في ضرورة التعددية.. من يمول الإعلام السوري؟

علي سفر7 أكتوبر 2026آخر تحديث :
علي سفر
الإعلامي والكاتب السوري علي سفر

يدور هذه الأيام في الأوساط السورية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، جدل حول وسائل الإعلام التي تعمل في سوريا اليوم، ويتركز حول سؤال يبدو بسيطاً لكنه ليس كذلك: هل هذه وسائل إعلام وطنية؟ وهل يمكن لوسيلة إعلام سورية تموّلها دولة عربية أن تكون إعلاماً وطنياً سورياً؟ أم أن مصدر التمويل يجعلها، بالضرورة، جزءاً من أجندة الدولة التي تمولها؟ والإجابة تحتاج إلى النظر في المشكلة ضمن سياقها الأوسع، لأن اختزالها في مصدر التمويل وحده قد يقود إلى نتيجة غير دقيقة.

منذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، أُغلقت تقريباً مساحة الإعلام الخاص المستقل. وأصبح الإعلام الرسمي هو القاعدة. وحتى عندما ظهرت وسائل إعلام خاصة في بدايات الألفية الجديدة، كانت ملكيتها في حالات كثيرة بيد رجال أعمال قريبين من النظام، ولذلك بقيت هذه الوسائل تتحرك داخل الحدود التي تسمح بها السلطة.

وحين قامت الثورة السورية، لم يكن لدى السوريين إعلام محلي واسع يستطيع أن ينقل رواية مختلفة عما كانت تقوله مؤسسات النظام. وكانت قناة أورينت التجربة التلفزيونية السورية الأبرز التي وقفت إلى جانب الثورة، إلى جانب وسائل إعلام عربية تبنت موقفاً مؤيداً لها.

ثم حدث شيء مهم جداً خلال سنوات الثورة. حيث ظهرت عشرات التجارب الإعلامية، وبرز نموذج “المواطن الصحفي”. وهذا لم يستمر من دون تمويل دولي، جاء من حكومات غربية ضمن برامج دعم الديمقراطية وحرية الإعلام.

وهذا جزء من تاريخ الإعلام السوري الجديد، ولا يمكن إنكاره أو التعامل معه باعتباره وصمة. لأن تلك المؤسسات جاءت في سياق محدد، وفي ظروف لم يكن فيها اقتصاد سوري قادر على تمويل إعلام مستقل، ولا كانت هناك سوق إعلانية حقيقية يمكن أن تعيش منها هذه الوسائل.

لاحقاً، في عام 2018، انطلق “تلفزيون سوريا”، الذي تمتلكه مؤسسة فضاءات ميديا في دولة قطر الشقيقة، وأصبح مع الوقت واحداً من أهم المؤسسات الإعلامية السورية خارج البلاد. وفي المقابل تراجعت تجارب أخرى، وأغلقت أورينت أبوابها، وتقلصت مساحة عدد كبير من المؤسسات التي ظهرت خلال سنوات الثورة بسبب تغير الأولويات لدى الداعمين. وحين انطلقت عملية ردع العدوان التي أطاحت بالنظام البائد كانت هذه محطة رئيسية في نقل أخبار ما يجري على الأرض.

اليوم، بعد سقوط النظام، نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف، لكنه يحمل مشكلة قديمة بطريقة جديدة. هناك إعلام حكومي، وهناك إعلام ممول من دولة عربية. وإذا نظرنا إلى المؤسسات الأكثر حضوراً وتأثيراً، سنجد أن المشهد يميل إلى هذين القطبين.

فهل هذا يكفي كي نقول إن لدينا تعددية إعلامية؟ بالطبع لا. وجود وسيلتين كبيرتين، مهما اختلفت توجهاتهما، لا يعني أن الفضاء الإعلامي أصبح متنوعاً بالمعنى الحقيقي. لأن التعددية تحتاج إلى وسائل أكثر، وإلى ملكيات مختلفة، وإلى مصادر تمويل شتى، ومساحات تحريرية مختلفة. فالمواطن السوري يحتاج أن يجد روايات مختلفة لما يجري، وأن يعرف أيضاً من يقف وراء كل مؤسسة ومن يمولها.

لهذا لا يمكن الجزم بأن الحل هو المطالبة بإغلاق الإعلام الممول من الخارج، أو التعامل معه باعتباره غير وطني لمجرد أن مصدر تمويله خارج سوريا. هذا الطريق لا يؤدي إلى إعلام وطني، وإنما يمكن أن يعيدنا ببساطة إلى احتكار الدولة للمجال الإعلامي.

المطلوب فعلياً هو توسيع هذا المجال. نحن نحتاج إلى إعلام حكومي، أو بالأحرى إعلام عام، لكننا نحتاج في الوقت نفسه إلى إعلام خاص، وإلى مؤسسات إعلامية سورية يمولها رجال أعمال سوريون، وإلى مبادرات مستقلة ومؤسسات غير ربحية، وإلى نماذج جديدة للتمويل. المهم ألا يبقى الجمهور أمام عدد محدود من المؤسسات التي تستطيع وحدها تحديد ما يسمعه السوري وما لا يسمعه.

لكن هنا نصل إلى المشكلة الأصعب: من يستطيع أن يمول الإعلام السوري اليوم في ظل تضاؤل قدرة الدولة على التمويل؟

الاقتصاد السوري الآن يخرج من سنوات كارثية. كما أن السوق ضعيفة، والإعلان محدود، والشركات نفسها تكافح من أجل تثبيت أقدامها. وبالتالي فإن إنشاء مؤسسة إعلامية تجارية اليوم ليس استثماراً عادياً. وأي رجل أعمال يفكر في تأسيس محطة تلفزيونية أو منصة إعلامية سيجد أمامه سؤالين: هل يريد مؤسسة تعبر عن مواقفه ومصالحه؟ أم يريد مؤسسة تجارية تحقق الربح؟

وهنا لا بد من تذكر أن الاعتماد على المال الخارجي ليس ظاهرة سورية حديثة واستثنائية. الصحافي الكبير الراحل رياض نجيب الريس، مثلاً، يتحدث في حواره الطويل، مع الزميلة سعاد جروس، عن جولاته على أمراء الخليج بحثاً عن تمويل لاستمرار العمل الصحفي. هل كان ذلك يجعل صحافته غير ذات أهداف وطنية؟ لا يمكن اختصار المسألة بهذه الطريقة.

الصحافة تحتاج إلى المال، والمؤسسة الإعلامية تحتاج إلى تكاليف كبيرة. المشكلة تبدأ عندما يصبح التمويل، أياً كان مصدره، هو الذي يحدد السياسة التحريرية. وهذا ينطبق على المال الخارجي كما ينطبق على المال السوري. فلو موّل رجل أعمال سوري محطة تلفزيونية، لا يمكن أن نفترض مسبقاً أنها ستكون أكثر استقلالاً من محطة تمولها دولة عربية. قد تكون كذلك، وقد تكون وسيلة للتعبير عن مصالحه السياسية والاقتصادية.

لذلك، فإن معيارنا يجب أن يكون أوسع من سؤال: من أين جاء المال؟ ليصل إلى شفافية التمويل، وتعدد في الملكية، وإلى قواعد واضحة تمنع الممول من تحويل المؤسسة الإعلامية إلى ناطق باسمه، وإلى مساحة قانونية حقيقية تسمح للصحفي بالعمل بعيداً عن تدخل الحكومة والمالك والمعلن في آن واحد. كما ونحتاج أيضاً إلى إعلام عام مستقل، لا يكون مجرد نسخة جديدة من إعلام الدولة القديم.

الإعلام لا يصبح وطنياً لأن المال الذي يدفع رواتب موظفيه موجود داخل الحدود السورية. إنه يصبح كذلك عندما يكون قادراً على العمل باستقلال، وعندما يعرف الجمهور من يموله، وعندما يستطيع أن يقدم أكثر من رواية، وعندما لا تكون هناك جهة واحدة قادرة على اختصار سوريا كلها في صورتها الخاصة.

المصدر الثورة السورية

اترك رد

عاجل