
تقرير | حرية برس:
أعلنت وزارة الداخلية السورية، الاثنين 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، فتح مهلة جديدة لاستكمال إجراءات منح الجنسية السورية للمواطنين الكرد المشمولين بالمرسوم رقم 13، في خطوة تستهدف معالجة أوضاع المتأخرين عن استكمال معاملاتهم، ضمن مسار بدأ مطلع العام الجاري لإنهاء آثار الإحصاء الاستثنائي الذي شهدته محافظة الحسكة قبل 64 عاماً.
وحددت الإدارة العامة للشؤون المدنية الفترة من 18 حتى 29 تشرين الأول الجاري لاستكمال الإجراءات، ولا سيما للأشخاص الذين تغيبوا عن مواعيد المقابلات السابقة أو حالت ظروفهم دون إنهاء معاملاتهم خلال المرحلة الثانية. وتشمل المراكز المعتمدة دمشق وحلب والرقة والحسكة والقامشلي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية «سانا».
ويعيد الإعلان تسليط الضوء على قضية بقيت عالقة لعقود، بعدما وجد آلاف الكرد السوريين أنفسهم خارج سجلات الجنسية، رغم ولادتهم في سوريا وإقامة عائلاتهم فيها منذ أجيال. ولم يكن هذا الوضع يشمل جميع الكرد، إذ احتفظ قسم كبير منهم بالجنسية السورية، بينما جُرّد آخرون منها أو ظلوا دون قيد مدني رسمي.
كيف بدأت المشكلة؟
الكرد مجموعة قومية لها لغتها وثقافتها الخاصة، ويعيش أبناؤها في عدة دول، أبرزها سوريا والعراق وتركيا وإيران. وفي سوريا، يتركز وجودهم في محافظة الحسكة ومناطق من ريف حلب، ولا سيما عين العرب (كوباني) وعفرين، إلى جانب أحياء وتجمعات كردية في مدن سورية أخرى.
ومثل بقية السوريين، حمل كثير من الكرد الجنسية السورية منذ نشوء الدولة الحديثة. لكن أوضاع قسم منهم تغيرت بعد الخامس من تشرين الأول عام 1962، عندما أجرت السلطات إحصاءً استثنائياً في محافظة الحسكة، بهدف معلن هو التحقق من سجلات السكان وإقامتهم في المنطقة.
واشترطت الإجراءات تقديم وثائق تثبت أحقية السكان في الجنسية، غير أن عدداً كبيراً من الكرد لم يتمكنوا من استيفاء الشروط التي فرضتها السلطات، فيما جُرّد آخرون من الجنسية رغم حيازتهم وثائق سورية سابقة.
وتشير تقديرات حقوقية إلى أن نحو 120 ألف كردي فقدوا جنسيتهم نتيجة ذلك الإحصاء، قبل أن تتسع المشكلة مع مرور السنوات لتشمل أبناء وأحفاد المتضررين.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح الكرد في الحسكة موزعين من الناحية القانونية بين ثلاث فئات؛ مواطنون احتفظوا بجنسيتهم السورية، وأشخاص صُنّفوا في السجلات الرسمية ضمن فئة «أجانب الحسكة»، وآخرون عُرفوا باسم «مكتومي القيد».
وكان «أجانب الحسكة» مسجلين لدى السلطات بموجب قيود خاصة، لكن من دون الاعتراف بهم مواطنين سوريين. أما مكتومو القيد، فكانت أوضاعهم أكثر تعقيداً لعدم وجود تسجيل مدني رسمي لهم، ما صعّب إثبات هويتهم وتسجيل أفراد أسرهم.
ولم تقتصر آثار ذلك على الأوراق الرسمية؛ فقد واجه المتضررون عقبات في التملك والعمل والتنقل والحصول على جوازات السفر، إلى جانب مشكلات في تسجيل الزواج والولادات، واستخراج الوثائق اللازمة لممارسة حقوقهم المدنية.
لماذا حصل بعض الكرد على الجنسية وبقي آخرون محرومين؟
في نيسان عام 2011، أصدر الرئيس السابق بشار الأسد المرسوم رقم 49، الذي سمح بمنح الجنسية السورية للمسجلين ضمن فئة «أجانب الحسكة».
واستفاد عدد من المشمولين بالقرار، لكن المرسوم لم يشمل مكتومي القيد، ما أبقى شريحة من الكرد السوريين دون جنسية، رغم أن بعضهم كان ينتمي إلى العائلات نفسها التي حصل أفراد منها على الجنسية.
واستمرت هذه المشكلة طوال السنوات التالية، قبل أن يصدر الرئيس أحمد الشرع في 16 كانون الثاني 2026 المرسوم رقم 13، الذي نص على إلغاء القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء الحسكة عام 1962، ومنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد.
وتضمن المرسوم أيضاً الاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها وفق الضوابط المقررة، واعتماد عيد النوروز في 21 آذار عطلة رسمية.
وبعد صدور المرسوم، أصدرت وزارة الداخلية في 20 شباط القرار رقم 144 لتنظيم إجراءات التجنيس، قبل أن تبدأ استقبال الطلبات في نيسان الماضي.
وبحسب بيانات نشرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في حزيران، كانت السلطات السورية قد استقبلت حتى 22 أيار 2892 طلباً عائلياً شملت 10516 شخصاً.
غير أن هذه الأرقام تتعلق بطلبات التجنيس المقدمة، ولا تعني بالضرورة أن جميع أصحابها حصلوا على الجنسية أو استكملوا استخراج وثائقهم.
معاملات لم تُحسم بعد
رغم صدور المرسوم وبدء تنفيذه، لا تزال بعض العائلات تواجه صعوبات في استكمال الإجراءات، بحسب تقرير نشرته منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» في الخامس من تشرين الأول الجاري.
ووثقت المنظمة حالة جومرد حمو، وهو من مكتومي القيد في مدينة القحطانية بريف الحسكة، الذي أجرى المقابلة المطلوبة وقدّم بصماته وتسلّم إشعاراً رسمياً بطلب التجنيس، لكن وضع أبنائه الثمانية بقي معلقاً لعدم إدراجهم في المعاملة.
ونقلت المنظمة شهادات أخرى عن اختلاف الإجراءات بين المراكز وتأخر معالجة بعض الطلبات أو تصحيح البيانات، الأمر الذي قد يطيل انتظار أصحاب المعاملات حتى بعد قبول طلباتهم الأولية.
وتشير هذه الحالات إلى أن معالجة آثار إحصاء 1962 لا تتوقف عند إصدار قرار بمنح الجنسية، بل تتطلب استكمال القيود المدنية وتسجيل أفراد الأسر وإصدار الوثائق الرسمية.
وتأتي المهلة الجديدة التي أعلنتها وزارة الداخلية لإتاحة فرصة إضافية أمام المشمولين بالمرحلة الثانية لاستكمال إجراءاتهم، دون أن يتضمن الإعلان حصيلة محدثة لعدد الذين حصلوا فعلياً على الجنسية منذ بدء تنفيذ المرسوم.
كما لم يوضح الإعلان ما إذا كانت ستُتاح إجراءات إضافية لأصحاب الملفات التي تبقى عالقة بعد 29 تشرين الأول، أو كيف ستُعالج الحالات التي تواجه مشكلات في الوثائق وتسجيل أفراد الأسرة.
وبعد أكثر من ستة عقود على إحصاء الحسكة، ما زال إنجاز معاملات التجنيس يمثل خطوة أساسية بالنسبة إلى العائلات التي عاشت سنوات طويلة من دون وثائق تثبت جنسيتها السورية. وبينما أقر المرسوم الجديد حقوق المشمولين به، يبقى استكمال التسجيل المدني والحصول على الوثائق الرسمية المرحلة التي تنتظرها الأسر لإنهاء أوضاعها القانونية.








