الحضور الثاني في الجمعية العامة.. سوريا تثبّت موقعها في النظام الدولي

عمر إدلبي1 أكتوبر 2026آخر تحديث :
الحضور الثاني في الجمعية العامة.. سوريا تثبّت موقعها في النظام الدولي

حين صعد الرئيس أحمد الشرع إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين عام 2025، كان الحدث تاريخياً بكل المقاييس، فهو أول خطاب لرئيس سوري أمام هذا المحفل منذ ما يقارب ستة عقود، لكن المشاركة الجديدة لسوريا في الدورة الحادية والثمانين عام 2026 حملت دلالة أبعد أثراً، تؤكد حضوراً فاعلاً يعيد تعريف موقع الدولة السورية في النظام الدولي من دولة مارقة معزولة إلى دولة مؤسِسة تستعيد مكانتها الطبيعية، تثبتها جملة متغيرات بنيوية جعلت من دمشق شريكاً في صياغة القرار الدولي بعد أن كانت موضوعاً له.

على مدى عقود، ظل مفهوم “الدولة المارقة” ملتصقاً بسوريا في الخطاب السياسي الدولي، وهو تصنيف يستند إلى خرق معايير دولية سائدة، ويُترجم إلى عزلة دبلوماسية وعقوبات اقتصادية ووصم سياسي، إلا أن سلسلة من الخطوات السورية، المدعومة بجهود الأشقاء والأصدقاء، أزالت الأسباب البنيوية للعزلة.

ففي آب/ أغسطس الماضي، أزالت الولايات المتحدة سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كآخر خطوة في مسار تفكيك منظومة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، وإطلاقاً لمسار تطبيع العلاقات مع سوريا، ولم يكن هذا القرار مجرد بادرة حسن نية، بل تتويجاً لجهد تفاوضي شاق، أفرز تحولاً سياسياً مهماً، فرفع العقوبات لم يفتح الباب أمام التجارة والاستثمار الدوليين فحسب، بل أعاد لدمشق قدرتها على التحرك في الفضاء الدبلوماسي دون قيود.

في خطابه أمام الدورة الثمانين، قال الرئيس الشرع إن سوريا “انتصرت للعالم أجمع عندما أسقطت منظومة إجرام استمرت لـ 60 عاماً، وتحولت من بلد يصدّر الأزمات إلى فرصة تاريخية لإحلال الاستقرار والسلام والازدهار للمنطقة بأسرها”، وكانت هذه العبارة إعلاناً عن وعد بتحول موقع ودور الدولة السورية داخل النظام الإقليمي والدولي.

وفي الدورة الحادية والثمانين، لم تأت دمشق إلى نيويورك هذه المرة لتطلب الاعتراف بشرعية مسيرتها في المرحلة الانتقالية أو تدعو لرفع العقوبات، بل لتعرض حصيلة مرحلة انتقلت فيها من تثبيت الاستقرار وإطلاق جهود تأسيس الدولة، إلى توسيع حضورها وعلاقاتها الخارجية.

هذا الانتقال من موقع المتلقي للمساعدات والقرارات إلى موقع الفاعل الذي يقدم رؤيته للمرحلة المقبلة، هو ما يميز المشاركة الثانية عن الأولى، فمشاركة 2025 حملت عنوان العودة إلى المنبر الدولي، أما المشاركة الأخيرة قبل أيام فحملت عنوان تثبيت الحضور وإثبات التقدم والبناء على ما تحقق.

لم تقتصر المشاركة السورية الثانية على إلقاء خطاب أمام الجمعية العامة، بل امتدت إلى حراك دبلوماسي نشط مكثف يعكس سعي القيادة لإعادة التشبيك الدولي، وحجم التحول في موقع سوريا الدولي، فقد تضمن جدول أعمال الرئيس الشرع عدداً من اللقاءات الثنائية مع قادة ووزراء ومسؤولين، ومشاركة مهمة في اجتماع متعدد الأطراف بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة مجلس التعاون الخليجي وتركيا لمناقشة التطورات الإقليمية، واجتماع مع أعضاء بالكونغرس الأمريكي، يظهر حرص القيادة السورية على بناء علاقات مع المؤسسات الأميركية أعمق من مجرد علاقة مع الإدارة الحالية، إلى جانب لقاء الرئيس وأعضاء الوفد المرافق نخبة من أبناء الجالية السورية، في الولايات المتحدة الأمريكية، لتأكيد عمق إدراك القيادة لدور المغتربين المحوري في تعزيز العلاقات السورية-الأمريكية، والاستفادة من كفاءاتهم وخبراتهم في دعم مسار التعافي الاقتصادي وجهود إعادة الإعمار والتنمية في سوريا الجديدة، إلى جانب العديد من اللقاءات والاجتماعات التي عقدها أو حضرها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والوزراء والمسؤولون المرافقون في الوفد السوري، وهذه الكثافة الدبلوماسية شكلت فارقاً إضافياً في الحضور السوري فيما يُعرف رسمياً بـ “الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة” لهذا العام.

ويلاحظ أن هذا الحراك لم يكن بروتوكولياً، بل استهدف ترسيخ تحويل الانفتاح السياسي إلى ترسيخ علاقات دبلوماسية مستقرة، ومناقشة فرص استثمارية اقتصادية، فمن خلال اللقاءات على هامش الجمعية العامة، يمكن تصور ما حققته دمشق من إنجاز في ثلاثة أيام، يصعب تحقيقه في أسابيع من الجولات الثنائية، فمعظم قادة العالم في مكان واحد، ولا عوائق تحول دون لقاءات كانت غير ممكنة قبل رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والنقاشات لم تعد تدور حول تجاوز العقوبات والتصنيف، بل حول إمكانية بناء علاقات ونسج شراكات وإقرار تنفيذ استثمارات تحتاجها سوريا في هذه المرحلة.

إن ما يجعل المشاركة الثانية أكثر دلالة من الأولى هو أنها جاءت بعد عام كامل من التحولات التي غيرت بنية الدولة السورية ومكانتها الإقليمية، فقد قطعت سوريا خطوات متقدمة على طريق تأسيس وتوحيد المؤسسات، وتعزيز وحدة البلاد، وترسيخ حصرية السلاح بيد الدولة، كما أطلقت مبادرات دولية كبرى، منها مبادرة لإزالة أي بقايا محتملة لبرنامج الأسلحة الكيميائية، والتعاون البناء مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، للتخلص من إرث عدم الامتثال الطويل في عهد النظام البائد، وهما ملفان كانا لسنوات طويلة أحد أبرز أسباب عزل سوريا الدولية.

وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، استعادت دمشق علاقاتها مع محيطها العربي، وأصبحت فاعلاً يتأثر ويؤثر في القضايا العربية، كما تعززت الثقة الدولية بمسار بناء الدولة في سوريا واستقرارها، ففي أيلول/ سبتمبر الجاري وحده، تسلم الرئيس الشرع أوراق اعتماد سبعة سفراء جدد، في خطوة تبرز اعترافاً دولياً واسعاً بالدولة الجديدة وقيادتها، كما استُؤنفت العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا وأُعلن عن اتفاق لتبادل السفراء مع فرنسا، وهذه التحولات مجتمعة تعني أن سوريا لم تعد دولة تنتظر أن تُقرر لها مكانتها في النظام الدولي، بل أصبحت دولة تتفاوض على هذا الموقع والدور وتعيد تعريفه بإرادتها ومن منطلق مصالحها، بعد سنوات من البقاء مقعداً في قاعة المتهمين، وملفاً إشكالياً ينتظر التسوية.

والرسالة السورية إلى العالم في الدورة الحادية والثمانين واضحة: استقرار سوريا ليس شأناً داخلياً منفرداً، بل عنصر أساسي في أمن المنطقة والعالم واستقرارهما وازدهارهما، ودعم استقرارها والتعاون معها لا يرتبط بالمساعدات أو معالجة آثار الماضي فحسب، بل بالمشاركة في بناء فرص جديدة في الاقتصاد والاستثمار والطاقة والربط الإقليمي وإعادة الإعمار، وهو ما يؤكد أن حضور سوريا الثاني على منبر الأمم المتحدة بعد سقوط النظام البائد، إعادةُ تأسيس فعلي لهوية الدولة السورية في النظام الدولي، دولة تقود وتقرر مصيرها وتحدد موقعها؛ وتشارك في صناعة القرار الإقليمي والدولي.

المصدر الثورة السورية

اترك رد

عاجل