

قدّم المفكر العربي، عزمي بشارة، على شاشة التلفزيون العربي 2، رؤيته لمشروع أرابيكا، الموسوعة الرقمية العربية الشاملة التي يعكف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على إنجازها. وفي مايو/ أيّار الماضي، كانت ندوة “نحو موسوعة عربية” ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب قد كشفت الملامح الأساسية للمشروع، إذ قدّم حينها قائمون على المشروع من المركز، وهم منسق مشروع أرابيكا، طارق حمود، والمحرر العلمي في الموسوعة، رائد السمهوري، والباحثة زهية جويرو، تفاصيل أوّلية عن هذا الطموح المعرفي الضخم. ولكن إضافة عزمي بشارة، في لقائه التلفزيوني أخيراً، جاءت تأطيراً فكرياً عميقاً للمشروع، ووضعه في سياقه الحضاري الأوسع، حين وصفه بأنّه “مشروع نهضوي” و”منحاز إلى الحقيقة”، محارباً بذلك “التزوير والكذب والمبالغات والشائعات وكلّ أنواع التجهيل القائم في مجتمعاتنا”.
ما بين مايو/ أيّار وأوائل سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، قطع مشروع “أرابيكا” شوطاً إضافياً في تظهير المعرفة العربية، وتحفيز وعي الجمهور العربي، فقد كان الحديث في الندوة تقنياً ومنهجياً بامتياز عرضت الأرقام الكُبرى: 30 مليون كلمة أُنجزت، و1500 مؤلِّف و200 محرّر مشاركون في الإنجاز، وشجرة معرفية تضمّ 60 ألف مُدخَل، وخطّة لإطلاق المرحلة الأولى مطلع 2027 تمثّل 10% من المشروع الكلّي. لكنّ ما طرحه بشارة في لقائه التلفزيوني حمل المشروع إلى مستوى آخر، مستوى المعنى والرسالة والمبرّر الوجودي في هذا العصر بالذات. فبينما قدّم الباحثون في معرض الدوحة المخطّط الهندسي للموسوعة، عمل بشارة في إظهارها ضمن سياقها الاستراتيجي، فالحديث لم يكن عن مجرّد موسوعة رقمية، بل عن مشروع يهدف إلى مواجهة “التشظّي الهائل في المعلومات” الذي يغرق فيه العالم العربي، وعن محاولة لردم الهوّة بين اللغة العربية واللغات الأخرى في الفضاء الرقمي، خصوصاً في زمن يسيطر فيه الذكاء الاصطناعي على أدوات المعرفة وصناعة المحتوى.
السؤال الذي يطرحه توقيت هذا الحوار التلفزيوني، بعد أشهر من الإعلان التقني الأوّل: ما الذي تغيّر حتّى يقرّر بشارة التحدّث شخصياً عن المشروع؟ الجواب لا يكمن فقط في بلوغ المشروع مرحلةً متقدّمةً، بل في إدراك القائمين عليه أنّ التحدّي الأكبر لم يعد تقنياً، بل هو ثقافي ووجداني، فإنتاج 30 مليون كلمة إنجاز ضخم، لكنّ إقناع الجمهور العربي بأنّ هذه الكلمات تخصّه وتعبّر عنه وتفتح أمامه آفاقاً جديدة، هو التحدّي الأعمق.
إنتاج 30 مليون كلمة إنجاز ضخم، لكنّ إقناع الجمهور العربي بأنّ هذه الكلمات تخصّه وتعبّر عنه وتفتح أمامه آفاقاً جديدة، هو التحدّي الأعمق
يؤكّد بشارة وهو يخاطب المشاهد العربي عبر شاشة التلفزيون أنّ معركة المعرفة في عصرنا ليست معركة كمّيات فقط، بل معركة ثقة ومصداقية، ففي زمن تتصارع فيه الروايات وتتضارب المعلومات، وتنتشر الشائعات بسرعة الضوء، تصبح الحاجة إلى مرجعية مستقلّة وموثوقة أشبه بالحاجة إلى بوصلة في عاصفة، وهذا ما عبّر عنه بوضوح عندما تحدّث عن الموسوعة باعتبارها أداةً لـ”ديمقراطية المعرفة”، أي إتاحة العلوم للجمهور بلغته وثقافته، بدلاً من تركها حبيسة النُّخب الأكاديمية، أو مستوردةً من سياقات لغوية وثقافية مختلفة، من دون التنازل عن المستوى النوعي والمصداقية.
الجانب الأكثر حيوية في حديث بشارة ربطه مشروع “أرابيكا” بمستقبل الذكاء الاصطناعي، ففي وقت تتسابق فيه الشركات العالمية لتغذية أنظمتها بكمّيات هائلة من النصوص، يبقى المحتوى العربي المميّز والموثوق نادراً، ما يجعل أدوات الذكاء الاصطناعي الناطقة بالعربية أقلَّ كفاءةً مقارنةً بنظيراتها في اللغات الأوروبية والآسيوية الرئيسة.
في لقائه على شاشة التلفزيون، حمل عزمي بشارة مشروع “أرابيكا” إلى مستوى المعنى والرسالة والمبرّر الوجودي في هذا العصر بالذات
تمنح هذه النقطة المشروع بعداً مستقبلياً لا يقلّ أهمّيةً عن جانبه التوثيقي، فالموسوعة، كما يراها بشارة، ليست فقط أرشيفاً معرفياً، بل لبنة أساسية معرفية الطابع لبناء أجيال قادمة من التطبيقات الذكية التي تتحدّث العربية بطلاقة ودقّة، وهذا يعني أنّ المشروع، على الرغم من جذوره التراثية والتوثيقية، يتّجه بقوة نحو المستقبل التكنولوجي من بوابة الإرث الثقافي المعرفي، محاولاً سدّ الفجوة التي يعانيها الفضاء الرقمي العربي حالياً.
ولكن، ماذا عن التحدّيات، خصوصاً المتعلّقة بكيفية تعامل الموسوعة مع التنوّع الثقافي والجغرافي والديني الهائل في العالم العربي، فحديث بشارة عن “تمثيل عادل للمكوّنات المجتمعية” يبقى طموحاً نبيلاً، لكنّ تطبيقه العملي سيكون مرهوناً بقرارات منهجية صعبة حول اللهجات والتراث والتنوّعات الثقافية التي ستُدرَج، وقراءات التاريخ التي ستُعتمَد، والسرديات الخلافية في قضايا كثيرة، كما في مسألة مصير القوميات المتنوّعة وأدوارها في مستقبل المنطقة، وجدل العلاقات بين المذاهب أو الإصلاح الديني… وغيرها كثير.
قد تكون الموسوعة، بحكم أنّها صادرة عن مركز بحثي مستقل نسبياً، في موقع يسمح لها بتجاوز بعض الضغوط الرسمية أو الأيديولوجية التي تعرّضت لها مشاريع عربية سابقة، لكنّ الاستقلال وحده لا يكفي؛ فالاختيارات المعرفية، حتّى عندما تكون مدعومةً بآليات تحكيم علمية، تحمل دوماً أبعاداً سياسية وثقافية، وتحيّزاتٍ ليس من المتوقّع التخلّص من آثارها، وسيكون اختبار الموسوعة الحقيقي حين تواجه مداخل تتعلّق بتلك المناطق الرمادية التي بقيت مناهجنا التعليمية تحافظ على مسافة أمان من شرر الاقتراب منها.
أكّد بشارة أنّ معركة المعرفة هي معركة ثقة ومصداقية، وعدّ “أرابيكا” أداةً لـ”ديمقراطية المعرفة”
وفي علاقة الموسوعة بالنهضة، يصف بشارة المشروع بأنّه “يسهم في نهضة الأمم”، ثمّ يعترف بأنّه وحده “غير قادر على تحقيق النهضة العربية المنشودة”، فهو يرسم حدوداً دقيقة للطموح: يقرّر أنّ الموسوعة أداة ضرورية، لكنّها ليست كافيةً، كما أنّ المعرفة وحدها، من دون بنى سياسية واقتصادية واجتماعية داعمة، ستبقى حبيسة الرفوف الرقمية من دون أن تتحوّل إلى طاقة تغيير فعلية، لكنّ غياب هذه الأداة، كما يلمّح بشارة، كان أحد أسباب تأخّر العرب في العصر الحديث، فالموسوعات في الثقافات الأخرى لم تكن مجرّد مرايا معرفية، بل كانت أيضاً محطّات تنظيم وترتيب للأولويات، وأطراً للتفكير الجماعي، حين أُنجزت الموسوعة الفرنسية في القرن الثامن عشر لم تكن مجرّد جمع للمعلومات، بل كانت بياناً فلسفياً واجتماعياً وسياسياً في آن. وبالمثل، إن نجحت “أرابيكا” في أن تكون أكثر من مجرّد مستودع معلومات، فقد تصبح منصّةً لإعادة تعريف الأسئلة العربية الكُبرى في عصرها، خصوصاً أنّ “أرابيكا” ليست مرآة عاكسةً فحسب، بل إحدى روافع الثقة، يسندها قرار التزام الموضوعية التي لا تعني الحياد تجاه القضايا الكُبرى والأساسية، كما في قضية الصراع العربي الإسرائيلي.
ما طرحه بشارة في حديثه عن “أرابيكا” ليس برنامجاً تفصيلياً، بل بيان رؤية، أو وعد ينتظر التجسيد، لمشروع يطمح إلى أن يكون محطّةً فارقةً في الثقافة العربية الرقمية، نجاحها سيتوقّف على قدرتها على تجديد نفسها، وجذب القرّاء والباحثين، والحفاظ على المصداقية في عصر تتآكل فيه الثقة بالمصادر التقليدية، لكنّ الأهم من ذلك أنّها ستحتاج إلى أن تتحوّل من مشروع مؤسّسي إلى جزء من الوجدان الثقافي العربي، بحيث تصبح المرجع الذي يلجأ إليه الطالب والمعلّم والمثقّف والإعلامي والباحث قبل أن يكتب أو يحكم أو ينقل، وفي زمن تتصارع فيه المصادر وتتدافع الروايات، تظلّ فكرة الموسوعة مرآةً صافيةً تعكس المعرفة الإنسانية بلغة عربية موثوقة، فكرةً تستحقّ الرهان، ليست مشروعاً تقنياً فحسب، بل رهان على إعادة بناء الثقة المعرفية العربية في نفسها.





