مصير العراق في ضوء الانسحاب الأمريكي والبقاء الإيراني

عبد الباسط سيدا4 أكتوبر 2026آخر تحديث :
عبد الباسط سيدا

أي مستقبل ينتظر العراق بعد الانسحاب الأمريكي والبقاء الإيراني؟ هذا هو السؤال الهاجس الذي يؤرّق الوطنيين العراقيين، هؤلاء الذين يتطلعون نحو استعادة سيادة بلدهم واسترجاع ثرواته؛ وذلك عبر وضع حد للتدخلات الخارجية التي قزّمت السيادة؛ والفساد الأسطوري الذي يلتهم الثروات ويتسبب في بؤس قطاعات واسعة من العراقيين، خاصة بين أوساط الشباب في المناطق الريفية والشعبية في المدن.
لقد تفاءل العراقيون بحذر بالرفض الأمريكي لموضوع تعيين نوري المالكي رئيسا للوزراء إثر الانتخابات البرلمانية التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي. كما تفاءلوا بحملات ملاحقة الفاسدين التي أعلن عنها رئيس الوزراء العراقي الحالي علي الزيدي، الذي جاء إلى الحكم بناء على التوافقات التي تمت بين الجانب الأمريكي وقوى الإطار التنسيقي المدعومة من النظام الإيراني، ووجدوا في تلك الحملات البداية الصحيحة لمعالجة التراكمات الثقيلة التي أنهكت كيان العراقيين من سائر المكونات المجتمعية وفي جميع الجهات العراقية.
وكان مسوغ التفاؤل هو اعتقاد العراقيين بوجود توجه أمريكي لوضع حد للتغلغل الإيراني منذ أكثر من عقدين في مفاصل الدولة العراقية. ولكن سرعان ما تبددت التوقعات والآمال، وتبين لهم أن الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس ترامب لا تقيم أي وزن لمعاناة العراقيين وتطلعاتهم، وإنما كل ما يهمها لا يتجاوز حدود الصفقات التي تنسجم مع حساباتها في إقليمنا، وعلى المستوى الدولي، وفي الداخل الأمريكي.
فاليوم، وبعد الإعلان عن الانسحاب الأمريكي العسكري الكامل من العراق، وبقاء الهيمنة الإيرانية القوية على الدولة العراقية عبر الأذرع، يتساءل الوطنيون العراقيون عن ملامح واحتمالات المرحلة المقبلة. كما يتساءلون عما إذا كانت هناك صفقة غير معلنة بين النظام الإيراني وإدارة ترامب على حساب العراق مقابل تراجعات إيرانية في أماكن وميادين أخرى؟
وما يسوّغ مثل هذه التساؤلات، هو التراجع الأمريكي عن مطلب نزع سلاح الفصائل الرافضة للاندماج ضمن الدولة العراقية، وإخفاق جهود مكافحة الفساد التي اتخذها الزيدي شعاراً لحكومته على الرغم من عدم ثقة معظم العراقيين بإمكانيات نجاحه واستمراريته في ذلك التوجه منذ الأيام الأولى للحملة؛ خاصة بعد أن تيقّنوا من استحالة محاسبة حيتان الفساد المتحكّمين بالدولة العراقية، هؤلاء الذين لا يُخفون تبعيتهم للخارج الإيراني، بل يستقوون به على شركائهم في الوطن والمصير.
وقد تناول الرئيس مسعود بارزاني الكثير من هواجس العراقيين بشأن المرحلة المقبلة، وبيّن أن العلة تكمن في الداخل العراقي بالدرجة الأولى؛ وتتمثّل في أولئك الذين يحاولون الاستفراد بالقرارات، والسيطرة على السلطة والثروات، والإخلال بشروط التوافق والشراكة والتوازن بين مختلف المكونات المجتمعية والتوجهات السياسية العراقية.
فالدول، سواء العظمى أم الإقليمية التي لديها الأطماع والقدرات، لديها مصالح وحسابات واستراتيجيات خاصة بها تتمحور حول التنافس والمزاحمة والتحكّم بالأوراق. ولكن أن يتحوّل قسم من شركاء الوطن إلى وكلاء لهذه الدولة أو تلك، وأن تكون مقاربتهم للمسائل الوطنية بناء على الأوامر والتعليمات الخارجية، فهذا مؤداه إضعاف السيادة الوطنية، وضرب الثقة بين شركاء الوطن، وهي الثقة التي لا يمكن من دونها تجاوز الأزمة البنيوية الوجودية العميقة التي يعاني منها العراق راهناً.
المشكلة المحورية التي تتمفصل حولها مختلف مشكلات دول منطقتنا، خاصة الحديثة منها التي تم تشكيلها بعد الحرب العالمية الأولى وتتميز بتنوعها المجتمعي، (العراق، سوريا، لبنان) هي أنها لم تتمكّن على مدى أكثر من قرن مضى على تأسيسها من صياغة وإنجاز مشاريعها الوطنية، وهي المشاريع التي كان من شأنها تعزيز الثقة المتبادلة بين سائر مكوناتها المجتمعية القومية والدينية والمذهبية، وبين مختلف القوى السياسية التي تضع أولويات الشعب والوطن في مقدمة كل الأهداف الأخرى. وكانت حصيلة هذا الإخفاق المزمن الصراعات والحروب الداخلية التي بدّدت الطاقات والثروات، وأفسحت المجال أمام التدخلات الخارجية.
وفي غياب الدولة الوطنية القادرة على طمأنة سائر مكوناتها، وطغيان الأيديولوجيات الإقصائية، تضخّمت الولاءات الفرعية وتورّمت، واعتمدت بمثابة شبكة الأمان للقوى المجتمعية التي تعرّضت للتمييز والمخاطر، وكانت ضحية السياسات والممارسات العنصرية والتمييزية بصورة عامة. هذا ما حصل في العراق وسوريا ولبنان وبقية دول المنطقة، وإن بمستويات متباينة، وذلك تبعاً لطبيعة وقوة السلطة في هذه الدولة أو تلك.
وقد تفاقم الوضع أكثر في الدول المشار إليها مع وصول سلطة الخميني إلى الحكم في إيران عام 1979؛ إذ وجدت تلك السلطة في المظلوميات الشيعية في دول المنطقة الحجّة المناسبة لتنفيذ مشروعها التوسعي عبر التمدد في دول المنطقة، والتغلغل في مفاصلها، بغية الهيمنة عليها واضعافها من الداخل، وتحويلها إلى مجرد ساحات للتحرك وبناء الميليشيات والدويلات الموازية.
وأسهمت الصفقات والتفاهمات التي تمت بطرق شتى وفي مراحل مختلفة بين النظام الإيراني والإدارات الأمريكية، ولم تكن إسرائيل في معظم الأحيان بعيدة عن الأجواء، في تعزيز الهيمنة الإيرانية، وتحوّلها من مجرد تدخلات وظيفية عابرة مؤقتة إلى ركائز دائمة في تحديد توجهات الحكومات، بل والميزانيات وطرق صرفها والتحكّم بها لفرض الولاءات ومعاقبة المعترضين.
واتّبع النظام الإيراني، في الدول المعنية، أسلوب الوصول إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها، والتحكّم بها، عبر الواجهات السياسية التابعة للأذرع المسلحة. ومع الوقت تشكّلت الكتل النيابية الموالية للنظام الإيراني في مجلس النواب في كل من العراق ولبنان، وتمت السيطرة على الدولة السورية بالتنسيق مع سلطة بشار الأسد.
واليوم، وبعد كل عمليات الشدّ والجذب، والمناكفات التي كانت بين الأمريكان والنظام الإيراني في العراق وعلى العراق، يعلن الأمريكان عن استكمال الانسحاب من البلد، واعتبر ترامب ذلك انتصاراً غير مسبوق لإدارته، وإدانة للإدارات السابقة لا سيما الديمقراطية منها.
وقررت الحكومة العراقية المغلوبة على أمرها الاحتفاء بالمناسبة الوطنية الكبيرة، مناسبة استعادة السيادة العراقية، بأربعة أيام عطلة في جميع أنحاء العراق.
أّما النظام الإيراني فهو يسوّق من جهته هذا الانسحاب انتصاراً لجبهة المقاومة والممانعة، وحصلية الصبر الاستراتيجي الذي اعتمده منذ بدايات وصوله إلى الحكم قبل نحو نصف قرن من الزمان نهجاً للتعامل مع الأعداء.
إذا كانت كل هذه الأطراف منتصرة فمن هو الخاسر إذاً؟
العراق كان على مر العصور ميدان الصراع بين القوى الطامحة في بناء الامبراطوريات. وهو اليوم جزء لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الإقليمية. يمتلك ثقلاً بشرياً وازناً لا يمكن تجاهله؛ وتشكّل أرضه مساحة جغرافية واسعة؛ ولديه ثروات نفطية هائلة. كما أن تركيبته السكانية متداخلة متفاعلة مع البنية السكانية في دول الجوار، خاصة مع سوريا التي كانت في مختلف المراحل التاريخية عمقاً تكاملياً مع العراق، ويمكن أن تكون راهنا ومستقبلاً واجهة العراق على المتوسط، شرط ألّا يستغل النظام الإيراني الوضع ويحاول مجددا العودة إلى الساحة السورية عبر خلاياه النائمة وأذرعه المختلفة خاصة في لبنان والعراق.
ولعله من الجدير بالذكر هنا، هو ان تصاعد وتيرة عمليات التفجير في مناطق سورية عديدة يذكّر السوريين والعراقيين بالأسلوب الذي اعتمده النظام الإيراني بالتعامل مع سلطة بشار الأسد في العراق، وذلك بعد سقوط نظام صدام حسين. وليس من المستبعد أن يعود الوضع في العراق اليوم إلى ما كان عليه قبل نحو عقدين، بل ليس من المستبعد أن يظهر داعش الكوكتيل المخابراتي، الذي استفاد منه النظام الإيراني في ميدان إرباك الخصوم والانتقام منهم أكثر من الجميع، مجدداً في العراق وسوريا.
العراق بلد كبير بتاريخه وموارده البشرية والطبيعية؛ ويحظى بموقع جغرافي متميّز. وهو يمتلك مقوّمات قوة إقليمية كبرى مؤثرة وفاعلة بصورة إيجابية في إقليمنا المضطرب؛ شرط التحرّر من تدخلات وتأثيرات القوى الخارجية؛ ووجود إدارة رشيدة نزيهة تسدّ الطريق عبر القوانين والإجراءات التنفيذية العملية على أرض الواقع أمام الفساد المرعب الذي يهيمن على العراق؛ هذا الفساد الذي يفرّخ كل أنواع الشرور، من بينها الإرهاب والتبعية وإرهاق العراقيين بكل صنوف المعاناة.
يستطيع العراق بالتكامل مع سوريا، إذا ما توفرت النوايا الصادقة والإرادات الحرّة، أن يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وإعادة التوازن إلى المعادلات الإقليمية المختلة في المنطقة جرّاء التنافس المحموم بين قوى الإقليم الكبرى التي تحاول التمدد بغية تثبيت مناطق النفوذ في دول المنطقة، وفرض الشروط والسياسات.
العراقيون الوطنيون من جميع المكونات المجتمعية العراقية هم كتلة كبيرة مؤثرة، ولكنهم يعانون من التبعثر وعدم الثقة بالنفس. كما أنهم يتعرضون، وقد تعرضوا، لحملات التصفية والتضييق عبر التهديدات والإجراءات التي تستهدف حماية شبكات وعصابات الفساد التي تستخدم مؤسسات الدولة العراقية واجهة للتستّر، وممارسة كل الأعمال غير المشروعة التي أضرّت، وتضرّ، بالعراق شعبا ووطنا، وتمثل خطراً يهدد مستقبل الأجيال العراقية المقبلة التي تستطيع، إذا ما أُعطيت الفرصة، أن تضمن مستقبلا زاهراً لمجتمعها وبلدها، وتساهم في تعزيز أمن واستقرار المنطقة وتوفير مقومات النهوض بها، وازدهارها.

المصدر القدس العربي

اترك رد

عاجل