من نيويورك.. الشرع يفتح ملف الوجود العسكري الأجنبي في سوريا

سمر بدر23 سبتمبر 2026آخر تحديث :
الرئيس أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في المجلس الأطلسي بنيويورك – 22 أيلول 2026 – سانا

لم يكن الجديد في حديث الرئيس أحمد الشرع من نيويورك قوله إن سوريا لا تريد قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها. اللافت أكثر كان حديثه عن الصفة القانونية لأي وجود عسكري وربطه بموافقة مجلس الشعب.

الشرع قال خلال جلسة نظمها المجلس الأطلسي مساء الثلاثاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إن دمشق تسعى إلى ألا تكون في سوريا قواعد عسكرية أجنبية وأن تكون السيادة كاملة للدولة السورية. وأضاف أن أي وجود أجنبي يجب أن يحظى بإقرار مجلس الشعب وأن تكون له صفة قانونية.

هذا الكلام يأتي فيما لم يغلق ملف الوجود الروسي بعد بل تغير شكله

في التاسع من آب توصلت سوريا وروسيا بعد نحو عام ونصف من المفاوضات إلى مذكرة تفاهم أعادت تنظيم الوجود الروسي في حميميم وطرطوس. وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية السورية تتسلم الدولة إدارة المنشآت ذات الطابع المدني وبينها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس بينما تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل. وحددت المذكرة مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال الانتقال إلى الترتيبات الجديدة.

لكن الوجود الروسي لم يتوقف خلال هذه المرحلة.

ففي السابع من أيلول وصلت سفن روسية إلى طرطوس في أول عملية إمداد كبيرة للمنشآت الروسية على الساحل منذ الاتفاق الجديد بحسب رويترز. وتوجهت إمدادات أيضاً نحو حميميم فيما لا تزال قوات روسية موجودة ضمن الترتيبات التي يجري تنفيذها.

وهنا يأخذ كلام الشرع في نيويورك معنى أبعد من الموقف السياسي المعتاد بشأن السيادة. فمذكرة آب أعادت تعريف وظيفة القاعدتين لكنها لم تنه الوجود الروسي فورا، وتصريحه الجديد يضع شرطاً آخر يتعلق بالطريقة التي يمكن أن يستمر بها أي وجود أجنبي وهو أن يكون محدداً قانونياً وأن يمر عبر مجلس الشعب.

الشرع تحدث عن أن القاعدتين الروسيتين يجري تحويلهما إلى مواقع لتدريب الجيش السوري لا إلى قواعد تستخدم لإدارة عمليات ضد دول أخرى أو لتقديم دعم لوجستي لها. وقال إن النقاش مع موسكو مستمر وإن مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان دخلت في مرحلة التنفيذ.

وبهذا تصبح التفاصيل التي لم تعلن حتى الآن مهمة بقدر الاتفاق نفسه. مدة بقاء القوات الروسية وعددها وطبيعة عملها داخل مراكز التدريب والصلاحيات التي ستمنح لها ثم الشكل الذي سيعرض به هذا الترتيب على مجلس الشعب إذا كان سيحتاج فعلاً إلى إقراره.

حديث الشرع جاء أيضاً بعد اكتمال انسحاب القوات الأميركية من سوريا خلال العام الجاري. وكانت القوات الأميركية قد أنهت وجودها العسكري المباشر في نيسان بعد سنوات من الانتشار في شمال شرقي البلاد ضمن عمليات التحالف ضد تنظيم الدولة. وفي نيويورك وصف الشرع عملية الانسحاب بأنها جرت بالتفاهم ومن دون مواجهة وقال إن القوات السورية تسلمت المناطق التي غادرتها القوات الأميركية.

لكن الحالة الروسية مختلفة. موسكو لم تغادر بل انتقلت من الاتفاقات القديمة التي منحتها حضوراً عسكرياً واسعاً على الساحل إلى صيغة يجري التفاوض على تفاصيلها مع السلطة الجديدة.

ولهذا تبدو الإشارة إلى مجلس الشعب مهمة في هذا التوقيت تحديداً. المجلس بدأ أعماله في تموز الماضي وشرع خلال الأسابيع التالية في مناقشة ملفات تتصل بالتشريع والسياسات العامة. وفي السادس عشر من أيلول أقر إلغاء محكمة قضايا الإرهاب وإبطال أحكامها في واحدة من أبرز خطواته التشريعية منذ بدء عمله.

لكن دخوله في ملف الوجود العسكري الأجنبي سيكون من طبيعة أخرى إذا انتقل كلام الشرع إلى إجراء فعلي.

فالحديث إذا هنا لا يتعلق بقانون داخلي فقط بل باتفاقات عسكرية وبقوات تابعة لدول أخرى موجودة داخل الأراضي السورية.

ولا يشمل ذلك الوجود الإسرائيلي في الجنوب بالطريقة نفسها لأن دمشق لا تتعامل معه كوجود قائم باتفاق معها. الشرع قال في نيويورك إن سوريا ما زالت تختار التفاوض في التعامل مع إسرائيل رغم استمرار الخلافات بشأن الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط النظام السابق. وقال إن جولات التفاوض وصلت في مرحلة سابقة إلى تفاهم واسع قبل أن تتراجع إسرائيل عن الاتفاق وفق روايته.

ما قاله الشرع في نيويورك لا يحسم مستقبل القواعد الأجنبية ولا يكشف بعد الصيغة القانونية التي ستعتمدها الدولة السورية. لكنه يضع للمرة الأولى معياراً معلناً وواضحاً من الرئاسة لهذا الملف: وجود عسكري بموافقة الدولة وحدها لا يكفي إذا لم تكن له صفة قانونية وإقرار من مجلس الشعب.

ومع استمرار تنفيذ اتفاق حميميم وطرطوس ستكون هذه النقطة هي التي تستحق المتابعة في المرحلة المقبلة. ليس فقط ماذا بقي لروسيا على الساحل بل بأي اتفاق بقي ومن يملك في الدولة السورية حق الموافقة عليه.

اترك رد

عاجل