

تزايدت في سورية أخيراً حوادث أمنية واستهدافات متفرقة تبدو للوهلة الأولى منفصلة في طبيعتها ومواقعها وأهدافها. لكن جمعها ضمن صورة واحدة يطرح سؤالاً يتجاوز مسؤولية كل حادثة على حدة: هل نحن أمام وقائع أمنية متفرقة تفرضها ظروف المرحلة، أم أمام نمط متدرّج من الاستهداف يهدف إلى استنزاف الدولة وتقويض الاستقرار وإبقاء سورية في حالة هشاشة أمنية وسياسية واقتصادية؟ ولعل السؤال الأهم ليس فقط: من يقف وراء كل حادثة؟ بل: من يستفيد من تراكم هذه الحوادث واستمرارها واتساع نطاقها؟
في هذا السياق، تبرز حادثة جسر مصياف، التي أسفرت عن مقتل سبعة من العمّال والمهندسين. وبغض النظر عن الجهة خلفها، يتمثل أحد أخطر أبعادها في إمكانية توظيفها ضمن خطاب طائفي، في بلد لا تزال فيه الانقسامات المجتمعية والسياسية عميقة، فالحوادث ذات الطابع الهوياتي قد تتجاوز بكثير حجمها الميداني، وتتحوّل إلى عامل إضافي في إنتاج التوتر الأهلي. ولا تحتاج عملية واحدة إلى إشعال صدام واسع؛ فقد يكون الغرض إنتاج سلسلة من الوقائع الصغيرة والمتوسطة التي تتراكم، فتجعل المجتمع أكثر قابلية للانقسام، وتقلل قدرة الدولة على احتواء التوتر.
لا تبدو حادثة مصياف معزولة عن سلسلة أخرى من الوقائع التي شهدتها مناطق سورية مختلفة، من تفجيرات طاولت مستودعات للذخيرة، إلى استهداف منشآت وخطوط مرتبطة بالطاقة والنفط والغاز، ومحطة تشرين الحرارية. ومع هذا، من الخطأ افتراض وجود رابط مباشر بين جميع هذه الحوادث قبل توافر أدلة موثوقة، فقد تكون بعض الوقائع ناجمة عن أسباب محلية أو أخطاء تقنية أو صراعات بين أطراف محلية أو عمليات انتقامية أو سوء إدارة. لكن التحليل الأمني لا يقتصر على تحديد المسؤول المباشر عن كل حادثة، بل ينظر أيضاً إلى التكرار والتوزع الجغرافي وطبيعة الأهداف والنتائج المتراكمة.
الحوادث ذات الطابع الهوياتي قد تتجاوز بكثير حجمها الميداني، وتتحوّل إلى عامل إضافي في إنتاج التوتر الأهلي
ومن هذه الزاوية، تبرز سمتان أساسيتان: الأولى الانتشار الجغرافي، إذ تظهر الحوادث في مناطق متباعدة، ما يوسّع مساحة الضغط على الدولة ويجعل الاستجابة أكثر صعوبة. والثانية تنوّع الأهداف، إذ لا يقتصر الاستهداف على الجانب العسكري، بل يمتد إلى قطاعات اقتصادية وخدمية واجتماعية.
وإذا افترضنا، على سبيل التحليل، أن جزءاً من هذه العمليات يقف وراءه فاعل منظم يسعى إلى إضعاف الدولة، فإن اختيار الأهداف يصبح أكثر أهمية من حجم الانفجار أو عدد الضحايا. فاستهداف مخازن السلاح قد يضعف القدرات اللوجستية والأمنية، بينما يؤدي ضرب منشآت الطاقة والكهرباء إلى التأثير المباشر في حياة السكان وزيادة الضغوط الاقتصادية والخدمية. أما العمليات ذات البعد الطائفي فتستهدف الثقة بين مكونات المجتمع، وهي عنصر أساسي في الاستقرار السياسي.
وبذلك يمكن تصور ثلاثة مسارات متوازية للضغط: أمني يستنزف قدرة الدولة على ضبط المجال الجغرافي، واقتصادي وخدمي يزيد الضغوط على السكان، واجتماعي يغذي المخاوف والهويات الفرعية. والأخطر أن هذه المسارات قد يغذّي بعضها بعضاً: فتدهور الخدمات يرفع التوتر الاجتماعي، والتوتر يزيد قابلية المجتمع لتصديق الشائعات والخطابات التحريضية، بينما يؤدّي الاضطراب الأمني إلى تقليص قدرة الدولة على معالجة المشكلات الاقتصادية والخدمية.
نظرياً، يمكن أن تستفيد جهات مختلفة من استمرار حالة عدم الاستقرار، من دون أن يعني هذا مسؤوليتها عن العمليات.
حادث أمني محدود قد يفرض انتشاراً أمنياً واسعاً، بينما يمكن لحادث طائفي أن يترك أثراً اجتماعياً ونفسياً طويل الأمد
قد يستفيد تنظيم داعش من الفراغات الأمنية إذا تمكن من استعادة جزء من نشاطه، كما قد تستفيد مجموعاتٌ مرتبطة ببقايا النظام السابق إذا كانت تسعى إلى إرباك السلطة الجديدة. وقد تجد قوى إقليمية مرتبطة بإيران في عدم الاستقرار بيئة تسمح بإعادة بناء بعض شبكات النفوذ.
أما إسرائيل، فإن سياساتها تجاه سورية ترتبط بمصالح أمنية وجيوسياسية، لكن الانتقال من وجود مصلحة محتملة إلى اتهام مباشر بالمسؤولية عن حادثة محدّدة يحتاج إلى أدلة مستقلة. وهنا يجب التمييز بوضوح بين المصلحة والمسؤولية؛ فقد تستفيد جهات متعددة من نتيجة واحدة من دون أن تكون قد نسقت فيما بينها أو شاركت في إنتاجها.
من الصعب الجزم بوجود غرفة عمليات مشتركة تجمع أطرافاً متعددة ذات مصالح وأجندات متناقضة. لكن هناك سيناريو أكثر تعقيداً: أن تعمل جهات مختلفة، كل منها لتحقيق أهدافها الخاصة، على استغلال البيئة السورية الهشة، فتتقاطع نتائج أفعالها من دون أن تتقاطع عملياتها. وفي هذه الحالة، لا تحتاج الفوضى إلى غرفة عمليات واحدة؛ يكفي أن تتحرك أطراف مختلفة في اتجاهات متوازية، فتؤدي أفعالها مجتمعة إلى إضعاف الدولة وإنهاك مؤسساتها وزيادة الاحتقان وتعطيل التعافي الاقتصادي.
لا تحتاج عمليات الاستنزاف إلى ضربات ضخمة. فقد تكون تكلفة تنفيذ عملية محدودة منخفضة، بينما تكون تكلفة معالجة نتائجها مرتفعة. تفجير منشأة قد يستغرق دقائق، لكن إعادة تأهيلها تحتاج إلى وقت وموارد. وحادث أمني محدود قد يفرض انتشاراً أمنياً واسعاً، بينما يمكن لحادث طائفي أن يترك أثراً اجتماعياً ونفسياً طويل الأمد. وهكذا قد يصبح الخطر الحقيقي في تكرار الضربات الصغيرة في نقاط حساسة، بما ينتج “بيئة أمنية رخوة” تجعل الدولة في حالة استجابة دائمة للأزمات بدلاً من المبادرة.
قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على منع الانفجارات، وإنما أيضاً بقدرتها على منع الانفجار الاجتماعي والسياسي
لا يمكن أن تقتصر المواجهة على ملاحقة المنفذين، رغم أهميتها، بل يجب معالجة البيئة التي تجعل الاستثمار في الأزمات ممكناً. وتحتاج سورية إلى تعزيز الوحدة الوطنية، والمساواة بين المواطنين، والمشاركة السياسية، وحماية التعدّدية، وإدارة الموارد بشفافية، ومواجهة الفساد، وتحسين الخدمات، وفتح قنوات مؤسسية للتعبير عن المطالب والمخاوف. فالاستقرار الأمني لا ينفصل عن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وكلما زادت ثقة المواطن بالدولة، تراجعت قدرة أي جهة على استثمار حادث أمني وتحويله إلى أزمة وطنية.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: من يريد جرّ سورية إلى أتون الفوضى والخراب؟ بل: هل تستطيع سورية بناء دولة ومجتمع يجعل من الصعب على أي طرف، أياً كان، أن يفعل هذا؟ فهذه هي نقطة الاختبار الحقيقية: فقوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على منع الانفجارات، وإنما أيضاً بقدرتها على منع الانفجار الاجتماعي والسياسي الذي قد يليها.





