقيقاً مستقلاً، لكن ثمة مسؤولية سياسية أوسع تتصل بما جرى للقطاع خلال الحرب وبالظروف التي أعقبتها. وهذا لا يعفي الفصائل أو المجموعات الفلسطينية المسلحة من مسؤولياتها، ولا يمنح أي طرف مبرراً لاستخدام السلاح ضد المدنيين والصحفيين. بل يجعل مساءلة جميع الأطراف ضرورة، بعيداً عن اختزال القضية في روايات متعارضة قد تستخدم كل منها الضحية لتبرير موقفها.
وكان صالح واحداً من الصحفيين الفلسطينيين الذين حملوا مهمة نقل الحرب إلى العالم في ظروف استثنائية. فقد أصبح العمل الصحفي في غزة أكثر خطورة مع استمرار الغارات الإسرائيلية، وتعطل وسائل الاتصال، وصعوبة الحصول على الحماية والمعدات، فضلاً عن منع الصحفيين الأجانب من دخول القطاع بصورة مستقلة. وفي أيلول/سبتمبر 2026، وثقت لجنة حماية الصحفيين مقتل 189 صحفياً وعاملاً إعلامياً فلسطينياً في غزة بنيران إسرائيلية منذ بداية الحرب، وهو رقم يكشف حجم الخسارة التي أصابت القطاع الإعلامي، إلى جانب الخسائر البشرية الواسعة بين السكان.
ولم يبدأ سجل مقتل الصحفيين الفلسطينيين مع الحرب الأخيرة. ففي أيار/مايو 2022، استشهدت الصحفية شيرين أبو عاقلة خلال تغطيتها عملية عسكرية إسرائيلية في جنين. وخلص تقييم أميركي إلى أن الرصاصة التي قتلتها أُطلقت على الأرجح من موقع للقوات الإسرائيلية، فيما أقر الجيش الإسرائيلي لاحقاً باحتمال كبير أن تكون قد أصيبت بنيرانه، مع نفي تعمد استهدافها. أما في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فاستشهد مصور وكالة رويترز عصام عبد الله بقذيفة دبابة إسرائيلية أثناء عمله في جنوب لبنان، ولا تزال الوكالة تطالب بمحاسبة المسؤولين عن استشهاده.
تختلف ظروف هذه الحوادث، ولا يجوز جمعها تحت توصيف قانوني واحد من دون أدلة. لكنها تضع حرية الصحافة أمام سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن ضمان نقل الوقائع من مناطق النزاع إذا كان الصحفيون أنفسهم عرضة للقتل، وإذا ظلت التحقيقات والمساءلة عاجزة عن توفير الحماية والإنصاف؟ فالمسألة لا تتعلق بمهنة فحسب، وإنما بحق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات ومعرفة ما يجري على أرضها.
وبعد عام على وقف إطلاق النار في غزة، ما زال هذا السؤال قائماً. فقد تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ بداية الحرب 74 ألفاً، بحسب وزارة الصحة في القطاع، فيما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الضربات الإسرائيلية أوقعت أكثر من 1400 قتيل فلسطيني منذ بدء الهدنة، وفق بيانات الوزارة. وفي المقابل، لا تزال إعادة الإعمار شبه متوقفة، وتستمر الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل سلاح حماس وإدارة القطاع، بينما يعيش مئات آلاف النازحين في خيام ومبانٍ متضررة.
وتقول إسرائيل إن عملياتها العسكرية تستهدف المسلحين ومصادر التهديد لأمنها، وتربط استكمال الانسحاب بنزع سلاح حماس، بينما تتمسك الحركة بربط نزع السلاح بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الهجمات. لكن هذه الخلافات، مهما بلغت أهميتها في حسابات الأطراف، لا تلغي الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين، ولا تجعل استمرار سقوط الضحايا نتيجة يمكن التعامل معها باعتبارها أمراً طبيعياً خلال التفاوض.
لقد نجح اتفاق تشرين الأول 2025 في وقف العمليات العسكرية الكبرى وإتمام تبادل للأسرى والمحتجزين، لكنه لم ينجح حتى الآن في نقل غزة إلى مرحلة مستقرة. فالهدنة التي لا تتبعها ترتيبات سياسية وأمنية واضحة، وضمانات لحماية السكان، ومسار فعلي لإعادة الإعمار، تبقى معرضة للتآكل. أما استمرار السيطرة العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، وتعثر المؤسسات المدنية، وتعدد الجهات المسلحة، فيجعل الحياة اليومية رهينة تطورات لا يملك السكان التأثير فيها.
وفي اليوم التالي لاستشهاد صالح، عاد شقيقه ناجي إلى غزة بعد الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية ضمن صفقة التبادل. كانت عودته واحدة من اللحظات التي انتظرتها العائلة، لكنها جاءت بعد أن فقدت الابن الذي أمضى الحرب يوثّق معاناة الآخرين. اختصرت تلك المصادفة القاسية جانباً مما عاشته عائلات فلسطينية كثيرة؛ عودة منتظرة لا تعيد الغائبين، واتفاق سياسي يفتح باباً للأمل من دون أن يمحو ما سبق من خسائر.
بعد عام، لم تعد قضية صالح الجعفراوي مقتصرة على حادثة استشهاده، ولا على الجهة المتهمة بإطلاق النار عليه. إنها تطرح، مع غيرها من الوقائع، سؤالاً عن مستقبل قطاع ما زال يعيش نتائج الحرب رغم الإعلان عن توقفها. لقد خرج ناجي من الأسر، لكن شقيقه لم يعش ليلتقيه، وفي غزة عائلات كثيرة لم تستعد بعد أبناءها أو منازلها أو حياتها السابقة.
وما دام الفلسطينيون يعيشون تحت خطر الاستهداف والنزوح، وتظل الحماية والمحاسبة معلقتين على اتفاقات لم تُستكمل، فإن انتهاء العمليات العسكرية الكبرى لن يكون كافياً للقول إن الحرب انتهت. فالمعيار الأهم لأي تسوية ليس ما تعلنه الأطراف عن وقف القتال، وإنما ما يتغير فعلاً في حياة الذين نجوا منه.





