

سبعة أشهر متواصلة من تبادل الضربات، والتغيرات المتواصلة في حدة الصراع وأنماطه، حتى لم يعد توقع مآلات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ممكناً… لم تعد حالة التوتر المتواصل وضعاً عابراً في المنطقة، بل تحوّلت إلى جمود استراتيجي تتبدل فيه قواعد الاشتباك في المنطقة بين فترة وأخرى، فما بدأته أميركا ليكون عملاً عسكرياً خاطفاً مركّزاً تحوّل إلى صراع مستمر بلا أفق لنهايته، وما تجدّد من ضربات متبادلة بين الطرفين، بعد توقيع اتفاق التفاهم يتطور منذ ثلاثة أشهر إلى نمط من العنف المتبادل الذي يتسم بالاستمرارية والضبط النسبي في آن، حتى بات هذا التناقض يشكل جوهر الأزمة الراهنة، حرب لا تنتهي، لكنها لا تتوسّع إلى حد يجر الجميع إلى الهاوية، أو الاتفاق على إنهائها، لكنها في الوقت نفسه تستنزف الأطراف وتُبقي المنطقة على صفيح ساخن.
في قلب المواجهة يقف ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 33 كيلومتراً، لكنه يحمل أكثر من خمس إمدادات النفط العالمية. هنا، رسم الطرفان معادلة خطيرة قوامها الرد المقنن، كل محاولة أميركية لإعادة الحياة إلى مضيق هرمز تواجهها إيران باستهداف السفن المخاطرة بالعبور، وكل ضربة أميركية لمواقع الرصد والمراقبة والأصول العسكرية الإيرانية أو إغراق لقارب تابع للحرس الثوري، تقابلها طهران باستهداف قاعدة عسكرية في دول المنطقة، وتهديد استقرار دول الخليج، وصولاً إلى مرحلة استهداف ناقلات النفط الإيرانية مقابل تهديد سلامة القطع البحرية الأميركية، ليصبح هذا التبادل، رغم قسوته، خاضعاً لقواعد غير منتظمة، تركتها الأطراف على هذا النحو الغامض لتجنّب الردود المفرطة التي قد تؤدي إلى حرب شاملة.
وأخيراً، حاولت إيران فرض ما تسميها “منطقة حظر بحري” غير رسمية، مستغلة قدراتها في الحرب غير المتماثلة من زوارق سريعة وألغام بحرية وصواريخ ساحلية، في المقابل، تعتمد واشنطن على تفوقها التكنولوجي ووجود أسطولها الخامس، لكنها تجد نفسها مضطرّة إلى الموازنة بين ضرورة حماية الملاحة البحرية ورغبتها في عدم الانجرار إلى مستنقع جديد في الشرق الأوسط، والنتيجة الراهنة وضع يشبه لعبة الدومينو البطيئة، حيث كل خطوة تنتج ردة فعل متوقّعة، لكن احتمالية الخطأ في التقدير تظل مرتفعة باستمرار.
ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 33 كيلومتراً، لكنه يحمل أكثر من خمس إمدادات النفط العالمية
على الجانب الدبلوماسي، يبدو المشهد معقداً شديد القتامة، الوساطات الخليجية، وفي مقدمتها المساعي القطرية والعُمانية، اصطدمت بحائط الشروط المتناقضة. تطرح واشنطن رؤية تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، وليس فقط تجميده، مقترنة بوقف ما تصفها بأنشطة إيران ووكلائها المزعزعة للاستقرار في دول المنطقة، في حين ترفض طهران أي نقاش بشأن قدراتها الصاروخية أو نفوذها الإقليمي، معتبرة أنها خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض.
وزاد الجمود الدبلوماسي غموضاً عقب إعلان تأجيل اجتماع خليجي- إيراني كان مقرّراً عقده في سلطنة عُمان لبحث صياغة تفاهمات لخفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز، في وقت تصعّد فيه واشنطن من حربها الاقتصادية ضد طهران بفرض عقوبات مشدّدة طاولت مؤسسات دولية كبرى تُتهم بمساعدة إيران على الالتفاف على القيود المرتبطة بمبيعات النفط الإيراني الخاضع للعقوبات.
ليس هذا الجمود وليد مرحلة الصراع الحالية، بل يعكس أزمة ثقة عميقة تراكمت عقوداً، لم يجرِ تجاوزها في اتفاق عام 2015 الذي دُمّر بانسحاب أميركي أحادي، ثم سياسة “الضغط الأقصى”، ثم العودة المبتورة إلى طاولة الحوار، وكلها مراحل جعلت الطرفين ينظران إلى أي تفاوض باعتباره فرصة لكسب الوقت العسكري أكثر من كونه مدخلاً إلى حل مستدام، في حين أن المفاوضات الحالية، إذا جاز تسميتها كذلك، تجري تحت وقع القصف والضربات المتبادلة، أوراق ضغط على طاولة افتراضية لا يحضرها أحد بجدية.
أخطر تحوّل طرأ على المواجهة يتمثل في خروجها عن الإطار الثنائي، فمن دول الخليج ومنشآتها الحيوية الاقتصادية، وسواحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى حدود العراق والأردن، باتت المنطقة مسرحاً لهجمات متبادلة عبر الأصلاء والوكلاء، فالحوثيون في اليمن، والفصائل الولائية في العراق، بدعم إيراني واضح، استهدفوا منشآت سعودية حساسة، بينما ردت القوات السعودية والأميركية بضربات جوية في العراق استهدفت فصائل مسلحة موالية لطهران، ويتصاعد على نحو خطير استهداف منشآت ومواقع سعودية في الأيام الماضية، امتد من حدودها جنوباً وصولاً إلى عمقها النفطي والاستراتيجي.
وتحمل هذه الحلقة الوسيطة في طياتها خطر التوسع الأفقي للصراع، حيث قد تجد دول الخليج نفسها طرفاً مباشراً في الحرب دفاعاً عن أراضيها، ما يغير تماماً طبيعة الصراع من مواجهة بين قوتين إلى حرب إقليمية بأبعاد طائفية وجيوسياسية معقدة.
اللافت أن إيران تتعامل مع هذه الجبهات كأوراق ضغط تفاوضية، بينما ترى فيها واشنطن تهديداً وجودياً لحلفائها، لا تفعل الكثير لمنعه أو وقف تداعياته، ما دفع دول الخليج إلى البحث عن مظلة أمن جديدة، بعد أن فقدت الثقة بالمظلة الأميركية الوحيدة حتى ظهر خطر الاعتماد عليها خليجياً. ويزيد هذا التباين في التصور من احتمالية سوء التقدير، فما تعتبره طهران “ردعاً دفاعياً”، تعتبره واشنطن ودول الخليج “عدواناً ممنهجاً” يستدعي البحث عن وسائل لردعه، أو رداً أوسع.
تواجه دول الخليج العربي معضلة مضاعفة، الأولى هي توفير الحماية لناقلاتها وخطوط نفطها، والثانية هي تجنب الانجرار إلى المواجهة المباشرة التي قد تحول أراضيها إلى ساحة حرب
وبالرغم من تعدد مسارات الصراع، يبقى سيناريو استمرار المواجهة في مضيق هرمز والخليج العربي الأكثر قرباً للتحقق، لعدة أسباب موضوعية، فهو أولاً يسمح لكلا الطرفين بإظهار القوة من دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة التي يتقاطع رفضهما لها، فإغراق ناقلة أو إطلاق صاروخ على قاعدة ساحلية فعل عدائي، لكنه لا يرقى إلى مستوى غزو بري، أو تدمير منشآت البنى التحتية، وهذا المستوى من العنف يمنح كل طرف هامشاً للمناورة والتبرير السياسي الداخلي.
وثانياً، لأن الجغرافيا تخدم هذا السيناريو، فالمياه الضيقة للمضيق تجعل أي تحرك بحري موضع مراقبة دائمة، وتتيح للقوات الإيرانية استخدام تكتيكات دفاعية تعوّض عن تفوق الولايات المتحدة التكنولوجي والعسكري. في المقابل، تسمح الطائرات المسيرة الأميركية والاستطلاع الفضائي بتتبع التحركات الإيرانية وضربها بدقة، ما يحافظ على توازن الرعب الذي يمنع التصعيد غير المحسوب.
وثالثاً، لأن هذا السيناريو يحقق هدف استنزاف الطرفين تدريجياً، وهو ما يتناسب مع طبيعة السياسات الداخلية لكلا البلدين، فإيران تظهر صمودها في مواجهة “العدو الأكبر” لتعزّز شرعيتها الداخلية، وإدارة ترامب تقدم نفسها قوة لا مثيل لها في العالم في مواجهة خصوم واشنطن من دون التورّط في حرب طويلة تكلفها معارضة داخلية تعوق سياساتها، وأصواتاً انتخابية، وكلا الجانبين يجد في هذا النمط المستمر من التصعيد المحدود فائدة راهنة، رغم خطورته بعيدة المدى.
وإذا استمر هذا السيناريو فترة أطول ستكون تداعياته صعبة ومتعددة المستويات، اقتصادياً، ستبقى أسواق النفط في حالة من الترقب الدائم، مع تخطي سعر البرميل حاجز المائة دولار، مدفوعاً بمخاوف متزايدة بشأن تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط. ويؤثر هذا الوضع مباشرة بتكاليف الطاقة عالمياً، ما يغذي التضخم ويضغط على البنوك المركزية في قراراتها المتعلقة بأسعار الفائدة، خصوصاً في أوروبا وآسيا التي تعتمد بشكل كبير على إمدادات الخليج.
يشبه المشهد الحالي حلقة مفرغة، التصعيد يؤدّي إلى تعطيل الدبلوماسية، وتعطّل الدبلوماسية يترك المجال مفتوحاً أمام مزيد من التصعيد
أما على المستوى الأمني فتواجه دول الخليج العربي معضلة مضاعفة، الأولى هي توفير الحماية لناقلاتها وخطوط نفطها، وممراتها المائية التي تمثل شرايين اقتصادها، والثانية هي تجنب الانجرار إلى المواجهة المباشرة التي قد تحول أراضيها إلى ساحة حرب، وهذا الضغط سيدفعها على الأرجح إلى تعزيز تحالفاتها الدفاعية مع واشنطن، لكنه في الوقت نفسه يعزّز قناعة قياداتها بالبحث عن أطر حماية أمنية من خارج منظومة الأمن الأميركية، وبضرورة فتح قنوات خلفية مع طهران لتأمين مصالحها الحيوية، في مشهد دبلوماسي معقد يشبه التوازن على حبل مشدود.
أخيراً، يعمّق هذا السيناريو أزمة الثقة بين جميع الأطراف المعنية، ما يجعل أي اختراق دبلوماسي مستقبلي أكثر صعوبة، فكلما طال أمد المواجهة الصاروخية والبحرية، تراكمت وازدادت تعقيدات أي اتفاقية سلام مستقبلية، كما قد يشجع هذا الفراغ الأمني جماعات متطرّفة على استغلال الفوضى لشنّ هجماتها الخاصة، ما يحوّل الخليج والمنطقة إلى بيئة خصبة لعدم الاستقرار المزمن.
في المحصلة، يشبه المشهد الحالي حلقة مفرغة، التصعيد يؤدّي إلى تعطيل الدبلوماسية، وتعطّل الدبلوماسية يترك المجال مفتوحاً أمام مزيد من التصعيد، وما يراها بعضهم “حرباً مضبوطة” هي في واقع الأمر مجرّد مرحلة، قد تنتهي بانهيار مفاجئ نحو حرب شاملة، نتيجة خطأ غير محسوب، أو باستنزاف تدريجي يُجبر أحد الطرفين على تغيير استراتيجيته جذرياً. وحتى تلك اللحظة، ستبقى أزمة مضيق هرمز رمزاً لشرق أوسط جديد، حيث تدور الحرب بشكل يومي، وتصطف الناقلات بانتظار فترات صمت المدافع.





