المفقودون السوريون في ليبيا.. لماذا زار الشيباني بنغازي بعد طرابلس؟

فريق التحرير12 أكتوبر 2026آخر تحديث :
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال لقائه صدام حفتر في مدينة بنغازي الليبية، 11 تشرين الأول 2026 – سانا.

أعادت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى مدينة بنغازي الليبية، الأحد 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ملف السوريين المفقودين والمعتقلين في ليبيا إلى الواجهة، بعد سنوات من انقطاع أخبار بعضهم، ومطالبات متكررة من عائلاتهم بالكشف عن مصيرهم.

والتقى الشيباني، برفقة رئيس جهاز الاستخبارات العامة عبد القادر طحان، صدام خليفة حفتر، نائب قائد القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا وبحث معه متابعة أوضاع المواطنين السوريين المفقودين، إلى جانب التعاون الأمني والترتيبات المتعلقة بافتتاح قنصلية سورية في بنغازي وفق وكالة الأنباء السورية «سانا».

وتأتي الزيارة بعد نحو ستة أسابيع من إعادة افتتاح السفارة السورية في العاصمة طرابلس لتطرح تساؤلات حول أسباب توجه دمشق إلى شرق ليبيا وما يمكن أن يقدمه التواصل مع سلطاته في قضية المفقودين.

المفقودون السوريون.. ماذا نعرف عن قضيتهم؟

لا تقتصر قضية السوريين المفقودين في ليبيا على الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم خلال محاولات الهجرة نحو أوروبا بل تشمل أيضاً حالات اعتقال واحتجاز أبلغت عنها عائلات سورية خلال السنوات الماضية.

ففي شباط/فبراير 2025، نظم أهالي معتقلين سوريين اعتصاماً أمام السفارة الليبية في دمشق مطالبين بالكشف عن مصير أبنائهم المحتجزين، وفق ما أورده تلفزيون سوريا نقلاً عن تجمع أحرار حوران.

وتحدثت التغطية حينها عن اعتقال سوريين في ليبيا بعد احتفالهم بسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، كما نقلت عن ناشطين تقديرات تفيد بوجود ما بين 200 و300 سوري في مركز احتجاز تابع لدائرة الهجرة في بنغازي.

وهذه الأرقام تعود إلى تقارير وشهادات منشورة في مطلع عام 2025، وليست حصيلة رسمية محدثة للمعتقلين أو المفقودين حتى اليوم.

وفي قضية أخرى، نقلت التغطية شهادة عن فقدان الاتصال بمجموعة تضم 33 شاباً سورياً في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2024، خلال رحلة هجرة عبر ليبيا، من دون أن تتمكن عائلاتهم آنذاك من تحديد مصيرهم.

وتكشف هذه الحالات عن طبيعة المشكلة التي تواجه الأسر فبعضها يبحث عن أشخاص يُعتقد أنهم محتجزون داخل الأراضي الليبية بينما لا تعرف أسر أخرى إن كان أبناؤها قد وصلوا إلى مراكز احتجاز، أم تعرضوا للخطف، أو اختفوا خلال محاولات عبور البحر المتوسط.

ولا يمكن اعتبار جميع هذه الحالات اختفاءً قسرياً من الناحية القانونية دون التحقق من ظروف كل حالة والجهات المسؤولة عنها.

لماذا بنغازي تحديداً؟

لفهم أهمية الزيارة، لا بد من التوقف عند الانقسام السياسي والأمني الذي تعيشه ليبيا.

فمنذ سنوات، تتوزع السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس غرب البلاد وهي الحكومة المعترف بها دولياً، وحكومة موازية برئاسة أسامة حماد في الشرق، مدعومة من القوات التي يقودها خليفة حفتر.

ولا تملك حكومة طرابلس سلطة فعلية على جميع المناطق الليبية إذ تسيطر قوات حفتر على مناطق واسعة في الشرق وأجزاء من الجنوب، بما فيها بنغازي.

ولهذا الانقسام تأثير مباشر في القضايا الأمنية بما فيها متابعة الموقوفين والبحث عن المفقودين فالمعلومات المتعلقة بشخص محتجز في منطقة خاضعة لسلطات الشرق قد لا تكون متاحة لحكومة طرابلس والعكس صحيح.

ومن هنا تبرز أهمية لقاء الشيباني مع صدام حفتر خصوصاً في ظل التقارير السابقة التي تحدثت عن وجود محتجزين سوريين في بنغازي. فالتواصل المباشر مع الجهات التي تملك النفوذ الأمني في المنطقة قد يساعد في الوصول إلى معلومات لا يمكن الحصول عليها عبر السفارة السورية في طرابلس وحدها.

لكن ذلك لا يعني أن جميع المفقودين السوريين موجودون في مناطق سيطرة حفتر أو أن السلطات هناك تمتلك بالضرورة معلومات عن جميع الحالات.

من افتتاح السفارة إلى البحث عن المفقودين

في 30 آب/أغسطس الماضي، أعاد الشيباني افتتاح السفارة السورية في طرابلس بعد إغلاق استمر أكثر من 14 عاماً في خطوة هدفت إلى استعادة التمثيل الدبلوماسي وتقديم الخدمات لأبناء الجالية السورية.

وتشير تقديرات نقلتها سانا إلى وجود نحو 200 ألف سوري في ليبيا، يتوزعون على مناطق مختلفة ولا سيما طرابلس وبنغازي.

وخلال زيارة طرابلس، بحث الشيباني مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ملفات السجناء والموقوفين والخدمات القنصلية، إلى جانب العلاقات الثنائية والتعاون الأمني.

أما في بنغازي، فقد عاد ملف المفقودين إلى المباحثات بصورة مباشرة، بالتزامن مع بحث افتتاح قنصلية سورية في المدينة.

ويمكن أن يتيح وجود تمثيل قنصلي في الشرق متابعة معاملات السوريين والتواصل مع الجهات المحلية بشأن المحتجزين والمفقودين من دون الحاجة إلى الاعتماد على السفارة في طرابلس وحدها.

وكانت وزارة الخارجية السورية قد أطلقت في نيسان/أبريل الماضي نافذة إلكترونية لتسجيل بلاغات السوريين المفقودين والموقوفين خارج البلاد بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين، بهدف جمع المعلومات ومتابعة القضايا عبر القنوات الدبلوماسية.

إلا أن ربط هذه البلاغات بإجراءات ميدانية داخل ليبيا يحتاج إلى تعاون الجهات المعنية وإتاحة المعلومات المتعلقة بمراكز الاحتجاز والسجلات الرسمية.

ماذا تحقق من زيارة بنغازي؟

رغم إدراج ملف المفقودين ضمن مباحثات الشيباني وصدام حفتر لم تتضمن البيانات الرسمية المنشورة إعلاناً عن الكشف عن مصير أشخاص محددين أو الإفراج عن محتجزين أو حتى التوصل إلى اتفاق معلن لتبادل قوائم المفقودين.

كما لم يُعلن عن تشكيل لجنة مشتركة للتحقيق في الحالات، أو تحديد موعد لافتتاح القنصلية السورية في بنغازي.

ويبقى حضور رئيس جهاز الاستخبارات العامة السوري في اللقاء مؤشراً إلى أهمية الجانب الأمني في المباحثات من دون أن تتضح حتى الآن طبيعة التفاهمات أو الإجراءات التي يمكن أن تنتج عنها.

وبالنسبة إلى عائلات المفقودين، فإن الخطوة الأهم لا تتمثل في توسيع الاتصالات الدبلوماسية وحدها بل في الوصول إلى معلومات موثوقة عن أماكن وجود أبنائها والتحقق من أوضاع المحتجزين، وإبلاغ الأسر بنتائج البحث بصورة رسمية.

وبين زيارة طرابلس واللقاء مع سلطات بنغازي، أصبح لدمشق اتصال معلن مع طرفي الانقسام الليبي. لكن نجاح هذا المسار سيُقاس بما يكشفه عن مصير السوريين الذين ما زالت عائلاتهم تنتظر معرفة ما جرى لهم، وما إذا كانت المباحثات ستتحول إلى إجراءات تعيد للمفقودين أسماءهم وأخبارهم، ولأسرهم الإجابات التي طال انتظارها.

اترك رد

عاجل