عن شجون دير الزور وأخواتها

بشير البكر5 سبتمبر 2026آخر تحديث :
بشير البكر

تُعدّ حادثة جديدة عرطوز في ريف دمشق، الأسبوع الماضي، عيّنةً من ملفّ كبير اسمه الجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث (الرقّة ودير الزور والحسكة) التي تمرّ في وضع بالغ الصعوبة. فقد عانت هذه المحافظات قبل الثورة السورية عام 2011 التهميش والتمييز، على الرغم ممّا تقدّمه للبلد من ثروات زراعية ونفطية وغازية، فضلاً عن أنّها الخزّان الأساس للقمح والقطن. وظلّت الخدمات الأساسية فيها متدنّيةً، سيّما التعليم والطبابة والكهرباء، فيما دفعت الجزيرة خلال 15 عاماً مضت ثلاث فواتير ثقيلة: الثورة على النظام، وخضوعها لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثمّ حكم قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وكانت النتيجة دماراً واسعاً في عدد من مدنها وبلداتها، وتحديداً في دير الزور، وهو ما أدّى إلى موجات نزوح وهجرة، وفُرِّغت مناطق واسعة من سكّانها. هاجر بعضهم إلى الخارج، فيما توزّع آخرون بين المدن السورية، وكانت دمشق واحدةً من أبرز وجهاتهم.

ومن يسير اليوم في شوارع العاصمة يمكن أن يلمس جانباً من معاناة الجزيرة في وجوه أبنائها الذين دفعتهم الحرب والفقر إليها. يأتي المرضى إلى دمشق بحثاً عن علاج لا يجدونه في مدنهم، فيما يضطر آخرون، تحت وطأة الفقر، إلى النوم في الشوارع. وهكذا انتقلت مأساة الجزيرة إلى قلب دمشق لتصبح مرئيةً لمَن لم يكن يرى سوى ثرواتها.

يجب الاعتراف بأنّ النازحين من مدن الجزيرة إلى دمشق لا يلقون دائماً استقبالاً كريماً، وتُواجَه إقامتهم في العاصمة بقدر من الرفض. يعود جانبٌ من ذلك إلى صعوبة الأوضاع في العاصمة نفسها التي باتت مزدحمةً وغير قادرةٍ على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين من مختلف محافظات سورية، ولا سيّما بعد سقوط النظام. لكنّ الصور النمطية الشائعة عن أبناء الجزيرة لدى قطاعات من السوريين، بما تحمله في طيّاتها من تمييز وتعالٍ، تزيد المشكلة حدّةً، وتدفع أحياناً إلى توتّرات اجتماعية ومواجهات. وهذا ليس أمراً وليد اليوم، بل له جذور تعود إلى مراحل سابقة، ويرتبط في جانب منه بغياب سياسات ثقافية وإعلامية تعرّف السوريين بتنوّع مكوّنات مجتمعهم، وتكرّس احترام هذا التنوّع بوصفه مصدر غنى. كما يتطلّب الأمر تشريعات رادعة تجرّم التمييز بأشكاله المختلفة، بما في ذلك التي قد تنشأ بين أبناء المنطقة نفسها، من خلال التوتّرات والصور النمطية المتبادلة.

لا تتحمّل الدولة الحالية مسؤولية ما آلت إليه دير الزور وباقي محافظات الجزيرة خصوصاً، وسورية عموماً، لكنّها تملك مفتاح الحلّ، وليس لديها ترف تأجيل هذا الملفّ، فإمّا أن تسارع إلى معالجته أو تجد نفسها أمام سلسلة متوالية من المشكلات التي يصعب احتواؤها مع مرور الوقت. وقد تتحوّل الدولة، إذا استمرّ التأجيل، إلى ما يشبه الإطفائي في غابة شاسعة لا يعرف أين تندلع فيها النار ثانيةً، لكنّه يبقى في حال استنفار دائم لمواجهة خطر كامن في كلّ مكان. وفي مثل هذه الظروف تكفي شرارة واحدة لتشعل الحريق، ولا تُبقي وراءها أخضرَ ولا يابساً.

لا تستطيع الدولة الحالية اختراع حلول سريعة وشافية لمشكلات تراكمت على مدى عقود، ولا يمكن معالجتها خلال مهلة زمنية وجيزة، لكنّها قادرة على وضع القطار في السكّة عبر خطوات تنموية ملموسة، تبدأ بمعالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى النزوح والهجرة. وفي الأحوال كافّة، ينبغي أن تكون نقطة البداية حشد الجهود المحلّية والخارجية لإعادة الإعمار، ولا سيّما إعادة بناء البنية التحتية من مشافٍ ومدارسَ وطرقات وجسور، بالتوازي مع وضع سياسات عاجلة لاستيعاب الأعداد الكبيرة من شباب الجزيرة في مؤسّسات الدولة المدنية والعسكرية، وهذا يساعد في تنميتها، ويمكّن أهلها من البقاء في مناطقهم، بما يخفّف في الوقت نفسه الضغط المتزايد على العاصمة والمدن الكُبرى.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل