
بدأ الرئيس أحمد الشرع زيارته إلى نيويورك بلقاء أبناء من الجالية السورية في الولايات المتحدة، قبل الدخول في برنامج سياسي مزدحم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. الترتيب هنا يحمل دلالة تتجاوز اللقاء نفسه.
فالشرع تحدث أمام الحاضرين عن دور السوريين في الخارج في تعزيز العلاقات السورية الأميركية والاستفادة من خبراتهم في إعادة الإعمار والتنمية، وهو الدور نفسه الذي بات يظهر في الخطاب الرسمي كلما طُرحت مسألة المغتربين والكفاءات السورية خارج البلاد.
لكن الجالية السورية في الولايات المتحدة لها وضع مختلف قليلاً.
بحسب أحدث بيانات معهد سياسات الهجرة الأميركي، يعيش في الولايات المتحدة نحو 122 ألف شخص مولود في سوريا فيما يصل عدد السوريين ومن يعرّفون أنفسهم بأنهم من أصول سورية إلى نحو 261 ألفاً. ونحو 70 في المئة من السوريين المهاجرين كانوا قد حصلوا على الجنسية الأميركية حتى عام 2024. العدد ليس ضخماً بالمقارنة مع جاليات أخرى، لكن أهميته تأتي من المكان.
خلال سنوات الحرب تعلّم جزء من السوريين في أميركا كيف يعمل الكونغرس وكيف تمر القوانين وكيف يمكن الوصول إلى مكاتب النواب وأعضاء مجلس الشيوخ. ظهرت منظمات ضغط وأطر سياسية ومدنية، وصار للسوريين حضور في نقاشات كانت تُصنع سابقاً من دونهم.
قانون قيصر ربما يكون أوضح مثال.
المجلس السوري الأميركي كان بين الجهات التي عملت لسنوات من أجل إقراره، واعتبر دخوله حيز القانون عام 2019 نتيجة عمل طويل داخل الكونغرس. وبعد سقوط نظام بشار الأسد، عاد المجلس نفسه إلى الكونغرس مطالباً بإلغاء القانون، معتبراً أن الأداة التي صُممت للضغط على النظام السابق لم تعد مناسبة للمرحلة الجديدة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 أُلغي القانون بعد إدراجه في قانون الدفاع الأميركي.
ربما تكشف هذه الحادثة وحدها شيئاً عن وزن الجالية السورية الأميركية أكثر مما تكشفه صور الاجتماعات.
فالتأثير هنا لم يكن في اتجاه واحد. مجموعة ضغط ساهمت في الدفع نحو عقوبات، ثم تحركت بعد سنوات باتجاه رفعها عندما تغيرت الظروف السياسية في سوريا.
وهذا النوع من النفوذ هو ما يجعل دمشق تنظر إلى السوريين في الولايات المتحدة باعتبارهم أكثر من مغتربين يمكن دعوتهم إلى الاستثمار.
هم موجودون داخل الدولة الأكثر تأثيراً في كثير من الملفات المرتبطة بسوريا، ويملكون بدرجات متفاوتة علاقات وخبرة في التعامل مع مؤسساتها السياسية والإعلامية والاقتصادية.
لكن المسألة لا تنتهي في واشنطن.
في لقاء نيويورك ظهر جانب آخر من العلاقة عندما طرحت الدكتورة ريم البزم سؤالاً عن التسوية التي أجرتها السلطات السورية مع رجل الأعمال محمد حمشو.
وقال الشرع إن الدولة استحوذت على نحو 80 في المئة من أموال حمشو، وأبقت له على الجزء الذي لم يثبت، بحسب روايته، أنه جُمع بطريقة غير مشروعة. كما ربط طريقة التعامل مع الملف بالحفاظ على شركات يعمل فيها عشرات آلاف الأشخاص، وقال إن عدد العاملين المرتبطين بهذه الأعمال يبلغ نحو 40 ألفاً، مؤكداً أن التسوية المالية لا تمنع أي ملاحقة قانونية أخرى إذا ثبتت قضايا بحقه.
الجواب لقي ارتياحاً لدى بعض الموجودين، وظهرت بعد الاجتماع منشورات وانطباعات إيجابية عن اللقاء.
لكن القضية أوسع من انطباع خرج به اجتماع واحد…
السوري المقيم في أميركا قد ينظر إلى الملف من زاوية العدالة والمحاسبة أو من زاوية استقرار الاقتصاد، بينما العامل الذي يعتمد دخله على شركة مهددة بالمصادرة يعيش المسألة بطريقة مختلفة تماماً.
وهذه المسافة بين النقاش السياسي في الخارج والحياة داخل سوريا تستحق أن تبقى حاضرة كلما جرى الحديث عن «دور الجالية».
فالجاليات تملك علاقات وخبرات ورؤوس أموال، لكنها لا تعيش بالضرورة التفاصيل التي يعيشها السوري في الداخل، من ضعف الخدمات إلى فرص العمل والدخل وأوضاع المؤسسات.
وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها لا توجد جالية واحدة متجانسة يمكن اختصارها في رجال أعمال وأطباء وأكاديميين. بيانات معهد سياسات الهجرة تظهر مثلاً أن ربع المهاجرين السوريين تقريباً كانوا يعيشون تحت خط الفقر في 2024.
لهذا فإن أهمية الجالية لا تعني منحها صفة تمثيلية لا تملكها، كما لا تعني التقليل من الدور الذي استطاعت أن تبنيه خلال سنوات.
الأهم ربما هو شكل هذا الدور في المرحلة الجديدة.
قبل سنوات كان جزء كبير من النشاط السوري الأميركي يدور حول الضغط والعقوبات والمحاسبة. أما اليوم فتظهر إلى جانبه ملفات الاستثمار وفتح الأسواق وربط المؤسسات السورية بالنظام المالي العالمي وإعادة بناء قطاعات تضررت خلال الحرب.
وفي المجال الصحي مثلاً انتقل جزء من النشاط من الدعم الخارجي إلى العمل داخل سوريا. الجمعية الطبية السورية الأميركية “سامز” كثفت خلال 2026 برامجها داخل البلاد، وأرسلت بعثات طبية ونظمت نشاطات لتدريب كوادر سورية ودعم مؤسسات صحية في عدد من المحافظات.
هذا ربما هو الوجه الأقل ضجيجاً لدور الجالية، لكنه الأكثر قابلية للقياس.
العلاقات مع عضو في الكونغرس مهمة إذا ساعدت في حل عقدة سياسية أو اقتصادية. الطبيب في الخارج مهم إذا استطاع نقل خبرة إلى مستشفى داخل البلد. ورجل الأعمال يصبح مهماً عندما يتحول الاستثمار إلى عمل وإنتاج، لا عندما يبقى في بيانات المؤتمرات.
ومن هذه النقطة تحديداً يصعب فصل الخارج عن الداخل.
رفع العقوبات يمكن أن يفتح أبواباً، لكنه لا يضمن وحده دخول الاستثمارات. العلاقات الجيدة مع واشنطن قد تخفف عزلة سوريا، لكنها لا تصنع قضاءً مستقلاً أو قوانين مستقرة أو مؤسسات قادرة على التعامل مع المستثمر والمواطن بالطريقة نفسها.
وهذه قضايا لا تستطيع الجالية أن تحلها عن الدولة.
في المقابل تملك الجالية شيئاً لا تملكه دمشق بسهولة، وهو شبكة علاقات تكونت طوال أكثر من عقد داخل بلد مؤثر في القرار الدولي تجاه سوريا.
الاستفادة من هذه الشبكة تبدو مصلحة سورية واضحة. لكن قيمتها ستظل مرتبطة بقدرتها على الاحتفاظ بمسافة تسمح لها بنقل صورة البلد كما هي، لا كما تريد الحكومة وحده








